فضاء حر

ارشيف الذاكرة .. مواقف محرجة في تناول وجبة الطعام

يمنات

أحمد سيف حاشد

– طاولة طعامنا في الفندق كانت تتسع لنا، و للمكلفين من الجانب الروسي و اليمني بمرافقتنا و تنفيذ برنامج الزيارة المرسوم لنا .. الطاولة مكتظة بكل شيء تقريبا .. الطعام متنوع و أكثره لا أعرفه، و المشروبات لا أدري ما هي..! لم استطع أن أميز بين ما يشرب و ما يُحتسى، و لا بين الشربة و أخواتها، و لا حتى بين الماء و الماء..!! أباريق و كأسات أنيقة تجلب لك الإحساس بالفخامة، و يدفعك فضولك إلى تجريبها كلّها، واحدة واحدة .. مناديل ورقية، و بعضها من القماش تشعرك بالخسارة و أنت تمسح بها فمك .. أدوات أكل لا أجيد استخدامها، و لم يسبق أن تعاملت معها..!.. قواعد و لوازم “الإتكت” احسست إنها الغربة كلها، و وجدت نفسي معها للمرة الأولى في تحد وجها لوجه..

– شعرت ابتداء أن هناك عقبات شتى أمامي، و مواقف محرجة تنتظرني .. أحسست أنني على طاولة امتحان لا على طاولة طعام .. و الأسوأ أنني أقدم على هذا الامتحان دون تعليم، أو دروس أعطيت لي من قبل في هذا المجال .. فقلت لنفسي: لا تفوق هنا .. أنني فاشل لا محالة .. كل شيء هنا أو أغلبه بالنسبة لي كان جديدا .. جله أتعامل معه للمرة الأولى .. ليس لدي تجربة من قبل، و كانت هذه هي الزيارة الأولى التي أخرج فيها من اليمن، بل و أيضا المرة الأولى التي أنزل فيها في فندق..

– كانت الأسئلة تزدحم في رأسي و أنا أستهل قعودي خلف طاولة الطعام: من أين أبدأ..؟! و ماذا أصنع بكل هذا الذي أمامي..؟! و كيف اتعامل معه..؟! و ما هذا الذي سآكله..؟! كل ما هو موجود أمامي في أغلبه ليس لدي فيه سابقة أو جهاد .. لم يسبق لي أن أكلت مثله من قبل..!

– قطعة من القماش أمامي مبرومة على نحو أنيق لا أدري ما هو الداعي لها، و أخرى كانت أكبر و مرتبة بعطفات أمامي لا أعلم ما لزومها .. كان عليّ أن أنتظر و أرى ماذا يصنعون بهما، و عندما شاهدت الجنرال الروسي يضع إحداها على صدره، و الأخرى على نصفه الأسفل .. لم أستوعب ماذا يفعل، و لماذا يفعل هذا..!! و مع ذلك قمت بتقليده كطفل يقلّد أباه، بل شعرت أنني أمارس الغش، حالما كنت أختلس النظر إلى ما يفعل، و أفعل مثله .. ثم قلتُ لنفسي: لا بأس سأعتبره طقس من الطقوس الذي يمارسونه قبل تناول وجبة الطعام، و التقليد هنا جائز شرعا .. حاولت أن أحبس ضحكة في جوفي، و ابتسمت بحذر تعويضا عن القهقهة التي قمعتها بشدة، و كان اندلاعها قد بات وشيكا..

– و ما إن شرعت بالأكل، حتى وجدت قطعة القماش التي على صدري، قد أرخت سدولها و انسابت إلى الأسفل، بسبب حركات جسمي أثناء تناولي للطعام، فيما كانت قطعة القماش السفلى قد تدحرجت إلى الأرض دون أن أعلم، و لم أنتبه لأمرها إلا بعد الانتهاء من الطعام، و قد أشبعتها رفسا و دعسا .. دمدمت في نفسي و أنا أصب سخطي عليها قائلا: أيش نزّلها..؟!! لقد نالت ما تستحق..!!

– أول مرة أستخدم الشوكة و السكين معا في تزامن واحد .. في الطائرة استغنيت عنهما، و أكلت وجباتها بطريقتي، و كذلك فعل زميلي الآخر الذي كان جواري في المقعد .. أما الآن و أنا في حضرة الجميع أستصعب عليّ الأمر .. و عندما كنت أحاول ضبط الشوكة و السكين بين اليدين و الأنامل لم أستطع أن أقلّد الجنرال. شعرت أنني أحتاج إلى درس خاص لأتعلم الأمر، و لا يوجد هنا متسع لأتعلم و أحفظ الدرس .. كان أدائي ضعيفا في التعامل مع السكين و الشوكة معا. وجدت هذا الفعل مستصعبا؛ و زائد على هذا لو استطعت أن أستخدم يدي اليمين بكفاءة، فلن أستطيع استخدام يدي اليسرى بنفس كفاءة اليد اليمين؛ و هروبا من هذا و ذاك اخترت التعامل معهما بالطريقة التي تروقني، و كانت أكثر فاعلية، و لكنني شعرت أنني أخرج أحيانا عن النص كثيرا، بل و كنت أقع في أحايين بمواقف محرجة..

– ظننتها فاكهة صغيرة دون أن أدري ما هي بالضبط .. كان لونها أسود .. يا لسوء الظن..!! الحقيقة لم أكن أعرف كيف يمكن التفاهم معها..!! وضعت السكين في وسطها، و شرعت في الضغط عليها من أجل قطعها، فيما يدي الأخرى الماسكة بالشوكة كانت تحاول اسنادها من الجانب حتى لا تنزلق، و لما كانت نواتها صلبة، و قشرتها غير سميكة، و كان ضغطي عليها شديد، خرّت إلى أقصى الطاولة كشهاب ثاقب .. ضربت عدد من الأوعية عند انزلاقها و كأنها كرة بلياردو .. أحدثت أكثر من صوت أنتبه له الجميع، و لمح بعضهم مروقها من أمامه..

– بعضهم لم يعرف ماذا حدث و أخذ يسأل..!! و آخرون ظنوا أن أحدهم رمى بشيء على الطاولة..!! إلا أن جميعهم كانت تكسوا وجوهم علامات الاستغراب و العجب، فيما أنا غارق في ذهول، لا أدري ماذا أقول..!! ارتباكي الشديد و خجلي الأشد جعلهم يخمنون أنني مصدر ما حدث .. صوّبوا سهام عيونهم نحوي، فيما زميلي الذي بجواري حاول يفهمني إن حبة الزيتون يضعوها في الفم و يلتهمون قشرتها، و يخرجون نواتها و يضعونها جانبا؛ فغلبتني ضحكتي، و ضحك الجميع، و قد أدركت أي حماقة ارتكبت..

– لديهم نوع من الماء المعدني يختلف عن ذلك الماء الذي أعتدت عليه .. فتحت القنينة و ملأت الكأس الزجاجي الذي أمامي، و ما أن شربت جرعة منه حتى تفاجأت أنه ليس كذلك .. طعمه حمضي على قلوي .. إنه شيء مختلف .. لا يمكن ان يكون هذا ماء بأي حال.

– قلت للزميل الذي في جواري: هذا ليس ماء..

قال: إلا .. ماء معدني..

– قلت: بإمكانهم أن يعتبروه أي شيء إلا أن يعتبروه ماء..

قال: خذ هذه .. و ناولني قنينة أخرى من على الطاولة .. و بالفعل كان ماء و لكن ليس كماءنا..

– كثير من الأطعمة التي تناولتها لا أعرف ما هي .. كل نوع أتناوله كان يشبه ضربة حظ .. ربما يكون شهي، و ربما يكون مقبول، و ربما يفسد وجبة الطعام كلها..

– من “الإتكت” إذا أشبعتك الوجبة التي أمامك، ضع وجه الملعقة و الشوكة على الصحن إلى أسفل و ظهرها إلى الأعلى .. و لما كنت لا أعلم بهذا تركت الملعقة و الشوكة دون أن أدري إنها تعني “لم أشبع” فجاء النادل بوجبة إضافية .. احترت و استغربت و سألت نفسي: لماذا أنا دون غيري .. ثم ملت على زميلي و قلت له:

– أنا لم أطلب..!! أنا شبعان..!! لماذا خصني بوجبة اضافية..؟!! و لماذا أنا بالتحديد..؟!! و سخرت من النادل بسؤال: هل رأني آكل بنهم و شراهة..؟!

فأجابني زميلي: كان يجب أن تقلب الملعقة و الشوكة؛ لتعلمهم أنك اكتفيت بما أكلت .. الآن عليك أن تستكمل أكلها .. الإبقاء على طعام هنا أمر يزعجهم .. يجب أن تكمل حتى آخر لقمة .. و لذلك كان علي أن أرغم نفسي على الأكل حتى آخر لقمة، و كدت بعدها أن أتقيأ.

***

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق