العرض في الرئيسةفضاء حر

من أرشيف الذاكرة .. عهد ووفاء في حضرة روح “الخضر”

يمنات

أحمد سيف حاشد

“الخضر ولي الله”.. منعوني من زيارته حالما كنت طفلا .. ما أسوأ أن تمنع طفلا من تحقيق حلمه و أمله الصغير، و تمنع عنه فسحة، لطالما أنتظرها على مدار العام الطويل .. كنت أسمع في طفولتي عن حكايات “الخضر” و معجزاته التي يتوارد ويتوارث ذكرها في مخيال الوعي الشعبي، و المنتشرة بين أقراني الأطفال، و أهالي و سكان مناطقنا، المائلون للتصوف، و سماع قصص المعجزات و الخوارق..

لطالما تقت لزيارة “الخضر” و أنا طفلا، و لكن كانت الموانع أكبر مني .. كان أقراني يحضرون “مولده” و يتناقلون أخباره ببهجة، إلا أنا اللابس حسرتي، و المنبعج بحزني المكتظ، و المملوء بخيبة قدري و رجائي..

حالما كنت طفلا دعيت الله كثيرا، من أجل زيارة “مولد الخضر”، و صليت ألف صلاة، و لكن كان المنع أقوى، و كنت أشعر أن مصابي جلل، و خيبتي كبيرة و عارمة..

منعني والدي من حضور “مولده” و مزاره في منطقة “الرماء”.. ربطني إلى جذع مغروس في دكانه الصغير من الصباح إلى الظهيرة، ليفِّوت موعد تلك المناسبة التي تأتي مرة واحدة، و ليوم واحد، على مدار العام..

عندما شاهد والدي إصراري المتشبث و عزمي على الذهاب، و لاحظ في وجهي التحدي المغامر، ضربني بقسوة بعد أن ربطني إلى ذلك الجذع، فيما كنت أنا أقاوم هذا الإرغام بشراسة .. حاولت بعدها الانتحار احتجاجا على هذا المنع، الذي بدا لي ظلما بالغا، و صادما لي بالخيبة الفادحة.

يا لهذه الأقدار و ما تفسده و ما تصلحه، عندما يدور الفلك و يكمل الزمن دورته .. مصادفات، و مفارقات، و معاودة تذكير، بعد أن أوغل العمر في التيه، و شارفنا على النسيان .. طفولة بائسة، و حرمان مشدد، ثم ابدال و عوض، بعد أن كاد النسيان يدرك هذا و ذاك..

ما كان موصدا في وجهي و أنا طفلا، صار و قد تجاوز عمري الأربعين مفتوحا أمامي على مصرعيه .. بتُ أشعر أن “الخضر” صار حاضرا معي .. يسير أمامي و جانبي .. يساندني و يأخذ بيدي إلى حيث أريد..

بعد أن ترشحت للانتخابات النيابية، اكتشفت أن للخضر في مناطقنا مزارين لا مزار واحد، أحدهما يقع في جبل الخضر غرب “الرماء” وهو المزار الرئيسي الذي يقام له جمعا سنويا. والمزار الثاني في شماريخ جبال “الدخينة” أقصى شرق القبيطة .. ثم عرفت لاحقا أن للخضر مزارات عديدة في القبيطة، وأغلبها في مناطق جبلية مرتفعة، ومنها مزار شرق الرماء باتجاه عراصم، ومزار شرق قرية عراصم اقصى جنوب شرق القبيطة، ومزار جنوب قرية نخيلة، ومزار في قرية المواهبة. ولا أدري ما سر كل هذه المزارات لهذا الرجل في مناطقنا على خلاف غيره .. والشائع في الوعي الشعبي أن الخضر رجل صالح لم يمت، وهو يسوح في أرض الله، بل ويظهر أحيانا لبعض الناس في هيئة رجل صالح

لا أدري أي مصادفة جمعت ثلاثة في يوم .. يا ترى من حدد موعد المهرجان في منطقة الرماء..؟!! وعلى علوه قليلا، وفي نفس اليوم “مولد الخضر”..؟! وفي المساء حضرة الخضر في “الدخينة” .. ثلاث اجتمعت، والمعروف أن الصدف لا تجتمع إلا بمعجزة، وكأن للخضر فيها يدا ومعجزة، أو أن الخضر قد ألهم صديقي محمد فريد ومن إليه ليضعوا ذلك الترتيب الذي بدأ قويا في مطلع حملة الدعاية الانتخابية، وأتت أُكلها، وساهمت في تحقيق الفوز..

أقمنا مهرجان “الرماء”، و كان ناجحا و موفقا، ثم اتجهنا بعد انتهائه إلى “مولد الخضر” في نفس منطقة “الرماء” .. التقينا بالناس هناك .. تحدثنا معهم .. صلنا و جلنا في الردهات و المزار و الجوانب، و ما أحيط به من أمكنه .. كان مشهد المعترك الذي عشته من أجل حضور “مولد الخضر” و أنا طفلا ماثلا أمامي و ساطع.. كنت كأنني أحقق أمنية قديمة، حالت الموانع دون تحقيقها و أنا طفل .. حلم قديم ماكنت أظن إن العمر سيمتد بي إلى ذلك اليوم، الذي وصلت فيه، لسبب مختلف أظنه أجل و أكبر..

بمعية فريقي الانتخابي محمد فريد، و مانع على مانع و أنس دماج و آخرين، لا تحضرني الآن أسماؤهم، انتقلنا لمركز “ج” في مدرسة 27 ابريل في “الدخينة”، وصلنا وقت المغرب أو بعد المغرب بقليل، تركنا السيارة بعد أن أوصلتنا إلى آخر الطريق السالك .. و علينا بعدها أن نصعد إلى “الخضر” في القمة راجلين..

يا إلهي .. أمعقول ألتقي في حضرة الخضر مرتين و في يوم واحد، أو قل في أقل من 12 ساعة!! يا إلهي .. أهذا هو الخضر الذي كدت يوما سأنتحر من أجل زيارته، و أنا طفل لم يتعد عمري الـ 12 عام أو يقارب!! أي صدفة هذه التي جعلت ما كان مستحيل يوما، يصير طي اليد و البنان، و مرتين في أقل من يوم!! يا إلهي لمفارقة الدهشة، و صدفة الأقدار عندما ترضى عنك، و تمنحك الحظ و اشراقة الأمل..

كانت المسافة منهكة لمن يريد القمة، و كأن “الخضر” أيضا يختبر محبيه .. هناك روح “الخضر” تنتظرنا في المزار، و تمتحن حبنا و تختبر تعلقنا به .. كنّا نشعر أننا نصعد و نتجه نحو السماء بسبب العلو .. صعدنا على الأقدام إلى القمة، نغالب الشواهق و نعتليها..

وصلنا إلى مزار “الخضر” .. مسجد صغير أبيض يعمم جبل “المحرقة” الذي يطل على بعض مناطق “الصبيحة شرقا” كـ “العند” و “وادي ذر” و غيرها، ويطل على “وادي حدابة” غربا و شمالا، و خلفك “الدخينة” و “بني حماد” و “قنقنان” و “نخيلة” و “ثوجان”..

تبدو ليلا للناظر من أسفل، و أنت تضيء المكان على الشاهق، كأنك نجمة معلقة في السماء .. وتبدو أمام نفسك، من نفس المكان، و كأنك نجمة تسكن في زاوية من حنايا مجرة درب التبانة التي تحيط بك .. و ربما تبدو من هذا العلو الذي يبدو خرافيا و كأنك تسود الأرض و محيطها، و تعتلي العرش العظيم..

وجدنا هناك أغلب وجاهات منطقة “الدخينة” و “بني حماد” المجاورة .. ناس أنقياء كالبلور .. لم يتلوثوا بعد بالملوثات، و لم يرتادوا المستنقعات و الوحول بعد .. لازال كثير منهم على الفطرة و السليقة .. عامرين بالصدق و الوفاء و التلقائية .. سماهم الأولون بـ”زهرة القبيطة” وصفا لهم، و عرفانا بمكانتهم .. التقينا بهم في محيط الجامع و داخله .. تحدثنا معهم في حضرة روح “الخضر”، و نسمات الهواء العليل، و على ضوء الشموع البهيجة .. كان ردهم كافيا و شافيا .. وعدا و عهدا قطعوه على أنفسهم في المسجد توجوه بالإخلاص و الوفاء .. وعد أثلج الصدر .. رفع معنوياتي و معنويات رفاقي في الفريق الانتخابي، إلى مقام ما نحن عليه من علو و شاهق .. نجاح و تجاوب لم أكن أتوقعه..

لم يكن أكثر وجهاء “بني حماد” و “الدخينة” يعرفوني إلا لماما، أو من خلال نشاطي في جمعية التعاون الخيرية لمديرية القبيطة .. و لكن كان أغلب الوجهاء هناك يعرفون أخي علي سيف حاشد الذي كان فوق أنهم يعرفونه، يحبونه كثيرا، و بعضهم كانوا له رفاق .. و كان أيضا للرائع و الكبير مانع علي مانع معرفة قديمة بعراقة الأب و الجد، نار على نار، و نار على علم..

و في “جامع الخضر” و مزاره، نهض الحاج فارع محمد سعيد و طلب من جميع الوجاهات ان يضعوا يدهم في يدي كعهد للوقوف معي، و مساندتي .. أحسست لحظتها أن روح الخضر فوقنا ترفرف و تبارك عهدنا و مسعانا .. جو مشحون بفيض المشاعر الحميمية التي غمرتنا به كثافة اللحظة، و مباركة روح “الخضر”..

يوم الاقتراع زرت بني حماد بعد الظهيرة، و التقيت بشيخهم الشهم قائد صالح حازم، و كنت مستاء بسبب تراخي حشد النساء إلى مركز الاقتراع .. كنت أعرف ماذا يعني ضياع الصوت أو فقدانه في المنافسة الانتخابية .. كنت حريصا على الصوت الواحد .. كنت أدرك أن أي خطاء أو اهمال أو تراخي، يمكن أن يؤدي إلى الخسارة و الهزيمة القاتلة .. أذكر أن عتابي معه كان مؤثرا على النفوس، فما كان منه إلا أن خرج بنفسه لإقناع النساء بضرورة المشاركة في الاقتراع، و بدأ توافدهن بكثافة على صندوق الاقتراع من الساعة الرابعة عصرا حتى انتهاء موعد الاقتراع في المساء.

حصلت من هذا المركز “الدخينة وبني حماد” ما يزيد عن نسبة الـ 80 % من أصوت الناخبين .. وفوا بالعهد و بروا به .. و أنا وفيا بعهدي إلى اليوم، و لا زال برنامجي الانتخابي و مواقفي الكثيرة شاهدة، رغم ما نشهده من حروب ضروسة، و كراهية باذخة، و طوفان عارم .. لازالت ذلك الرجل الذي عرفوه ذات يوم..

***

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
إغلاق
إغلاق