عربية ودولية

مراوغة أميركية تسقط «التفاهم» مع الروس

يمنات – السفير

التفاهم الروسي الاميركي قاب قوسين أو أدنى، قبل أن يعود في النهاية الى المربع الاول. لم تنجح لقاءات قمة العشرين، بين الرئيسين باراك اوباما والرئيس فلاديمير بوتين، في استيلاد التفاهم الذي كان سيشكل قاعدة للعملية السياسية. التفاؤل الروسي الاميركي، كان كبيرا جدا بالتوصل الى هذا التفاهم خلال القمة، الى درجة تكليف الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا، بوضع خريطة طريق جديدة الى جنيف، تستوحي التفاهمات المتوقعة، كي لا يضيّع المتفاهمون الوقت، وللاستفادة من زخمها، لوضع الحل السياسي في سوريا على سكة التنفيذ.

سقوط التفاهم يعود بقدر كبير الى محاولة الاميركيين الاستفادة من ضيق الخيارات الروسية في سوريا، لانتزاع تنازلات من الروس، الذين لم يكن بوسعهم تقديمها. الاميركيون تشددوا في اللحظات الاخيرة من المفاوضات لمعرفتهم أن الروس يسابقون الوقت للحصول على تسوية في سوريا قبل ذهاب الإدارة الأوبامية، خوفا من مواجهة هيلاري كلينتون الأكثر عدوانية، والاضطرار الى الذهاب أبعد في سوريا عسكريا.

اذ ان الروس لا يملكون القدرة على الحسم عسكريا وبسرعة، ولن يقبلوا في المقابل بالهزيمة والانسحاب من سوريا، ولا هم يقبلون بالبقاء في سوريا والوقوع في فخ الاستنزاف الذي يشكل جوهر الاستراتيجية الأميركية في سوريا. الروس الذي يقتربون من الاحتفال باكتمال عام على «عاصفة السوخوي»، وانخراطهم عسكريا في سوريا نهاية ايلول من العام الماضي، يقفون أمام خيارات صعبة يبدون أمامها قدرا كبيرا من رباطة الجأش والصبر، حتى أنهم عضّوا على خيبتهم، وأعلنوا فوق جثة الخطة الأميركية المعلنة للتفاهم، أنهم سيواصلون المفاوضات مع الأميركيين من خلال لقاء سيرغي لافروف مجددا بجون كيري، في نيويورك أثناء انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للامم المتحدة بدءا من العشرين من الشهر الحالي.

الاميركيون رفعوا سقف المطالب اذاً. الخطة التي عرضها السفير مايكل راتني في رسالته الى فصائل المعارضة السورية باعتبارها، ما تم أو ما سيتم التفاهم عليه، تمثل تراجعا كبيرا عما كان الروس والأميركيون قد بحثوه من قبل. عدم التوازن بين ما هو مطلوب من المعارضة المسلحة، وبين الجيش السوري، كان ابتزازا واعيا لما يعده الاميركيون ضيق الخيارات الروسية. الخطة أوغلت في تفصيل الخطوط والمواقع التي ينبغي أن ينسحب منها الجيش السوري في شمال حلب وعدد الأمتار التي سيبتعد بها عن طريق الكاستيلو الاستراتيجي، الذي يحكم الحصار على المسلحين. 500 متر جنوبا، 3500 متر شمالا، وبالغ حتى في توصيف الأسلحة التي سيحق له الاحتفاظ بها، وعدد نقاط الرصد القليلة، التي تحيل في النهاية طريق الكاستيلو، بولفارَ للمجموعات المسلحة، بحجة الإغاثة، وقوافلها التي تستخدم لإعادة تذخيرها، فيما لا تنص الخطة على خريطة انسحاب ميدانية متزامنة ملزمة للمجموعات المسلحة، وتؤجل ذلك الى وقت لاحق.

ولم تحل الخطة مسألة مناطق انتشار «جبهة النصرة»، ولا مواقعها، ولا طريقة تمييزها عن المجموعات «المعتدلة» وهو مطلب روسي، ولم تقدم أي آلية لذلك، علما ان هدف التفاهم المعلن هو مكافحة الإرهاب و «داعش». كما أن الخطة لم تحدد الموقف من المجموعات التي تتحالف مع «النصرة»، وتتجاهل تماما جهود السعودية وقطر، لحماية «النصرة»، وإنشاء جيش جهادي كبير، يضم الى «النصرة» أكبر الفصائل الجهادية، ما يعقد تنفيذ عمليات الإغارة بالتنسيق مع روسيا. فضلا عن أن الأميركيين لم يبدوا نية جدية لضرب «النصرة».

الأميركيون الذين لم يميزوا يوما في عملياتهم الجوية بين شجرة أو إنسان أو دابة، أو بين مدني أو عسكري في القصف الجوي، لم يتوقفوا عن تكرار أنه سيكون معقّدا التفريق بين المعتدل والإرهابي. تناست الخطة أن المعارضة الائتلافية التي يُطلب منها الدخول في الحرب على الإرهاب، لا تزال تعتبر «النصرة»، ذراعها المسلحة، وقد شاركت في الاحتفال بمناورة فك بيعة الجولاني للقاعدة، فيما لا تزال واشنطن نفسها تعتبر الجبهة الجديدة إرهابية، رغم تغييرها من «النصرة» الى «جبهة فتح الشام».

النقطة الاخرى، أن العملية السياسية تبدو ضبابية الى حد كبير، حتى أن مايكل راتني يختم رسالته – الخطة بالاستتناج انه من الصعب إطلاق العملية السياسية في الظروف الحالية، وهذا يعني أن الولايات المتحدة، لا تبحث إلا عن كسب الوقت لعدة أسباب: أولها تكريس وقف إطلاق النار، من دون أجل محدد مرتبط بالعملية السياسية وإطلاقها، ومن دون مقابل سياسي، وعلى حساب الجيش السوري في حلب تحديدا، مفتاح كل المعركة في سوريا. كما أن الهدف هو ترتيب أوضاع المعارضة المسلحة، التي لم تعد ورقة تركية خالصة، بل تحولت مع وحدات حماية الشعب الكردية، وحتى التوسع التركي في سوريا، الى أوراق أميركية، ينبغي الحفاظ عليها عبر التهدئة، وتسليمها الى الإدارة القادمة في أفضل حال لمواصلة استنزاف الروس وسوريا وإيران و «حزب الله».

الخطة الأميركية غير المتوازنة، لا تزال ايضا تستوحي مجموعة الأفكار التي كانت صحيفة «واشنطن بوست» قد كشفت عنها في تموز الماضي، والتي تسعى الى فرض حظر طيران على سلاح الجو السوري بأكمله.

بوتين وأوباما

قال بوتين خلال مؤتمر صحافي في هانغتشو، إن لديه أسبابه للاعتقاد أن روسيا والولايات المتحدة قد تتوصلان لاتفاق بشأن سوريا خلال أيام. وتابع انه «إذا حدث ذلك يمكننا القول إن عملنا المشترك مع الولايات المتحدة في محاربة المنظمات الإرهابية، بما في ذلك في سوريا، سيتحسن ويتطور كثيرا»، مؤكداً أن بلاده تجري مشاورات مع الحكومة السورية حول مضمون تلك الاتفاقات كما يتم إبلاغ طهران بها.

وأشار إلى أنه تفاهم مع أوباما على «ما يمكننا القيام به لتهدئة الأوضاع والسعي الى اتفاق مقبول من الطرفين» حول الأزمة.

وأعلن أوباما أن المباحثات مع بوتين كانت صريحة وعملية ومثمرة، مؤكداً في الوقت ذاته استمرار وجود فجوة بين موقفي البلدين بشأن سوريا.

وقال إن المحادثات كانت «صعبة لكن إيجابية، أجرينا بعض المحادثات بشأن شكل اتفاق حقيقي لوقف الاقتتال، هذا سيسمح لكل منا، الولايات المتحدة وروسيا، بتركيز انتباهنا على الأعداء المشتركين مثل تنظيم الدولة الإسلامية والنصرة»، مضيفاً «لم نتغلب بعد على الخلافات بما نعتقد أنه سيكون مفيدا فعليا».
وأضاف ان الولايات المتحدة وروسيا تعملان لوضع اللمسات النهائية على اتفاق وقف لإطلاق النار في سوريا، ما سيتيح زيادة عمليات تسليم المساعدات الإنسانية.

وقال المتحدث باسم البيت الابيض إن اوباما وبوتين «بحثا جهود التوصل الى اتفاق حول سوريا لخفض العنف»، مضيفاً «إذا كان من الممكن التوصل لاتفاق نريد أن نفعل ذلك بصورة عاجلة جدا بسبب الوضع الإنساني، ولكن علينا أن نتأكد من أنه اتفاق فعال، إذا لم نتمكن من التوصل لنوع الاتفاق الذي نريد فسننسحب من تلك الجهود».

ووصف البيت الأبيض في بيان، نقاط الاختلاف المتبقية بين واشنطن وموسكو حول سوريا بالـ «تقنية، وتتعلق بعملية تنفيذ الاتفاق»، مشيراً إلى أن كيري ولافروف سيجتمعان هذا الأسبوع لبحث سبل تجاوز نقاط الاختلاف هذه.

أردوغان

من جهته، أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أنه عرض على بوتين وأوباما إقامة «منطقة حظر جوي» في شمال سوريا، موضحاً أنه يعمل مع الولايات المتحدة وروسيا لمحاولة تطبيق وقف لإطلاق النار في حلب قبل عيد الأضحى.
واعتبر أردوغان أن «الدفاع عن فكرة بقاء (الرئيس السوري بشار) الأسد القاتل في منصبه رغم مقتل 600 ألف شخص (خلال الأزمة السورية) مدعاة للخجل».

زر الذهاب إلى الأعلى