فضاء حر

وجعي على جزمتي !

يمنات

ضياف البراق

وأحب صنعاء دائمًا وأكرهها جدًا بعد الهطول. نَعم أكره شوارعها التعبانة والموحلة حد القرف!
فهذه الشوارع المكتظة بالوحل والقمامة وانبعاثات المجاري وزحمة القراطيس، تجعلني أتخذ موقفًا سيئًا من هذه المدينة التي تفتح صدرها للجميع، ولا تمارس العنصرية إزاء هذا أو ذاك، وهذه طبيعتها الحضارية عبر التاريخ. 

أنا كائن متصوف يعشق التأمل العميق والمشي السياحي في الأجواء والفضاءات المفتوحة، أعشق ذلك باستمرار، كائن صعلوك دونما مبالغة، والحركة الرومانسية على الأقدام، بين الأزقة وفي الشوارع هي حياتي، لكنني بحق لا أطيق تعاطي هذه الحياة بعد كل هطول، لا سيما في صنعاء (العاصمة المفقودة)!

الهطول-كالعادة- يحيل شوارع وأزقة صنعاء إلى قرف وحلي كبير. الهطول -هنا- يبعث دهشة الحياة في أعماقي الذابلة، ويهيج روحي بجاذبية فائقة، لكنه في الوقت نفسه يُوسِّخ جزمتي وملابسي ويسدّ جيوبي الأنفية أكثر!

صنعاء جغرافيا ساحرة بحق، جغرافيا ماتعة كقُبلة أنثوية مراهقة، إلا أن هذه الجغرافيا لم تلقَ حتى اليوم أي اهتمام كان؛ إذ تفتقر تمامًا إلى العناية المدنية والجمالية التي تجعلها قابلة للرقص والذوبان في قلوب ناسها وعشاقها بعكس كل مدن العالم المتحضر.

صنعاء، في الأصل، قصيدة نثرية آسِرة ونظيفة، لكن هناك من حوّلها إلى بالوعة واحدة كريهة، طاردة في حين، وفي حين آخر تعادي فكرة البقاء الحضاري.

طوال هذا الأسبوع، تغتسل صنعاء بماء المطر العاطر، تغتسل حتى يزهو ويثمل جسدها المُتسِخ بفلسفات الموت وجداريات وترّهات الرجعية الدينية والقبلية معًا. إلى هذه اللحظة الجميلة والمطر يعانق جسدها البائس، يعانقها كطفل شغوف، لكنها تأبى أن تبادله هكذا عناق؛ فذلك شعورٌ يزعج مزاجها.

بالأمس خسرتُ بريقَ جزمتي الأنيقة، وها هو أنا ينتابه الحزن الشديد. إنني منذ مساء الأمس أعاني قساوة الحزن البالغ. ما أحزنني الآن حيال صحة جزمتي المتدهورة. 

كعادتي أحافظ على جزمتي محافظة عالية، أعتني بها كما لو كانت عشيقتي الوحيدة في الحرب، أخاف عليها كل سوء، لدرجة أنني بتُّ أذهب إلى المسجد حافيًا أثناء صلاة الجمعة؛ فلا أريد أن أخسرها بعد أختها المرحومة. 

بالأمس عند المساء، كان المطر غزيرًا، وأثناء محاولتي قطع الشارع، وقعت قدماي بالضرورة في حفرة عميقة موحلة، فدخل السائل الوحلي الكريه إلى خلايا وتفاصيل جزمتي الرقيقة، وبهذا هي الآن تعاني البؤس أكثر مني.

قد يستغرب القارئ عندما أقول إن جزمتي هذه هي كل ما أملك حتى الآن. إنني أحترمها أكثر من هذا الوطن الظالم – الوطن الذي لم يحملني يومًا، فحملتني هذه الجزمة العزيزة.

قد يفهم البعض من حبي لهذه الجزمة واهتمامي بها، أو من حديثي الرومانسي عنها، أنني أهتم بأناقة مظهري، فذلك لن يكون حقًا؛ فأنا من عادتي أنزعج تجاه هذا النوع من المثالية المثقوبة، ولا أفكر في المستقبل أن أرتدي ربطة العنق أو العدسات الساحرة.. 

أظنني لا أعاني، حتى الآن، من أي نقص، ويكفيني أن أكون أنيق الروح وعدل الضمير في حياتي وعلاقاتي.

لمَ يحبها هكذا؟ قد يتساءل أحدكم.. وها أنا أجيب عليه: هذه الجزمة غالية ورائعة أيضًا، وعندما أكون مُفلِسًا تشاركني عذاب الطريق، ولا تضطرّني إلى شراء “جوارب”، كما لا تحتاج مني إلى نوع من الصيانة.. جزمة من طراز باريسي رفيع؛ وقد أهداني إياها صديق عزيز قبل حوالي نصف عام، وقال لي آنذاك:

“خذها.. إنها تليق بضياعك الكُلِّي، جزمة فخمة كما ترى، لا تزال جديدة؛ فاستخدامي لها لا يتعدى أكثر من السنة”. 

ومن يومها بدأت كآبتي تنفتح على الأمل وترتبط بجمال وغرام هذه الهدية العظيمة التي -اليوم- يفترسها الوحلُ الهمجي الحامض. إنني أخاف عليها التلف السريع، إنها عزيزة عليّ، وأقدامي لا تستطيع العيش مع دونها. وإذا تلاشت، لا أرغب بشراء واحدة أخرى تقوم بدورها؛ فأنا بالتأكيد لستُ بخيلًا مثلما الوغد المجنون، العظيم “بابلو بيكاسو” يحب المال بقوة، بل يحب نفسه بإفراط (حسبما تصفه إحدى زوجاته)، لكنني حاليًا لا أقدر على شراء أبسط الأشياء العادية الرخيصة، لا أستطيع مثل كل هؤلاء الناس التعساء الذين تجتاحهم الحرب وتسلبهم حقوقهم بالعنف.

أذكر ان أحدهم قال لي ذات وجع: مَن لا يحترم الحذاء الذي يحمل شقاوته ويحمي حياته من قسوة الطريق، بالضرورة سيحترم الحذاء الذي يحتقره ويقتل حياته”!

وأنا لا أحد صار يحملني أو يحمل ضجري وكآبتي سوى جزمتي.. فكيف لا أحترمها؟ (لا للظلم!).

هنا، حيث الريح العصوف والظلام المتوحش، لا أستطيع أن أكون أنيقًا، يكفيني هذا الموت الجميل، فبلدنا “اليمن” في تاريخه كله، لا يحب المثالية إطلاقًا، بل يرفضها بالخنجر والسيف، كذلك لا يحترم الأحلام الجميلة.. إنه لا يحترم سوى المجاذيب والغُبار!

بالضرورة سأحترمها وأعتني بها.. إنها جزمتي الحُرّة المُخلِصة لي..وليست جزمة “منتظر الزيدي”، أو ساعة “جيمس بوند”، أو منديل “أم كلثوم”. 

هذه محبوبتي التي تقاسمني شقاوتي وصفعات الظهيرة، وتلهمني الحرية وكتابة الشعر.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى