فضاء حر

المناضل “الوحش” الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء

يمنات

 حسن حمود الدوله

قبل ثلاث سنوات كتبت مقالة عن الشهيد البطل “محمد مهيوب” الذي لقبه الضباط والجنود المصريون ب “الوحش”، لطريقته الجريئة في الاقتحام الناجح لمواقع القوى الملكية، وكان في كل اقتحام يطلق صرخته الشهيرة المدوية التي تربك الخصم وتشل فعاليته، وبسببها اطلق عليه الضباط والجنود المصريون لقب “الوحش” أي ان الوحش ليس لقبا لأسرته، وقد غلب عليه هذا اللقب حتى كاد ينسي اسم هذا البطل الذي صدر بطولات وملاحم عظيمة في ترسيخ النظام الجمهوري وفك حصار السبعين يوما.

وهو من القلة الذين أجمع على بطولاتهم وشجاعتهم الأصدقاء والأعداء، وقد تحريت قدر الإمكان عن صحة ما ضمنته مقالي السالف الذكر، بما في ذلك استطلاع اراء معاصرين وقادة كبار كالعميد مجاهد ابو شوارب، واللواء محمد عبدالخالق، بالإضافة إلى ما جمعه اخو الوحش الدكتور عبدالعزيز مهيوب من شهادات رفاق الفقيد، كما أن كاتب هذه السطور استمع إلى روايات شفهية من ضمنهم ” العميد مجاهد ابو شوارب ” و”الدكتور سيلان العبيدي”. 

إلا انه قبل اسبوعين اتصل بي بنفس الخصوص من الاسكندرية عبر ” الماسنجر” زميل الدراسة الجامعية في قاهرة المعز الصديق علي عبد الله سعيد القادري المعروف ب: “الضالعي ” أنه قرأ ما كتبت، قائلا أنه لا يختلف مع ما تضمنه المقال عن بطولات “الوحش” وإنما مع ما جاء بشأن مقتله وأسباب والدوافع ثم روى لي رواية تختلف اختلافا كليا عما جاء في مقالي الأنف الذكر.

ونظرا لأنني لا أحتفظ غالبا بما اكتب فقد طلبت منه موافاتي بالمقال ،أن يكتب روايته خطيا ووعدته أن اناقش الروايتين بحيادية في مقال مستقل.

وبالفعل وافاني بمقالتي السابقة وأرفق ربطا بها الرواية التي أسمعني إياها ونظرا لتعارض الروايتين فمن الواجب ايراد الروايتين ومناقشتهما بموضوعية وحيادية ، مبتدئا برواية الصديق علي عبد الله الضالعي، بعد حذف ما يتعلق ببطولات جنود وضباط جبهة التحرير الذين ساهموا في فك حصار السبعين يوما واعادة الصياغة بما لا يخل بالمضمون وسوف اعقبها بالرواية التي طعن فيها الصديق علي وذلك على النحو التالي:

اولا : رواية الأخ علي عبدالله الضالعي
(ملاحظات حول ما كتبته عن محمد مهيوب الوحش )

وآفقك تماما فيما يتعلق بشجاعة الوحش واقدامه ودوره في معارك تثبيت النظام الجمهوري وفك حصار السبعين يوما ولكن اسمح لي بان اوضح بعض الامور التي كانت غائبة عنك عند كتابة الموضوع عنه وخاصة ذات العلاقة بمقتله . 

فشهادة الدكتور الوحش مشكوك بصحتها بسبب القرابة الاسرية باعتباره اخاه بالإضافة الى انتمائه السياسي للحزب الديمقراطي الثوري .

والذي حدث أنه بعد فك الحصار تم ضم عدد كبير من ضباط وجنود جيش التحرير الى وحدتي “المظلات” و”الصاعقة” تقديرا لدورهم في حرب حصار السبعين يوما، وما قدموه من شهداء بلغ عددهم اكثر من سبعين شهيدا، إلا ان هذا القرار بالضم قذ أثار حفيظة خصوم جبهة التحرير من اعضاء الجبهة القومية وهم قادة وجنود مدرستي المظلات والصاعقة ومنهم الملازم “محمد مهيوب الوحش” نفسه الذي اظهر استيائه وتبرمه بدوافع حزبية بحته باعتبار ان عناصر جيش التحرير ذو ميول ناصرية، والوحش من عناصر الحزب الديمقراطي الثوري والذي هو الامتداد للجبهة القومية في الجنوب ذي التوجه الماركسي، حيث جاهر الوحش بعدائه لأعضاء جبهة التحرير ضباطا وجنودا ، فكان يتعامل معهم بغلظة، وقد نجح في تصفية البعض منهم، حيث أنه في احد الايام وجد الملازم اول صالح مثنى الرفاعي من ابناء الضالع وحيدا في بوفية ميدان التحرير بصنعاء فأمره “الوحش” بالخروج من القهوة تحت تهديد السلاح وبمجرد خروجه من القهوة جعل مرافقيه يكفتون يديه إلى الخلف وبطريقة وحشية قام بخنقه بحبل كان بيده ورماه ميتا جوار المقهى وانصرف مع مرافقيه. 

وكرر نفس تلك الجريمة ايضا بعد عدة ايام – والكلام لا يزال للأخ علي عبدالله الضالعي – ، حيث وصل المذكور – الوحش – الى بوفية التحري أيضا، ومعه خمسة جنود مرافقين وتوجه صوب المسجلة التي كانت تبث احدى الأغاني فأغلقها ثم توجه الى جنديين – مسلحين – من قوات الصاعقة – كانا عضوين في جيش التحرير – وهما: “الجندي همام العزيق ” و”الجندي جمال العدني” وسألهما عن سبب خروجهما من المعسكر؟ فرد عليه الجندي “العزيق” قائلا انت من المظلات ونحن من الصاعقة؟ وجرى بين الأخير والوحش وجماعته مشادات كلامية، وبعد أخذ ورد في الكلام انتهى بمغادرة الجنديين البوفية لكن الوحش لم يترك الجندي العزيق أن يغادر بسلام حيث قام بإطلاق النار على “الجندي العزيق” قبل وصوله اول الشارع فأرده قتيلا وتوجه الى الطقم الخاص بهم ، إلا أن الجندي “جمال العدني” استفزه ما جرى لزميله فقام على الفور بإطلاق النار على الوحش وسقط من على الطقم الى الارض امام عمارة الغراسي الحالية وفر مسرعا وغاب عن الإنظار، وفارق الوحش الحياة قبل الوصول إلى المستشفى، فهذا ما حدث بالضبط ، ولا صحة لتلك الرواية المتعلقة بالقنص والمطاردات فلم تحدث معركة ولا قنص ولا كمائن كما قال الدكتور عبدالعزيز مهيوب اخو “الوحش” بغرض اظهار اخيه انه ذهب ضحية مؤامرة كبيرة بينما الحقيقة انه قتل بعد ان قتل شخصين من ابطال السبعين- خلال يومين مختلفين – بميدان التحرير لمجرد انهما ناصريان وهو ماركسي )).

ثانيا: مختصر الراوية التي تضمنها مقالي سالف الذكر:
((في فجر يوم الثلاثاء الموافق 30/10/1968، غادر الوحش صنعاء متوجهاً إلى معسكر الحديدة، قيل إنها زيارة للمعسكر، وفي يوم الخميس 1/11/1968، عاد إلى صنعاء قادماً من الحديدة، وأثناء هذه العودة تعرض لإطلاق نار وهو في عصر، ونجا من محاولة اغتيال، وعند وصوله ميدان التحرير الساعة الرابعة والنصف عصراً، جلس مع رفاقه لشرب الشاي في بوفية التحرير التي كانت تبعد قليلاً عن المساحة التي يشغلها الآن مارد الثورة، وفي هذه اللحظة قدم إليهم أحد الجنود الفارين من المعسكر بسلاحه، وجلس معهم يشرب الشاي – واسمه – جمال العدني – وجلس معهم يشرب الشاي، وطلب منه الوحش العودة معهم إلى المعسكر، إلا أنه اعتذر بأن لديه بعض الأمور سينجزها اولا، فتركه الوحش ورفاقه وصعدوا سيارتهم التي كان عليها رشاش 12/7 بالإضافة إلى أسلحتهم الشخصية، وعند بدء تحرك السيارة خرج ذلك الفرد من البوفيه وقال: “اليوم يومك يا وحش” أي نهايتك وهرب فقال الوحش لاثنين من مرافقيه أن يقبضا عليه -هما أمين فيصل، وعلي محمد قايد الشيحان، رحمهما الله -، وجريا خلفه باتجاه مطعم التيسير (أمام سارية الأعلام بميدان التحرير) وكانت أسلحتهم على أكتافهما بينما كان سلاح ذلك الجندي في قبضة يديه يوجهه من وقت لآخر نحوهما ، ولكن دون أن يطلق النار، – يلاحظ ان الجندي كان يستدرج الوحش ورفاقه ويجرهما إلى كمين – فدخل الجندي ممرا بجانب مطعم التيسير امام البنك اليمني ورفيقا الوحش يتبعانه ، فأقبل الوحش مع بقية رفاقه بالسيارة ، ثم تحرك ونظر في ذلك الممر الذي دخلوا فيه ، واستدار بالسيارة – الطقم – التي كان يقود بسرعة فائقة ودخل من بداية شارع 26 سبتمبر بجوار البنك اليمني، واكتشف أن هناك مجاميع من أفراد التحرير يطلقون الرصاص من فوق عمارة مجاورة – وهو المبنى الذي خصص بعد ذلك لشؤون القبائل – ونزل الوحش ورفاقه من السيارة باستثناء الذي كان فوق الرشاش، وأثناء نزولهم اطلقت النيران من اتجاهات مختلفة فهرب حينها كل من كان يتواجد في المكان وقتل خمسة من أفراد التحرير وهرب الباقون وهدأ إطلاق النار قاد سيارة الوحش احد مرافقيه للتحرك ” سعيد المجنون” وعندما هم الوحش صعود السيارة، أطلق قناصة عليه النار فأصابته رصاصة في مؤخرة الرأس فسقط، ولما شعر رفاق الوحش بتجدد إطلاق النار من أسطح المنازل المجاورة للبنك، انسحبوا وتوجهوا إلى معسكر المظلات لإحضار تعزيزات إضافية، وعند عودتهم من المعسكر إلى ميدان التحرير وجدوا المدرعات والدبابات منتشرة في المنطقة كلها، وقيل إن الفريق العمري بنفسه كان قد وصل إلى ميدان التحرير مع تلك القوات المنتشرة. حينها عادوا إلى معسكرهم دون مواجهة.

وحضر في نفس الوقت الشيخ عبد الله دارس وهو احد ابطال الحصار وهو من تولى إسعاف الوحش إلى المستشفى الجمهوري، وعند الساعة العاشرة مساءً أسلم الوحش روحه الطاهرة إلى بارئها، وفي يوم 2/11/1968، شيع جثمانه في مسيرة جنائزية مهيبة امتدت من ميدان التحرير إلى مقبرة الشهداء اليمنيين في باب اليمن، وأطلقت المدفعية 21 طلقة وداع لمن حمل صنعاء في ثنايا قلبه النابض عبر مسيرته النضالية منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 حتى نالت منه أيادي الغدر والخيانة)).

مناقشة الروايتين :
رغم ان الروايتين متعارضتين إلا أن الرواية الثانية أعطتني مؤشرا خطيرا بأن النظام هو من خطط لتصفية ابطال الصاعقة والمظلات من بمن فيهم الملازم الوحش والنقيب عبد الرقيب عبد الوهاب، وقد ارسلت للأخ علي عبدالله نص رسالة القاضي عبد الرحمن الإرياني الموجهة للقائد العام للقوات المسلحة اللواء محمد عبدا الله الأرياني بتأريخ 28 مارس 1972م، التي اورد نصها الأخير في مذكراته الموسومة ب:”احداث من الذاكرة ” وذلك لما لاحت بوادر نشوب حرب بين الشطرين عقب مذبحة مشايخ خولان الذين غدر بهم حكام الجنوب ومنهم الغادر وحنتش والهيال ،وكان طلب المشايخ شن حرب انتقامية فرفض القاضي عبد الرحمن موضحا سياسة النظام في ضرب الجنوبيين بجنوبيين كما جاء في الرسالة اعلاه :” واملي ان المشايخ سيقبلون نصيحتي فيتركون الجنوب للجنوبيين المشردين – يقصد جبهة التحرير – ويتركوا ثأر الغادر لقبيلة خولان “* ومن خلال الروايتين يتبين ان النظام عندم ضم المقاتلين من ضباط وجنود جبهة التحرير ذي التوجه الناصري الذين تم طردهم من قبل الجبهة القومية ذي التوجه اليساري لمدرستي – سلاح – الصاعقة والمظلات لم يكن إجراء بريئا، بل مدروسا بعناية، فهو كمن يضع النار جوار البارود، وهذا يفسر لنا سبب هروب عبد الرقيب من منزل الفريق العمري لما علم بزيارة سالم الهمامي قائد الصاعقة للفريق العمري حيث عرف انه المستهدف من تلك الزيارة ففر من فوق السور وتوجه إلى منزل مهدي عبود ومنه إلى منزل علي سيف بناء على تنسيق بين العمري والعميد حسين الدفعي واللواء علي سيف الخولاني، حيث غدر به ، حيث ارسل سالم الهمامي جنودا من الصاعقة تولوا تصفيته ، بل وسحله بطريقة حقيرة وجبانة ، ولم يحرك النظام ساكنا ، ومن المستغرب ان الوحش بعد ان تم التخلص، تم تشييع جثمانه الطاهر في مسيرة جنائزية مهيبة امتدت من ميدان التحرير إلى مقبرة الشهداء اليمنيين في باب اليمن، وأطلقت المدفعية 21 طلقة وداع، بينما النقيب عبد الرقيب وهو الاهم من حيث الرتبة والمناصب التي تقلدها تم سحله والتمثيل بجثمانه بطريقة بشعة ولم يتم اجراء اي تحقيق من قبل الدولة في القضيتين ولو من باب التضليل الإعلامي، وبعد احداث اغسطس وما تلاها من تسريح لضباط وجنود الصاعقة والمظلات المحسوبين على حركة القوميين العرب أو الحزب الديمقراطي الثوري.. ويمكن ان نضيف الاتي: 

1- أن الروايتين تجمعان على أن من اغتال الوحش (هو/هم) جنود من اعضاء جبهة التحرير، وقد اضافت رواية الأخ عبدالله سعيد ان النظام قام بتوزيع جنود وضباط جبهة التحرير – ذو الميول الناصرية – بينما اغلب ضباط وجنود الوحدتين – الصاعقة والمظلات – من عناصر الحزب الديمقراطي الثوري المصنف لدى النظام حزبا ماركسيا يتبع الجبهة القومية في الجنوب، وهو ما حصل بالفعل وهي حقيقة تأريخية ، ولم يتم تعيينهم كضباط وجنود فحسب بل وقادة 

2- أن رواية الأخ عبد الله سعيد تتحدث ان الجندي “جمال العدني” من جنود الصاعقة بينما الرواية الاخرى تدل على انه من معسكر المظلات لأن الوحش طلب منه مرافقتهم للمعسكر فأعتذر الجندي فتركه الوحش وان لا وجود للجندي “همام العزيق” في الرواية التي اورتها في مقالي الموضحة في الفقرة “ثانيا” اعلاه ولو صح انهم قتلوا زميله امامه لقاموا بتجريده من السلاح احترازيا، كما أن رواية الاخ علي عبد الله الضالعي تقول انه الجندي العدني اطلق النار على الوحش ولاذ بالفرار والسؤال ما سبب عدم ملاحقته من قبل مرافقي الو حش وبحوزتهم سيارة تساعدهم على الحاق به والقبض عليه بسهولة طالما وهو يسير راجلا . 

3- ان الرواية في “ثانيا” معززة من اكثر من شاهد عيان كلهم اجمعوا أنه حصل مطاردة وان موقع الاغتيال كان في مدخل شارع 26 سبتمبر قرب مطعم التيسير وخلف عمارة الوتاري وليس عمارة الغراسي التي هي في شارع حدة وليس التحرير ولعل الاخ علي قصد عمارة الوتاري فخانته ذاكرته، وقد اكد لي الدكتور سيلان الذي كان حاضرا في الموقف ان المطاردة تمت من أكثر من عمارة – عمارة علي جبران العنسي الكائنة في مدخل التوجيه المعنوي مقر مبنى الادارة العامة للبنك اليمني للإنشاء والتعمير حاليا وعمارة الوتاري والعمارة المجاورة لها التي يفصلهما الممر كما جاء في رواية احد مرافقي الوحش اخو الوحش. 

4- أن الشهيد الوحش قد تعرض لأكثر من محاولة اغتيال منها داخل معسكر المظلات ، وخارجة فلجأ إلى زميله فؤاد العبسي قائد موقع المظلات بجبل “نقم” واقام عنده اسبوعا تقريبا، ولما اصدر القائد العام للقوات المسلحة الفريق حسن العمري قرارا بتعيين قائد جديد لمدرسة المظلات غير مرغوب فيه من قبل جنود وضباط المعسكر حدث عصيان داخل المعسكر، مطالبين ان يتم تعيين قائد مرغوب فيه وأن يتم الكف عن مطاردة وملاحقة “الوحش، فارسل الفريق العمري خمسة من مرافقيه لإحضار الوحش حيا أو ميتا، تمترس اربعة منهم إلا أن قائد الموقع الملازم فؤاد العبسي تواصل مع القيادة العامة للقوات وقائد المظلات النقيب “على نصيب” بجهاز اللاسلكي فصدرت التوجيهات بعودة الخمسة المشار إليهم وعودة الوحش ومرافقيه بسيارته إلى المعسكر الذي كان جوار مصنع الغزل والنسيج، وفي ليلة وصوله إلى المعسكر تم انتخابه قائدا فاضطرت القائد العام للقوات المسلحة الفريق حسن العمريأن يستبق ذلك الحدث فأصدر قرارا بتعيين ” محمد مهيوب الوحش قائدا لمعسكر المظلات، وهذا التعيين أثار حفيظة جماعة جبهة التحرير، الذين تلقوا الضوء الاخضر من النظام لترك الخصوم الحزبيين الذين يشكلون خطرا على النظام ليصفوا بعضهم بعضا، وذلك عن طريق سياسة الترك وغض الطرف. 

7- أن النظام كان مصنفا للوحش أنه حزبي والحزبية مرفوضة “سواء اتتنا بثياب الرهبان أو بقرون الشيطان” حسب تعبير القاضي عبد الرحمن الارياني ، الذي اعلن ايضا بأن: “الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة، فقد قام العمري عقب اصداره قرار تعيين “الوحش” قائدا لمدرسة المظلات بزيارة المعسكر يوم الاثنين الموافق 29 أكتوبر 1968م وكان “الوحش” في استقباله ودار بينهما حوار ثنائي استغرق ثلاث ساعات، ومما دار أن الفريق العمري قال للوحش “يقال انك شيوعي ماركسي وانك تعلم الجنود الشيوعية هل هذا صحيح؟، فرد عليه الوحش لا وجود للشيوعية لدينا إلا إذا كانوا يعتبرون أن محو أمية الجنود التي تبنيناها في معسكر المظلات شيوعية فرد العمري متسائلا : فمن تكونوا ومن أنتم؟، فرد عليه الوحش: تستطيع تقول وطنيون جمهوريون، ثوريون، ديمقراطيون؟ ولكن يا فندم هل صحيح ما سمعناه أنكم وجهتم بإيقاف مرتبات جميع أفراد المظلات وإلقاء القبض عليّ شخصياً أو قتلي؟، فرد العمري إن ذلك غير صحيح وستستلمون مرتباتكم وأنتم تمارسون مهامكم، وخرج. وهذا الحوار يؤكد ان الوحش وجماعته اصبحوا غير مرغوب فيهم من قبل النظام والقوى الرجعية التي ترتبط بعلاقة ما مع النظام السعودي. 

وقبل أن نختتم المقال يجدر ان اسوق شهادة الشهيد العميد مجاهد ابوشوارب عن بطولة الوحش وترجمة مختصرة عن حياة الوحش.

قال عنه الشهيد البطل “مجاهد ابو شوارب”: *”لقد خضت معارك كثيرة وشاهدت ابطالا ومقاتلين ابلو بلاء حسنا، وسمعت عن اخبار ابطال كثيرين إلا انني لم اشاهد بطلا كالوحش البطل الأسطوري فقد كان لا يهاب الموت، يرعب العدو ويرفع معنويات المقاتلين في صفه، وكم كنت اخاف عليه حين يتقدم وسط اطلاق النيران يلقي بالقنبلة الواحدة تلو الأخرى صوب العدو فيجبره على التراجع والانسحاب ثم ختم كلامه قائلا يصدق عليه الاثر الذي يقول لكل أمرئ من اسمه نصيب”.

قال هذه الشهادة سمعتها شخصيا من الشهيد العميد الشيخ مجاهد ابوشوارب في مقيل اللواء درهم ابو لحوم وبحضور جمع كبير منهم اللواء درهم نعمان مد الله بعمريهما. 

ترحمة مختصرة ل “الوحش”
هو الملازم أول محمد مهيوب القدسي الذي لقبه الضباط والجمود المصريون ب “الوحش” نظرا لبطولاته وشجاعته وجرأته في مواجهة العدو وصرخته المدوية التي كانت ترعب الملكيين، وتشل حركته أثناء الاقتحام الناجح لعدد من مواقع القوى الملكية وكان في كل اقتحام يطلق تلك الصرخة التي شبهها العميد مجاهد بالقنبلة المدوية التي كانت تربك العدو وتشل فعاليته أي ان اللقب ليس لقبا لأسرته بل هو لقب خاص به استحقه عن جدارة، واشتهر به في اوساط القوات المسلحة فنسي الناس اسمه لشهرة لقبه. 

ولد الشهيد في قدس بقرية الكدرة مديرية المواسط محافظة تعز في العام 1942 من أسرة فلاحية بسيطة، تلقى تعليمه الأولي في كتاب القرية وبعد عودة والده من حرب فلسطين عام 1948م ضد الاسرائيليين بمعية 900 متطوع يمني التحقوا للقتال في فلسطين ضمن إطار الجيش العربي السوري آنذاك، وكان العائدون يأملون في الالتحاق بجيش الإمام مرفقين أملهم ببرقية من القيادة السورية تطلب من الإمام ضمهم للجيش لكنه لم يستجب لذلك الطلب. فهاجر والد الوحش إلى السعودية مصطحباً الشهيد معه للدراسة فيها.

لكنه وتحديداً في منتصف الخمسينيات ما لبث ان عاد الشهيد مرة أخرى الى القرية، وتحت وطأة الظروف الاقتصادية غادر مرة أخرى الى عدن باحثاً عن عمل وفيها واصل دراسته الإعدادية.

وانخرط في حركة القوميين العرب التي نشطت كثيراً منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، وعند سماعه بقيام ثورة 26 سبتمبر 1962 ترك العمل والدراسة معاً وغادر عدن متجها إلى تعز ثم إلى صنعاء وكان ضمن أوائل المتطوعين في الدفاع عن الثورة والجمهورية عام 1962 في إطار الحرس الوطني الذي تم تشكيله من المتطوعين القادمين من مختلف المناطق المؤيدة للجمهورية. 

وعندما تشكلت أول كتيبة مظلات يمنية كان «محمد مهيوب الوحش» أحد الذين تم توزيعهم من الحرس الوطني على هذه الكتيبة وتلقوا تدريبهم على يد قوات المظلات المصرية التي وصلت صنعاء مع غيرها من القوات التي أرسلها عبدالناصر للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية الوليدة، وكان شهيدنا أول يمني يقفز من الطائرة بمظلته في أول استعراض لقوات المظلات اليمنية في فبراير 1963 واقفاً على قدميه قبل أن يلف مظلته، وأدى التحية العسكرية للمشير عبدالله السلال رئيس الجمهورية العربية اليمنية. كما قام الشهيد بتأسيس أول فرقة انتحارية على مستوى الجيش اليمني آنذاك في سلاح المظلات وحقق معهم أهم الانتصارات الجمهورية على الملكيين في جبل الطويل إبان حصار السبعين، والتي كان هو أحد أبطالها الحقيقيين. 

وفي موضوع التحاقه بالحركة الوطنية يقول أخو الشهيد الدكتور عبدالعزيز مهيوب انه: التحق بحركة القوميين العرب تقريباً في بداية الستينيات، وانه من المؤسسيين للحزب الديمقراطي الثوري اليمني في صفوف الجيش حسب شهادة منقولة عن الراحل المناضل مالك الارياني بعد تحقق الوحدة أي في عام 1991، وقد عزز هذه الرواية كل من الأستاذ محمد احمد سلمان (وزير الكهرباء بعد الوحدة مباشرة) والاستاذ صالح مصلح قاسم الذي كان على تواصل مع الوحش، حسب رواية الدكتور عبدالعزيز الوحش التي شكك فيها الزميل الاخ علي عبد الله الضالعي.

وفي الختام نتمنى على المؤرخين والأكاديميين المختصين في الجامعات ان يولوا هذه الحقبة الاهتمام طالما وهناك من المعاصرين على قيد الحياة، كما اتمنى على العميد علي الشاطر ان يحدد اين تلك الوثائق التي سلمها شقيق الشهيد عبد الرقيب عبدالوهاب لإدارة التوجيه المعنوي اثناء انعقاد ندوة عن حصار السبعين يوما، حسب ما اخبرني الأستاذ عبد الرحمن بجاش مد الله بعمره سائلا الرحمة والخلود لشهداء ثورتي سبتمبر واكتوبر.

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
إغلاق
إغلاق