أخبار وتقاريرالعرض في الرئيسةتحليلات

الصراع السعودي الإماراتي في اليمن .. صورٌ و أدوات

يمنات

 صلاح السقلدي

بعد خمسة أعوام حرب متعثرة تخوضها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة باليمن لتحقيق أهدافا مشتركة لهما ظاهرية وخَــفيّــة، وبعد أن ظل التوافق والتناغم السياسي والإعلامي والعسكري بينهما في أفضل حالاته ويخفي بين جنباته كل الخلافات والتباينات، سواء أكانت خلافات ناعمة او خشنة، تصريحية أو تلميحية, استطاع هذا التوافق أن يداريها خلف الحَــجب ولو مؤقتا ،على طريقة الكنس تحت السجّـاد ،إلّا أنّ العام الأخير من هذه الحرب وبالذات قُــبيل وبعد الانسحاب الإماراتي من مسرح العمليات العسكرية ومن حاضرة الجنوب (عدن) قد أظهر للعلن تباعاً حجم جبل ثلج الخلاف بين البلدين بشتى صوره وأبهى أدواته، وبات اللعب على المكشوف وإن ظلت حتى اللحظة  بواسطة الوكلاء فحسب.

كُـــرة قش متماسكة من الخارج مفككة من الداخل

    التحالف السعودي الإماراتي باليمن الذي يبدو ظاهريا متماسكاً إلّا أنه  من الداخل غير ذلك، فهو أشبه بكرة قش متماسكة من الخارج مفككة من الداخل، ولكن برغم الخلاف بين البلدين بالشأن اليمن إلّا أن علاقة البلدين تظل علاقة استراتيجية مصيرية – حتى اليوم على الأقل- لمعرفة كل منهما ألّا غنى لأحدهما عن الآخر في ظل احتدام الصراعات المستعرة بالمنطقة وفي ظل تشكل التحالفات والمحاور بالعالم، فأن كان لهما في اليمن خلافا ففي علاقتهما الشاملة تظل علاقة طبيعية أو في اسوأ الأحوال علاقة يشوبها الاختلاف لا الخلاف.

     فثمة نقاط كثيرة هي مَــن فجّــرتْ  بينهما  الصراع باليمن، بعضها تتعلق بشكل علاقة  الدولتين – كل على حِــدة- بالقوى اليمنية شمالا وجنوبيا، وبعضها ذات طابع تنافسي اقتصادي واجتماعي ،أو قُـلْ ذات طابع صراع الأطماع والغنائم على الأرض والجغرافيا والمنافذ والجزر باليمن، ولكن تظل نقطة الخلاف الرئيسية بينهما تتمحور حول طبيعة وحجم الدعم السعودي السخي  لحزب الإصلاح، الخصم اللدود للإمارات باعتباره ذراع تنظيم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابي باليمن – بسحب التوصيف الإماراتي بل وحتى بحسب التوصيف السعودي أحيانا-، وهو أي الإصلاح القوة الحزبية الكبرى المستحوذة على السلطة اليمنية المسماة بالشرعي .. هذا الدعم الذي اثار حفيظة الإمارات واعتبرته تهديدا لها ولوجودها في اليمن والجنوب على وجه الخصوص، ومعتبرته في الوقت عينه تصرفا سعوديا مريباً حيال خصم يضمر الضغينة لها وللسعودية أيضا تدحرج مثل كرة النار على رأس مستقبل علاقة الدولتين باليمن.

تقاسم النفوذ الخليجي  شمالا وجنوبا

   فعلى مستوى الصراع على النفوذ بينهما على الأرض برّا وبحرا، شمالا وجنوبا فهناك اتفاق ولو غير معلن بينهما على التقاسم والتسوية. ففي الشمال تُــرسّــخُ السعودية حضورها العسكري والاجتماعي  في مأرب، وفي الجوف – الى حدٍ ما- من خلال أذرعها المالية (كاللجنة الخاصة مثلا) وخبرات المملكة التاريخية باليمن الشمالي مستعينة بسحر المال وبريقه الذي يسيل له لُعاب شيوخ القبائل والعسكر ورجال الدين والساسة بغزارة، فضلا عن وسائل أخرى يصعب حصرها هنا. فيما الإمارات تفوز بالساحل الغربي أو بأجزاء من الساحل الغربي عبر حليفها العسكري قوات العميد طارق، أما محافظة تعز فقد استعصت على التقاسم أمام كليهما لخصوصيتها ولعدم أهميتها الاقتصادية والعسكرية بالعين الخليجية، إذا ما استثنينا شريطها الساحلي.

المهرة وحضرموت في قبضة السعودية واللواء الأحمر

   وعلى الأرض بالجنوب، فالسعودية تستأثر بنصيب الأسد، قياسا بما ظفرت به الإمارات، فبعد أن استطاعت دحــرُ الإمارات من محافظة المهرة ومن جزيرة سقطرى،- قبل أن تتمكن قوات المجلس الانتقالي من تقليص الدور السعودي من خلال تحجيم قوات الشرعية الموالية لها، والسيطرة الجنوبية الشبه كُــلية على الجزيرة في نهاية المطاف-، فقد استطاعت السعودية من ترسيخ وجودها العسكري والسياسي في المحافظة أعني المهرة، وأضحت هذا المحافظة محافظة سعودية غير معلنة. وفي محافظة حضرموت المجاورة، وبعد أن كانت الإمارات تبسط نفوذها على مدن الساحل وتحديدا على حاضرة المحافظة (المكلا) وبعد أن نجحت في استعادتها من تنظيم القاعدة بشكل أو بآخر وأوجدت عوض عنه قوات أمنية محلية منضبطة (النخبة الحضرمية)، واستطاعت أن تحجّــم من نفوذ تلك الجماعات الارهابية في الساحل وفي الوادي إلا أن السعودية استطاعت مؤخرا أن تقلص من دور تلك القوات الحضرمية وتمسخها وتجهز بالتالي على النفوذ الإماراتي هناك بشكل لافت، وبالذات في الأسابيع الماضية حين فلحت السعودية باستمالة مواقف المحافظ البحسني الذي ظل  الى عهد قريب رجل الإمارات القوي يتلقى منها الدعم المادي والمالي والسياسي، وجعلته أي السعودي مؤخرا يدير ظهره شيئا فشيئا للإمارات نظير تعهد سعودي بإبقائه بموقعه ودعمه بالمال والمواقف بتقريه زُلفا من نائب الرئيس اللواء علي محسن الأحمر- أو هكذا تذهب السعودية بطموحاتها تجاه الرجل ومحافظته الاستراتيجية. ونبقى في ذات المحافظة، وفي واديها (حضرموت الداخل) فبعد أن كانت الإمارات قد سجّــلت نجاحات أمنية ملموسة بمحاربة الجماعات الإرهابية وتشكيل قوة أمنية محترفة هناك كما أسلفنا إلّا أن السعودية شتتها بالآونة الأخيرة أو توشك أن تفعل، مقابل دعمها للمنطقة العسكرية الأولى الموالية  لنائب الرئيس/ محسن الأحمر وحزب الإصلاح، وإبعاده أي وادي حضرموت تدريجا عن الإمارات وعن الانتقالي، في تعاون لا تخطئه عين بين السعودية والقوى الشمالية لتسليم الجنوب والسيطرة عليه سياسيا من قِبل القوى اليمنية التي هي امتدادا لقوى حرب 94م، وإخضاعه اقتصاديا للسعودية في صفقة تتبلور باضطراد يوما إثر يوم  بين الطرفين منذ غداة عقد مجلس النواب جلسته الاستثنائية بمدينة (سيئون) كبرى مدن الوادي.

عدن .. حضور سعودي ونفوذ إماراتي

   أما في عدن  فما يزال الحضور الإماراتي غير المباشر موجودا بقوة من خلال المجلس الانتقالي برغم الوجود العسكري السعودي هناك الذي يبدو برغم كثافته وحُــسن تسليحه الهائل بحالة من الاضطراب والتهيب من أي تحرك عسكري جنوبي ضده في حال جهــرتْ المملكة بدعمها لقوت الشرعية وشاركت بإسقاط عدن.

وقد شاهدنا بروفات لهذا الصدام – بين السعودية والانتقالي- حين شرعت السعودية قبل شهرين بتدريب عناصر جنوبية مقربة من حزب الإصلاح على أراضيها لإحلالهم بدلاً عن قوات الانتقالي في بعض مرافق عدن، وفي مطارها بالذات ولكن الانتقالي أجهض الفكرة في مهدها، مما أضطر السعودية عبر قائدها في عدن العميد مجاهد العتيبي لمعاقبة الانتقالي أو بالأحرى لمعاقبة الإمارات بأن دعمت عسكريا وماليا وإعلاميا عملية عسكرية واسعة النطاق للقوات الموالية لحزب الإصلاح بالزحف صوب عدن لاسقاطها، قبل أن تتعثر العملية الشاملة وتنكسر تلك القوات التي ما تزال حتى اللحظة تقوم بمحاولات و إن كان على شكل هجمات محدودة.

أبيَـن ساحة النزال وواسطة العُــقد الجغرافي الجنوبي

    ولكن وبعد أن تم حسم تقاسم النفوذ والمصالح بينهما على الأرض بالصورة التي استعرضناه آنفاً وهو الأمر الجوهري الذي يهم البلدين من هذه الحرب ومن هذا البلد الاستراتيجي، الممزق الأوصال، إلّا أن لخلافاتهما بقية وبقايا في اليمن، لكنه يظل تحت السيطرة ويتم ضبط إيقاعه والتحكم به من هناااااك، من خلال التحكّـــم بحركات وسكنات حلفائهما على الأرض.

    … فعلى ما يبدو للأسف قد وقع اختيار الدولتين على محافظة أبين لجعلها  حَــلبة لصراعهما وساحة نزال سعودي إماراتي غير مباشرة، عبر حلفائهما المحليين (الانتقالي الجنوبي والشرعية) لتصفية حسابتهم, والسماح لكل طرف من الطرفين باستقدام قوة عسكرية من خارج المحافظة، دون السماح للمنتصر باقتحام عدن أو التمدد باتجاه عتق. فما يهم السعودية والإمارات بالمحصلة الأخيرة هو كسب الرهان وليس مصير الحصان .. هكذا قضت المصلحة السعوإمارتية أن يكون مكان وشكل الصراع وحجمه ومحدداته في الجنوب، فاختيار أبين تم بعناية فائقة، فهي  واسطة عُـقد الجغرافيا الجنوبية، فمنها وعبرها يمكن إنجاح أو افشال المشروع الجنوبي أو المشروع السعودي اليمني (مشروع دولة الستة الأقاليم) ومنها يُــحدد مستقبل الجنوب بل ومستقبل اليمن برمته .. وهكذا يتم استنزاف الجميع بالكل، مع فارق أن الإمارات تراهن على قوة جنوبية (الانتقالي الجنوبي) هي على ثقة بمواقفها  ومن خلوها من الفكر الإخواني وحتى من الفكر السلفي الجهادي، بخلاف السعودية التي تعوّل على مستقبلها بالجنوب وبعموم اليمن على قوى هي في الأصل تتهمها بالإرهاب وبالإخوانية وبالولاء لخصميها: قطر وتركيا، فلا تتحرّج هذه القوى من إظهار عداءها للسعودية ومن مطالباتها بتدخل تركي باليمن على غرار التدخل التركي في ليبيا الذي أغرى هذه القوى وتتمنى تطبيق التجربة الإوردغانية بعدن، في تحدٍ واستهزاءً سافرا لداعمها الرئيس: السعودية، السعودية التي تخبط خبط عشواء بين شمال يحمل لها الضغائن جرّاء جراحات القتل والقصف والحصار، وبين جنوب يشعر بوجع طعنة سعودية نجلاء في ظهره.

المصدر: رأي اليوم

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى