العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. الحركة النظامية والعقوبات ونفذ ثم ناقش

يمنات

أحمد سيف حاشد

كانت الحركة النظامية في الكلية العسكرية يومية و مكثفة، لا سيما في فترة الإستجداد، إن لم يكن في العام الأول كلية، حيث تم تخصيص وقتا أطول لها في جدول الحصص، يزيد عما تم تخصيصه لأهم المساقات الدراسية مثل مساق التكتيك أو التدريب الناري .. الحقيقة لم أكن راضيا عنها، و لم أسترح لها، و لم تطب نفسي منها .. لم أجد كيمياء مشتركة أو انسجام بيني و بين مدربيها “البركاني” و “المقط” .. كنت أقع اثنائها بأخطاء طفيفة تعرضني لاحراجات كبيرة أمام زملائي .. استنكرها في أعماقي، و كلِّي تطلُّع لأن نتعلم كل ما من شأنه أن يجعلنا مقاتلين صناديد، و قادة أفذاذ، و ليس بما يستحيلنا إلى كائنات استعراضية لا يستفاد منها شيء في ميادين الحرب و القتال .. هكذا كنت أرى الأمر و أنا أحدث نفسي.

كنت أزدري في نفسي العقوبات الجسدية التي تطالنا، لاسيما ما كان يعرف بـ(السحك) و هو أن ينبطح الطالب ثم يزحف على بطنه بمساعدة يديه و رجليه .. أحتقر تلك العقوبات و من يتخذها .. أشعر أنها تنطوي على إرغام و إذلال .. أظن أن الآمر بها مريض و لديه مركب نقص .. أرى أن التعاطي مع تلك الأوامر يجب أن يكون في إطار التدريب، و ليس في إطار تنفيذ العقوبات .. أن تأتي عقوبة “السحك” في إطار التدريب العسكري أمرا استسيغه و أعيه بل و أدرك أهميته، أما أن يمارسها الآمرون على المأمورين كعقوبة، فأرى فيها انتقاص من كرامة الطالب، و شتان ما بين الاثنين كما أظن و أعتقد..

كنت أرى عقوبة (الخسارة) أيضا خاطئة، خاصة و هي تطال راتب الطالب، و لكنها لا تطاله وحده، بل تطال أفراد عائلته في مأكلهم و مشربهم..! أمقت كل عقوبة تعم، أو تتعدى مرتكب المخالفة، أو تصل إلى انتزاع شيئا من لقمة عيش أطفاله و أسرته..

تسحق وجودي العقوبات الجماعية التي يصدرها بعض الضباط الذين كان يخيل لي بأنهم مرضى بالسادية أكثر من كونهم قادة ينبغي اجلالهم و تقديرهم .. لقد كان لدي القائد الذي يستحق الإجلال هو السوي الذي يفرض احترامه بسلوكه الجيد، و يقدم شخصيته على نحو يصير معها نموذجا و مثالاً و قدوة، يحظى بحب طلابه و احترامهم.

لازلت أذكر عقوبة جماعية أرغمتنا على الصعود إلى قمة الجبل الشاهق و المسمى (a.r) كدت أسقط منه بسبب أن بيادتي علقت بسلك كان ممدودا على ظهر الجبل .. كنت مثقلا بحقيبة الظهر، و خوذة الحديد الثقيلة، و الملابس الميدانية، و توابعها “المجعبة” .. أتكردحت و أنا نازل منه، و كدت أهوى من ظهر الجبل إلى اسفله .. صارت لدي عقدة رهاب أعاني منها، و قد كرّست عقدة رهاب أخرى قديمة، حالما كنت طفلا و تدحرجت من رأس الجبل، حتى حواني نتوء فيه، و كان تحته منحدر شديد، إن هويت فيه، سأتمزق إربا يصعب جمعها.

صار لدي رهاب مكرر من الأماكن المرتفعة، غير أن ما كان لدي أهم، إن الحادث الأخير لم يكن ناتجا عن تدريب عسكري أو حتى اختبار لياقة أو نحو ذلك مما يمكن تسويغه، و لكنه كان ناتجا عن عقوبة جماعية، نالتني دون أن ارتكب مخالفة .. لم استسيغ العقوبات الجماعية إلى اليوم إلا محمولا بالأديان و غضب الرب..

العقوبات الجماعية تطال الأبرياء و الأطفال و من رُفع عنهم القلم .. غضب يتم اطلاقه في غير محل .. لا استسيغ تلك العقوبات إلا من باب التسليم الواردة في الأديان، و ليس إعمالا للعقل و الفكر و المنطق..

كان إذا صدر خطأ أو صوت ينم عن احتجاج أو عدم رضا أو تململ ناقد أو صوت مشوش من أحد الطلاب في الطابور الصباحي و لا يستطيع الضابط المناوب معرفة مصدره و لا يرغب صاحب الصوت أو من يحيط به كشفه، لا يعمد الضابط إلى الإقناع و محاولة إيجاد المنطق أو الطريقة التي تحمل هذا الطالب أو من يحيطون به على الاعتراف أو الشهادة عليه، بل يسارع بحمق إلى عقوبة جماعية كمنتقم ثأري؛ فيصدر أمره الجازم الذي لا يخلو من حمق و قلة حيلة، بعقاب كل الفصيلة، أو السرية أو الدفعة كاملة في بعض الأحيان..

ما ذنب من لا يسمع مصدر الصوت لتناله العقوبة إذاً..؟! إذا كانت الجريمة شخصية فما حدث هو دون الجريمة، إنها مخالفة تستحق الجزاء لمرتكبها، أو حتى لمن تواطأ معه، و لكن لا يجب أن تطال من لم يعلم، و من لم يسمع الصوت الذي صدرت بسبه هذه العقوبة أو تلك، و لطالما تساءلت مع نفسي في هذا الأمر…!

كنت أشعر إن العقوبات الجماعية انتقام .. تدمير للقيم و الأخلاق و الحقوق .. تنكيل انتقامي ليس له علاقة بالرشد .. بل هو أسلوب انتقام ثأري أحمق لا يخلوا من عجز، و ينم عن عُقد و مركب نقص، و ربما يتحول من يستلذ به إلى خطر مدمر و مستبد إذا ما أمتلك السلطة و القرار .. العقوبات الجماعية أكثر السياسات سوءا و وبالا..

تبدت لي العقوبات العسكرية بانطوائها على قمع و استبداد و تراتبية صارمة .. لطالما مقتُ بعض القواعد التي يكرسون تعليمها في العسكرية .. أمقت تلك القاعدة المعمول بها و التي تقول : (نفذ ثم ناقش) .. أشعر أن هذه القاعدة تلغي عقولنا و تحولنا إلى مجرد أدوات منفذة بيد من يقودونا لتنفيذ ما يريدون..

إنه يجري تحويلنا إلى أدوات منفذة غير واعية و غير عاقلة .. أشعر أن إنفاذ أوامر عمياء قد تجلب ضرراً فادحاً لنا و لغيرنا .. كثير من الجرائم في دورات العنف التي كان يشهدها الجنوب ترجع إلى مثل تلك الفداحة، و تلك الأوامر الخطيرة أحيانا، و التي تم الأمر بإنفاذها، فدمرت الوطن و كانوا ضحاياها أكثر من أن يعدّوا..

كثير هم من أنفذوا أوامر جلبت لأصحابها و للناس الهلاك و الضرر الكبير .. كثير من إنفاذ الأوامر غير المناسبة نتج عنها مآسٍ مؤلمة و فادحة كان بالإمكان تفاديها لو تم استحضار قليل من العقل أو حتى التساؤل قبل تنفيذها، و التسبب بنتائجها المدمرة و المريرة التي لم نجتاز آثارها إلى اليوم..

لكل ذلك، كنت أسأل نفسي: يبدو أن التحاقي بالسلك العسكري جاء عن طريق الخطأ .. و لكن من أين للمرء أن يدرك عواقب و تفاصيل كل المسارات التي يحلم بها..! لطالما يجد المرء واقعا يختلف عن ذلك الحلم المرسوم في الذهن، ليكتشف أنه وقع في سوء تقدير كبير.

***

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق