العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. حكايتي مع الأشباح .. جنية عاشقة

يمنات

أحمد سيف حاشد

  • عندما كنت صغيرا ـ لم أعد أتذكر بأي عمر ـ ربما في الخامسة أو أقل منها أو أكثر بقليل، كنت أخاف، و أعيش رعب الجن و الظلام .. أسمع أمي تتحدث عن جن “الداجنة” القريبة من بيت أهلها القديم، و عن نساء الجن اللاتي ضروعهن معطوفين و مسدولين على ظهرهن .. و عن أخوها الذي حاول بكتاب “شمس المعارف” أن يملك الجن، و كاد يجن و هو يسمع ركض الجن على سقف وحدته في “جلب موجر”.
  • كما كنت اسمع أبي يتحدث عن الجن، و يروي بعض الحكايات عنهم .. الجنية الجميلة الممشوقة القوام التي توقف السيارات في وقت متأخر من الليل في “عقبة عدن”، ثم تركب مع السائق و هي تتضوع عطرا و سحرا، و فيها كلما يجذب و يخدع، ليكتشف السائق في نهاية الأمر إنها برجلي حمار .. و أحيانا تختفي فجأة من السيارة، فينصدم السائق بهذا الاختفاء و يجن .. و حكاية النساء اللاتي على البئر يرشين بالدلى لغرف الماء في حلكة الليل، و هو يسمع الرشاء و اللهيف، و ما أن يقترب حتى يختفين بغته، فيصاب بالهلع الشديد .. هي حكايات كثيرة كنت أسمع بها كل ما لا يقوى على سماعه طفل بعمري الصغير..
  • كنت أرتعد من الخوف .. أتخيل عالم الجن، و تنتابني المخاوف أن ينتزعوني من عالمي الصغير، و عالم أمي الكبير إلى عالم من رعب و مجهول .. كل مفردة في كل حكاية كانت سرعان ما تجد وقعها على وعيي و تحدث فيه زلزلة .. ما يحكوه يرتسم في مخيلتي على نحو سريع و مذهل، و كأنني لاقط بث، أو رادار سريع الالتقاط لرعب مهول..
  • كل تلك الحكايات، كانت تسرح بي إلى البعيد .. كنت و أنا أسمع تلك الحكايات أعيش بذهن طفل، و قلبي الصغير يخفق داخلي، و يدق كالطبل الكبير، و يحتشد في وعيي اللزج كالصمغ ما هو مرعب و مخيف .. و أنا أحاول كتمان مشاعر الخوف التي تزلزلني من الداخل بصمت كتوم.
  • كنت أشعر بالوحشة و الخوف و الهلع و هم يتحدثون عن الجن و الشياطين .. كان الظلام يخيفني، و كانت درج دارنا القديم مظلمة، إلا من بصيص نور خافت يتسلل من كوة أو كوتين صغيرتين في الجدار .. كنت عندما أصعد أو أنزل الدرج منفردا، أركض مسرعا كالريح، دون أن ألتفت إلى الوراء، حتى انجو، و الحيلولة دون أن تلحقني يد جني أو جنية أو مس شيطان، ربما يختبئ في إحدى الزوايا المعتمة في سلم درج الدار .. عشت و أنا في تلك السن الصغيرة معاناة يومية مع الجن و الدرج و الظلام..
  • و عندما انتقلت إلى دارنا الجديد الذي بني على مراحل، و كان يومها دكانا فوقه ديوان، لازال بابه مكشوفا، و من دون باب، غير حزمة من الزرب تُنحَى مع الفجر، و تعاد إليه قبل النوم أو بعد المساء بقليل، و في مدخله كان يوجد مطبخاً صغيراً..
  • كنّا يومها ننام في الديوان و نترك الفانوس يضيء على نحو خافت أثناء النوم .. صحيت أنا و أبي مذعورين من الفراش على صوت أمي، و هي تستنجد بأبي وتقول: “خربي خربي .. البندق البندق”..
  • لقد شاهدت أمي يدا ترمينا بالحصى، من جانب قطب الدرج جوار مطبخنا الصغير .. كانت أمي قد لمحت وجه متخفي باللثام .. هرع أبي ببندقيته النصف آلية و وضعه في شق الشبح، و إذ بها إمرأة تحاول أن تهدئ من روعنا، لنكتشف جميعنا في مسك الختام أنها رشيقة و جميلة جدا و مغامرة، تلبس في دجى الليل لبس الرجال .. عندما كبرتُ تمنيت أن يكونوا الجن مثلها، و قلت لنفسي: غبي من تردد في الذهاب مع مثل تلك الجميلة..

يتبع

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.  

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق