فضاء حر

هوامش وجع

يمنات

ضياف البراق

عرفتُهُ في السجن لأول مرة، فأصبحنا أصدقاء من أول تحية وثاني دمعة، معه لم أشعر باليأس أو الندم، ولا بالحاجة إلى الاستسلام، رغم شدة العذاب المبرح.. هو – فقط – من علّمني الحب والمقاومة، علمني معنى الرفض في كل شيء. السجن للمجانين فقط! ومن لا يدخل السجن، لن يفهم الفلسفة.

سنة كاملة تجرّعنا مراراتها القاتلة معًا، مع قائمة طويلة من الرفقاء السجناء الذين رفضوا حياة الذل والقبح. الأغرب حدّ الموت، لم أتوقع، يومًا، أنني سأنجو وحدي من ويلات ذاك المعتقل الأرضي الفتّاك، كما لم أكن أرغب في الخروج والتخلي عن رفيقي الأبدي ذاك القريب. لقد تم إطلاق سراحي في لحظة غير متوقعة، لحظة لا تؤدي إلى معنى، وتخلو كلية من الضمير؛ كانت هي الأقسى في حياتي، وستبقى للأبد.

تلك اللحظة الوسخة للغاية، هي التي أجبرتني على خيانة رفقة هذا الإنسان العظيم، الذي منحني الحياة في المكان المشحون بالموت: السجن اللعين!

آه.. لا أقسى من العيش بدون أولئك الذين لا نقوى على فراق ملامحهم النادرة، بل لا نقوى على نسيانهم حتى لحظة واحدة!

ها أنا أموت شوقًا إليه، أموت على نحو غير منقطع أبدًا، أموت تمامًا، لكنني لا أستريح من عذاب تلك الذكريات الخضراء.. ذكريات الحرية!

يا له من إنسان عظيم! حتى الآن لم ينجُ من بشاعة السجن، وربما لن ينجو! وبالتعبير الأصح: كلانا الآن نقبع ونتعثّر في ذات السجن، لكننا لا نلتقي إلا في خيال الذاكرة الذابحة.

يحدث لي باستمرار.. كلما أتذكر فرحته الكبيرة، المعجونة بنقاء الحزن الكامل، حين كان يعانقني بحرارة ويُودّعني بدموع نبيّ وتحايا زعيم ثوري، أدخلُ عندها، في غيبوبة سوداء لا تُطاق، غيبوبة ظالمة لا تقِل سوءًا عن بشاعة ذلك السجن الذي لا يعرف طريقًا إلى الله!

سنوات كِثار تمضي مسرعة من دوننا، سنوات طويلة ونحن نحفرُ في الجدار الصلب، رغبةً في اللقاء القصير، لا الوطن. إنه الموت الآخر، إذ لا يزال يُسطّر بداخلنا منتهى العذاب وكل الحكاية!

الآن – أعاود قراءة رسالته الغريبة، وأبكي في حرقة مجنونة الألم.. الرسالة الوحيدة التي وصلتني منذُ عامين ثقيلين جدًا، وانقطع بعدها كل الضوء والأمل:

” عفوًا، نسيتُ أن أخبرك هنا (يقصد السجن): صحيح قد أكون شيئًا آخر أو جثة، لكنني لا أستطيع أن أكون جبانًا أو كرسيًا أو متاهة مكررة، مهما كلفني إصراري هذا من حرمان أو خسارة…، الموت أجمل!الموت مجدٌ لا ينتهي وكرامة عظيمة، لدى ذلك الإنسان القوي، المفطور على الرفض الحر. 
الإنسان؛ مَن قال: (لا).!

لا أحد، لا شيء، لا شعور، يستطيع أن يتملّكني أو يجبرني على أمر لا أرغب فيه؛ هذا هو تمرُّدي الملعون! 

كائن آخر أنا، قوي وغامض في معظم الأحيان، وليس عندي أدنى شك في هذا. 
لا تخفْ نحوي، لا تحزن.. سأبقى كما عرفتَني: لا أساوم، لا أنحني، عندما يتعلق الأمر بحريتي. الحرية أولًا، وليس عندي من خيار آخر.

وكعادتي، ما زلتُ أكره القيود، أيًا كانت، وأرفضها بلا تردّد، ودومًا، وكيفما أشاء، حتى قيود الحب لا أطيقها. 

آخر الوجع: ليس هناك من خوف، أو خيانة، أو استسلام، أو قيود، في عالم الحب الحقيقي. الحب حرية، والحرية قيمة المرء في الحياة.. إنها الوطن الذي أعيش وأحب! ومَن يعارض هذا المبدأ المجنون، فلا مشكلة، وله الحق في ذلك. الحرية هي الإنسان”.

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
إغلاق
إغلاق