العرض في الرئيسةفضاء حر

من أرشيف الذاكرة (44) قصتي مع القات

يمنات

أحمد سيف حاشد

(3)

تواصلت بمحمد المطري، وأبلغته أن يوم الخميس معزوم عندي غداء وقات.. حاول أن يعتذر، ولكني حلفت عليه بالحرام والطلاق.. كنت حاسما معه منذ البداية.. لم أترك له فسحة تململ، أو محاولة اختراع عذر يمر؛ فوافق، وسرتني موافقته..

قبل ظهر الخميس خرجت بغرض شراء القات.. ولكن خبرتي في شراء القات منعدمة تماما، بل هي صفر أكبر من حجم جرة الفول.. كنت أعلم إن جهالتي في شراء القات هي أضعاف جهالتي في التخزين.. وبدأ لي الأمر أمام نفسي إنني ارتكب حماقة، وأن حماقتي جهلا على جهل..

جاري الحميم منصر الواحدي الذي اعتمد عليه في غربة صنعاء لا يخزن القات، ولم يذقه في حياته.. خرجت من البيت كالهائم على وجهه.. لكن خطرت لي فكرة سمعتها من قبل، يبدو أنها ألقيت على سبيل التبجح من أحدهم، دون أن أعلم إنها كذلك.. “قات المشايخ” .. “سوق الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر” في الحصبة.. بديت وأنا أستذكرها كمكتشف عظيم.. قلتها بحماس: “وجدتها .. وجدتها”.. أحسست لحظتها أنني مدعوما بقرين محب، لا يتركني فريسة جهلي عند الشدّة..

دخلت سوق قات الشيخ عبد الله كطاؤوس.. وجدت “المقاوته” يحتفون بي .. كل واحد منهم يدعيني ويناشدني أن أشتري منه.. كل ينادي من اتجاهه.. عروضهم تعترض وجهتي.. أحسست أنني جلبت إلى صخب السوق جلبة إضافية.. شعرت وكأن “المقاوتة” يعرفونني من زمن بعيد بعد انقطاع، بل وجدت أحدهم يدعيني باسم محمد.. أحسست بالمسؤولية، وانتابني شعور أن لا أكسر خاطر أي مقوتي، طالما كلهم يرحبون بي، ويتوددوا ويتنافسوا من أجلي.. شعرت بحرارة حفاوتهم وترحابهم أكثر من ترحاب حكام صنعاء بحكام الجنوب في الأيام الأولى من الوحدة..

حدثت نفسي بأهمية العدالة، ورأيت أن من العدالة أن أعود إلى أول عارض للقات في مدخل السوق.. قلت لنفسي لا يجوز أن أتخطيه، وأكسر بخاطره، وقد سمعته يحلف الأيمان العظام، ويثنيها بالحرام والطلاق أن قاته غيلي.. وأنه أحسن قات في السوق كله..

أنا لمحت القات، وبدا لي شكله لماع ولافت للنظر.. وعندما سألت المقوتي عن سعره، وجدته غالي، غير أن وصفه للقات، وحلفه الأيمان العظيمة، إنه مشترى القات بقيمة كذا، وأن ربحه كذا؛ صدقته، بل جلب تعاطفي معه، وانحزت إليه ضد نفسي.. تعب المقوت يستحق أكثر مما قال، ودفعت له أكثر مما طلب، حيث تغاضيت عن أخذ الباقي إكراما لتعبه الذي كسب تعاطفي.. ثم أقنعت نفسي أن ضيفي المطري خبير في القات، ويستحق الغالي، ويستحق أن أكون أكرم منه.. إنه إكرام لكريم، سبق كرمه معي..

عدت من المقوت إلى البيت غبط ومنتشي.. شعرت أنني أشبه بالفارس العائد من حرب غنمها وكسب نتيجتها، وبدا القات في يدي وأنا مجفل، أشبه بحملي لإكليل النصر الذي ظفرت به..

وفي طريق عودتي اشتريت سمك وفاكهة .. استعجلت الغداء والاتصال بالمطري بسرعة الحضور .. وبعد ساعة حظر الضيف .. قدمنا الغداء رز وسمك وكان المسك فاكهة.. ظننت إن الغداء كان كافيا، وأن واجبي فيما يخص الغداء قد أنتهى ولاسيما أنه فاض عن حاجتنا.. لم أكن أعلم إن السلتة أو الفحسة أو على الأقل العصيد، ضرورية ليطيب الضيف ومقيله وقاته.. اعتقدت بهذا الغداء العدني قد قمت بما هو واجب، فيما ضيفي بمجرد تقديم الفاكهة، بدا في حال لم استوعبه للتو..

بدأت أفرش القات لأعطيه قسمه، ولكن بمجرد أن لمحه من بعد أمتار، نهض من مجلسه كزرافة، وهو يرمق للقات من علو؛ ثم قال إنه سيذهب ربع ساعة يحاسب صاحب المنجرة لأنه يوجد عنده حساب، وقد وعده إنه سوف يمر عليه بعد الظهر ليسدد الذي عليه.. فاستدركت بتوصيته أن لا يتأخر، ولكن ضيفنا تأخر قرابة الساعة، وعاد متأبط قات مطول ومعصوب في رديفه الذي كان وهو ذاهب معطوف على كتفه ومسدولا على ظهره.

صرخت في وجهه: كيف تشتري قات وأنا قد أشتريت قات لي ولك؛ فرد قائلا: 
– شفت النسوان اللي يبيعن اللحوح في الحصبة باب سوق الشيخ عبد الله! 
أجبته: نعم. 
– قال: هن يخزنين من هذا القات الذي اشتريته أنت..

صدمتني فجاجة الضيف ومصارحته الصارخة، وحاولت أن التمست له العذر كونه متصالح مع نفسه.. ومع ذلك أحسست بالحرج الشديد والخجل الأشد وطأة..

تفاجأت أكثر وهو يعلمني أنه تغدى أيضا في الخارج مرة ثانية؛ لأن ما قدمته له ليس بغداء.. استحيت، بل شعرت أن الحياء يتلبسني، ويريد أن يبتلعني أو يخسف بي تحت القاع..

عدت لأحاول أقنعه إن القات الذي اشتريته غيلي وإنه ممتاز، وعندما فتحت مرابطه وتفاصيله، شعرت أن هناك خرابة في الوسط، وغش فاحش تحت ما هو ظاهر.. فيما ظيفي أخذ هذا القات ورمى به بعيدا عنا، وقسم قاته بيننا، وحلف بالطلاق أن لا أخزن إلا منه..

شعرت يومها أن وقعتي كانت سوداء ومجلجلة، و وعدت نفسي أن لا أكررها، ولكن تكرر ما هو أسوأ منها..

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
إغلاق
إغلاق