أخبار وتقاريرالعرض في الرئيسةتحليلات

العسكرة على الحدود السعودية اليمنية

يمنات

اليونورا أردماغني*

المقاربة التي تنتهجها السعودية في التعاطي مع حدودها القابلة للاختراق مع اليمن تحوّلت، في العقد الأخير، من التعاون مع القبائل المحلية و محاباتها إلى العسكرة التدريجية.

نشرت السعودية، في عام 2019، فرقة الأفواج، و هي قوة أمنية جديدة تابعة لوزارة الداخلية و تُقدّم الدعم للحرس الحدودي السعودي. و مهمتها هي منع المتسللين من عبور الحدود، و مكافحة التهريب و التجارة غير الشرعية.

قبل عامَين، وصل فريق من القبعات الخضراء التابعة للقوات الخاصة الأميركية إلى المملكة لتدريب القوات البرية السعودية المسؤولة عن ضبط الأمن عند الحدود.

و يتعاون محللون استخباريون أميركيون مع السعوديين في نجران لتحديد مواقع الصواريخ الحوثية في اليمن.

تتشارك السعودية و اليمن منطقة حدودية شديدة الحساسية. و على الرغم من أنه جرى ترسيم الحدود رسمياً عام 1934 وفقاً للحدود الدولية المتفق عليها، تُشكّل هذه الأراضي المشتركة بيئة حاضنة فريدة من نوعها لروابط القربى و الصلات القبلية، و الاقتصاد غير النظامي، و فن العمارة، و التراث الثقافي.

على سبيل المثال، انقسمت القبائل التابعة لاتحاد خولان بن عامر القبلي المرموق بين البلدَين بعد عام 1934. و لا يزال المتحدرون من قبائل تهامة – المنطقة الساحلية عند ضفاف البحر الأحمر – يقطنون في الغرب السعودي-اليمني. و يُلقَّبون بـ”رجال الزهور” لأنهم يضعون أكاليل من الزهر على رؤوسهم.

تتضمن هذه المنطقة الحدودية أراضي زراعية على ضفاف البحر الأحمر (حجة في اليمن وجيزان في السعودية)، و محافظات تضم جبالاً وعرة. و نحو الشرق، المنطقة الحدودية هي عبارة عن امتداد صحراوي، و تشمل عسير و نجران في السعودية، و صعدة و الجوف في اليمن.

و لطالما كانت المنطقة الواقعة جنوب السعودية و تلك الواقعة أقصى الشمال في اليمن هامشيتين بالنسبة إلى المركزَين السياسيين، أي الرياض و صنعاء، ما يعزّز إلى حد كبير نظرة الحكومة إلى التهديد في كل من البلدَين. و فضلاً عن ذلك، سكّان المنطقة هم من الشيعة في أغلبيتهم الكبرى. و في السعودية، يقطن الإسماعيليون (الذين يبلغ عددهم نحو 400,000 نسمة، فالشيعة يشكّلون حوالي 10-15في المئة من المجتمع السعودي) في جيزان و عسير و نجران. أما الزيديون – الذين ينتمي عدد كبير منهم إلى التيار الحوثي أو يدعمونه – فيقيمون في صعدة و الجوف في اليمن. و يقطن نحو 20,000 زيدي في المناطق الحدودية جنوب السعودية. و قد طوّر الإسماعيليون في السعودية درجة معيّنة من الاستقلال السياسي نتيجة ما يتعرضون له من تهميش اقتصادي و اجتماعي مستمر منذ فترة طويلة، و تمايزهم الثقافي عن الثقافة السعودية الرسمية و مقرّها نجد.

و تطوّرَ صعود التيار الحوثي في محافظة صعدة اليمنية إلى حوكمة ذاتية و استقلال بحكم الأمر الواقع من خلال استغلال الفوضى التي أثارتها الانتفاضة الشعبية في صنعاء في عام 2011 و سيطرة الحوثيين على العاصمة في عام 2015.

كانت الحدود السعودية – اليمنية موضع خلاف على مدار التاريخ. فقد كانت جيزان مركز إمارة الإدارسة التي أسسها محمد علي الإدريسي في عام 1908 عندما تمرّد على سيادة الأمبراطورية العثمانية. ولاحقاً ضمّتها الدولة السعودية الناشئة إليها في إطار معاهدة مكة التي وُقِّعت في عام 1926.

في عام 1934، اندلعت حرب بين السعودية و إمامة يحيى الزيدية في شمال اليمن. و كان الإمام يحكم الطائفة بصورة تقليدية، أي إنه كان زعيماً دينياً و سياسياً على السواء. و فضلاً عن ترسيم الحدود، أجاز اتفاق 1934 (الذي وُقِّع في الطائف) للمملكة الحصول على سيادة مؤقتة على جيزان و عسير و نجران على أن يجري تجديدها كل عشرين سنة عبر تقديم تنازلات إلى السكان المحليين في موضوع تأشيرات السفر. ثم بدأت السعودية بتطبيق سياسة المحسوبيات في التعاطي مع سكان المنطقة الحدودية بهدف ضمان ولائهم و الحد من حركات التمرد المحتملة. و قد تكللت هذه المقاربة بالنجاح. و أنشأت القبائل المؤيّدة للرياض منطقة عازلة مؤقتة في الستينيات من أجل إغلاق الحدود السعودية إغلاقاً محكماً.

عندما اندلعت الحرب الأهلية بين الجمهوريين اليمنيين من جهة و اليمنيين الموالين للإمام و المدعومين من السعودية في الإمامة الزيدية من جهة ثانية (1962-1970)، وقفت مصر إلى جانب الجمهوريين و نشرت جنودها من 1962 إلى 1967. فانتصر الجمهوريون في نهاية المطاف.

و قد أدّت معاهدة جدة التي وُقِّعت في عام 2000، إلى ترسيخ التوازنات التي أرساها اتفاق 1934، و إنشاء رواق أمني منزوع السلاح ممتد على طول خمسة كيلومترات. و في الثلاثينيات، سعت المملكة إلى حماية الحدود من التهديد الجهادي المتعاظم لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. و قد تأسس هذا التنظيم رسمياً في عام 2009، على الرغم من أن الخلايا اليمنية و السعودية التابعة له كانت ناشطة في المنطقة قبل ذلك. و كان الحرس الحدودي المشترك اليمني و السعودي المؤلَّف من مواطنين محليين بمثابة وحدة جيش نظامي مهمتها مكافحة التهريب (تهريب السلاح والمخدرات المصنوعة من القات) و الهجرة غير الشرعية.

و كان الحرس الحدودي – وهو أحد فصائل القوات المسلحة النظامية – الكيان المؤسسي الذي يضم في صفوفه القوات القبلية المساعِدة التي واظبت طوال عقود على تسيير دوريات عند الحدود. و يكشف هذا المثال كيف أن التركيبة الأمنية الهجينة التي تجمع بين المجموعات النظامية و غير النظامية هي القاعدة لا الاستثناء. و في عام 2003، باشرت السعودية أيضاً بناء سياج حدودي، علماً بأن أعمال بنائه توقّفت بحلول مطلع 2013 بسبب الاستياء المحلي.

و لكن حدثَ تحوّلٌ نحو مقاربة أكثر تركيزاً على الأمن خلال حرب صعدة السادسة (من أغسطس/آب 2009 إلى فبرائر/شباط 2010) بين الحوثيين و القوى الأمنية التابعة للرئيس السابق علي عبد الله صالح. خلال الحرب، فتحت السعودية أراضيها أمام الجيش اليمني من أجل التصدّي للغارات التي يشنّها الحوثيون عبر الحدود. و بدأت الرياض بتنفيذ هجمات جوية، و نشرت قوات برية لمعالجة ضعف الحرس الحدودي و ما يُحكى عن عدم استعداده لمواجهة الحوثيين، و فرضت حصاراً بحرياً على شمال اليمن. و جرت الاستعانة أيضاً بمئات الجنود من القوات الخاصة الأردنية لمساعدة السعوديين على نزع فتيل التهديد الحدودي مؤقتاً.

و استمر التدخل السعودي خلال الانتفاضة الشعبية ضد صالح في عام 2011. لقد استغل الحوثيون زيادة عديد القوات العسكرية في صنعاء لتطهير المحافظة من فلول الحكومة المركزية، و بصورة خاصة، لطرد زعماء القبائل الموالين لصالح و السعودية. و على ضوء فرض الحوثيين حكماً ذاتياً في صعدة، لم تكتفِ السعودية فقط بنشر عناصر من الشرطة و الحرس عند الحدود، بل استأنفت أيضاً بناء السياج الحدودي.

و في هذا الاطار، نشب نزاعان متوازيان – و أحياناً مستحكِمان – على طول الحدود السعودية – اليمنية المتنازَع عليها. الأول هو النزاع الدائر بين الرياض و القبائل في المناطق الحدودية و التي لا تزال تعارض بناء سياج فعلي و عسكري. و الثاني هو القتال بين السعوديين و الحوثيين في اليمن الذين يتحالفون حالياً مع إيران. و يؤدّي التوتر في العلاقات الاجتماعية داخل الأراضي الحدودية إلى زيادة أجواء الالتباس. و لا يزال الإسماعيليون مهمَّشين في المملكة العربية السعودية لناحية الممارسات الدينية و صناعة القرارات و حصولهم على الخدمات. على سبيل المثال، و في حين أنه بإمكان الإسماعيليين السعوديين أن يخدموا في الجيش، يتعذّر عليهم بلوغ مراتب عليا بسبب افتقارهم إلى التحصيل العلمي العسكري. و السبب الأساسي هو أن عدداً كبيراً من كليات الضباط السعودية يرفض قبولهم على مقاعده.

و قد اشتدّت القيود الاجتماعية بعد اندلاع صدامات في نجران في عام 2000 لدى محاولة السلطات السعودية إغلاق المساجد الإسماعيلية و اعتقال المؤمنين. و فضلاً عن ذلك، عملت اليمن و السعودية على ترويج سياسة نشر السنّية و/أو الوهّابية في أوساط الشيعة المحليين.

و هذا ما حدث على نحو خاص بعد عام 1979 و تسييس النزعة الشيعية على إثر الثورة الإسلامية في إيران. و في جنوب المملكة، جرى تجنيس عشرات آلاف اليمنيين الجنوبيين الذين غادروا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الحكومة الاشتراكية التوجُّه في جنوب اليمن قبل التوحيد في عام 1990). لقد هاجر هؤلاء اليمنيون، و معظمهم وهّابيون، من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى محافظة نجران في الثمانينيات. و هناك، أفادوا من مخصصات الرعاية الاجتماعية – و لو بدرجة ثانية بعد الإسماعيليين السعوديين – و وجدوا وظائف في القطاعَين التربوي و القضائي. و منذ الثمانينيات، فُتِحت مساجد و مدارس مموَّلة من السعودية – مثل دار الحديث المرموق بدماج في صعدة – من أجل التصدّي لإحياء الشيعية الزيدية في شمال اليمن. و قد شجّع الرئيس صالح الذي كان مدعوماً من الرياض، الالتقاء العقيدي بين الشيعية الزيدية و السنّية الشافعية في اليمن باعتباره أداةً من الأدوات الأمنية بحوزة النظام.

لقد كان لتداعيات النزاع في اليمن و التدخل العسكري السعودي في عام 2015 تأثيرٌ واسع على المناطق الواقعة جنوب غرب السعودية. و يُشار إلى أن أكثر من نصف الجنود السعوديين الذين سقطوا في اليمن منذ عام 2015 هم من الغرب لا سيما جيزان. و تستخدم الدولة السعودية أدوات للمساعدة الاجتماعية موجَّهة إلى المجتمعات المحلية المفقَرة، مثل تسديد تعويضات إلى الجنود المصابين و عوائل الجنود الذين قضوا في القتال. و أكثر من ذلك، يُقدّم النظام مشاريع تربوية و تعويضات للمواطنين السعوديين الذين نزحوا بسبب عمليات إخلاء البلدات بدءاً من عام 2009، إلى جانب الأضرار الناجمة عن القذائف و الصواريخ.

لا مؤشرات توحي بتحقيق انتصار حاسم في النزاع اليمني المطوّل. مؤخراً، أدّى السعوديون دور الوساطة في المحادثات غير الرسمية التي تجرى مع الحوثيين في سلطنة عمان. و يعمد خالد بن سعود، نائب وزير الدفاع السعودي و شقيق محمد بن سلمان، إلى إعادة موضعة السعودية تدريجاً في الشأن اليمني ونقلها من المواجهة الكاملة إلى نزع فتيل التصعيد. لهذا السبب، قد يكون هناك مجالٌ لاستتباب الهدوء عند الحدود. و لكن الطريق نحو تفكيك الطابع الأمني سيكون محفوفاً بالعسكرة الشديدة، و العلاقات الاجتماعية المضطربة، و التصورات المتعاظمة عن التهديدات، لا سيما بعدما أفضى تحالف الحوثيين مع إيران و التطورات التي استجدّت بعد عام 2015 إلى ترسيخ الشبكة الشيعية. و تبعاً لذلك، أصبحت المنطقة الحدودية السعودية – اليمنية بمثابة مجمّع أمني.

*إليونورا أردماغني زميلة بحثية مشاركة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، ومساعِدة تدريس في جامعة ميلانو الكاثوليكية، ومحللة في مؤسسة الكلية الدفاعية التابعة للناتو ومعهد أسبن – إيطاليا.

المصدر: مركز كارنيجي للشرق الأوسط، بيروت – واشنطن.

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق