أخبار وتقاريرالعرض في الرئيسةفضاء حر

تغاريد غير مشفّرة (230) .. الحقيقة مُرّة يا سادة .. عن الفساد ومكافحته

يمنات

أحمد سيف حاشد

 (1)

عندما تخضع الوظيفة العامة لمعايير الخبرة و الكفاءة والنزاهة و المواطنة سأقول: “النوايا صادقة، و أن المصداقية في مكافحة الفساد واردة، و المساندة في هذا الجانب واجبة”.

امّا كل واحد يأتي بأهله و أبناء منطقته و قبيلته إلى الجهاز المالي و الإداري للدولة، و يعيث الفساد فيه طولا و عرضا، ثم تحدثني عن مكافحة الفساد، ستكون ريبتي فيك و في نواياك مضاعفة..

بل و سأكون على يقين أن لا مشروع لديك في مكافحة الفساد، بل و تعمد إلى مزيد في الإيغال فيه، و تصر على تطويل عهده مع الإصرار و التمكين، و أن ما تصنعه ليس فقط فسادا مضاعفا مع الحيلة و سبق الإصرار، بل و مضافا إليه عدم الحياء و الخجل، و مزيدا من الاستهتار و الاستخفاف بعقولنا التي أثقلتها بالمناورة و الأكاذيب..

(2)

كيف يستقيم الزعم أنك تريد عدالة و نزاهة و قضاء محترم، فيما ترفض صرف مرتبات القضاة الذين تحت ولايتك .. أننا نتجنّى و نحن نعتبرها مرتبات، و هي في حقيقتها قد صارت اليوم لا تزيد عن صدقة من شحيح..

و أكثر من هذا تنتظر أن يصرف المرتزقة مرتبات القضاة الذين تحت ولايتك، بل و أكثر منه .. أنت لا تتخلى فقط عما تفرضه المسؤولية حيال شعبك و حيال من هم تحت ولايتك، بل و تتنصل حتى من الشعور بها..

من يفكر هكذا من المستحيل أن يكون رجل دولة، بل هو في الحقيقة رجل جباية من العصر الوسيط..

(3)

مكافحة الفساد لا يكون انتقائيا و لا تجريبيا .. لا يكون باختيار الحلقة الأضعف، و سياسية مثال: “اضرب البردعة يفهمك الحمار” أو سياسة الرسائل المشفرة للفاسدين الكبار الذي كان ينبغي أن تبدأ سياسة المكافحة من روؤسهم..

يجب أن تبدأ مكافحة الفساد بالرؤوس الكبيرة و الراعية للفساد أولا .. ألم تسمعوا بالمقولة المشهورة إن “الفساد يجب مكافحته من أعلى إلى أسفل ككنس الدرج بالضبط .. فلماذا تعمل بالمقلوب..؟!”

أما الزوبعة على علان من الناس و ترك فرعون و فساده، فليس من مكافحة الفساد في شيء .. كما أن التعاطي مع الفساد أو تقسيمه بفساد صديق و فساد غير صديق، و بدلا من مكافحته تتجه إلى تمكين فساد على فساد، فليس هذا هو من مكافحة الفساد بحال..

الحقيقة مُرة يا سادة..

(4)

هل ما يحدث في صنعاء مكافحة فساد..؟!!

أم سياسة إحلال و تمكين..؟!!

و تضييق أكثر لدائرة المشاركة و المواطنة الأضيق..؟!!

(5)

يجري إفشال القطاع العام بتعيينات الأتباع، و اقصاء من لهم القدرة و الخبرة و الحنكة الإدارية .. يجرى تغييب العقول و استبعادها لصالح المقربين و الاتباع و أصحاب الولاء و “الطيرمانات” الصغيرة..

يجرى تغييب و هدم شروط الوظيفة العامة .. و أثناء التعيين للمناصب العليا في المؤسسات يجري كنس مبدأ المفاضلة بالخبرة و النزاهة، بل و استبدالها بمعايير ما أنزل الله بها من سلطان .. مفاضلة بين الاتباع و الأقارب و الولاء و الصحب .. مفاضلة يتم فيها رعاية الفشل المديد حتى ينتهي الحال إلى قطاع عام فاشل، و ما كان ليفشل لولا سلطة فاشلة تعين الفاسدين و الفاشلين، و ترعى الفشل، و تهون منه، حتى تجعل مؤسسات القطاع العام بخبر كان.

جاء في إحدى التقرير الرقابية بصدد إحدى المؤسسات، أنه يجري إدخال المؤسسة بعقود شراكة مع القطاع الخاص بشروط مجحفة، و بدون دراسات جدوى اقتصادية مسبقة العوائد،  و بعيدا عن مدى مساهمة تلك الشراكة في تحقيق أهداف المؤسسة، و بدون تحديد واضح و دقيق لمساهمة المؤسسة أسوة بما يتم لشركائها، أو تقييم لمساهمة الشركاء في مقابل نسب تقاسم العوائد، حيث تتولى المؤسسة تمويل كافة النفقات التشغيلية و معظم النفقات الرأسمالية..

إنها أموال الشعب مهدور و مستباح الحقوق، و سلطة لا تبحث عن العقول، و إنما تبحث عن الولاء و الأقارب .. تبحث عن الفاسدين و الفاشلين و تقصي بعيدا أصحاب العقول و الخبرة و النزاهة بتعمد و سبق أصرار..

(6)

فوضى إدارية و فشل ذريع للمؤسسات العامة يشرحها ضعف اهتمام تلك المؤسسات بتحصيل رأس مالها، و تأخر بدء تحصيل ايراداتها، و عدم قدرتها على تأكيد تحصيل كافة مستحقاتها، و قصور في ممارسة أنشطتها الرئيسية، و انعدام معايير و شروط أنشطة التمويل، و عدم ربطها بزيادة الانتاج، و غياب السجلات، و ضعف إجراءات الرقابة على منح التمويل و عمليات الاسترداد، و عدم وجود لوائح أو سياسات معتمدة تنظم اجراءات تقديم التمويل، و عدم الاهتمام بإعداد قواعد البيانات و التوثيق، و عدم توفر السجلات التحليلية، أو قواعد البيانات عن المديونيات و القروض، و عدم وجود ضمانات لاستردادها..

كل ذلك يشرح فشل إداري و مالي يستمر عميقا دون حساب أو عقاب أو تصحيح اختلال حتى يتوفى الله تلك المؤسسة أو يتوفى المسؤول عليها .. نحتاج إلى قدر ليغير الحال، لأن الفشل محروس و مدعوم بالفاشلين، الذين باتوا يتكاثرون في هرم المؤسسات العامة و المصالح الحكومية و يتقوون بأعلى مراكز الفشل..

(7)

بتم إنشاء مؤسسات بعشرات و مئات الملايين من أموال هذا الشعب المنكوب من الخارج و الداخل، و لا يجري تفعيل الرقابة عليها .. المال السائب لا يعلم فقط السرقة، بل و يسهل عملية تجريف رأسمال تلك المؤسسات و ما يُعتمد لها، و يجهز على تلك المؤسسات، و يقطع نفسها في أسرع أجل و وقت ممكن، و لا يوجد حساب و لا عقاب، طالما حدث هذا من مال الشعب المباح حقوقه..

نفقات دون وثائق، و عجوزات، و اعتماد نفقات تحت مسمّى تسهيلات، و ضعف رقابة على العهد المالية و غيرها، بل و فوضى إدارية و مالية يرتُكب تحت مظلتها الفساد و التجريف و إنهاء مؤسسات الشعب، باسم الشعب المغلوب على أمره.

(8)

بناء الدولة ليست مجرد رغبة بل هي أفعال مستمرة .. هي مواطنة و مساواة و مفاضلة و معايير صارمة .. هي خبرة و كفاءة و نزاهة و فن إدارة..

و عندما تعمد إلى تسليل الوظيفة العامة من الوزير حتى الموظف الصغير، و تعتبر الوظيفة العامة مكافأة للأقارب و الأصحاب .. و تجلب ما في مسب الحطاب للوظيفة العامة، تكون قد ارتكبت بحق الوطن خطايا كبار تتناسل نتائجها لردح طويل من الزمن، و يقول قائل: “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر”..

الأفعال في الواقع هي المقياس الحقيقي لما تريد .. لن تتمكن من بناء دولة مهما أدعيت .. الواقع سيظل يكشف النوايا على محكه كل يوم و يبرهن إلى أين تسير..!! و يبني الآخر موقفه منك على ذلك و ليس على الكلام الذي لا يجد نفسه حاضرا و ملموسا في الواقع..

(9)

عندما تستبعد الكفاءات و لا تبحث عن الخبرة و النزاهة، بل و تبحث عن معايير أخرى غير معايير و شروط الوظيفة العامة، يكون الفشل مؤكد و ذريع، و يجد الفساد جميع الأبواب مفتوحة ليمارس شهيته و سلطته المستمدة من الأعلى بأي صيغة كانت..

و المثال مؤسسة الحبوب .. و مصدر المعلومة هنا هو “الجهاز المركزي للرقابة و المحاسبة” الذي يرأسه شخصية قيادية منهم، و الأهم حتى هذه التقرير في ظل ما نعيشه من فساد واسع لا يؤدي إلى تغيير، بل صار السائد و المعروف أن هذا الوضع يتم تكريسه بإمعان ليس بمؤسسة الحبوب، و إنما بكافة المصالح و المؤسسات الحكومية التي يدعمها لوبي الفساد الذي يجد في المركز من يدعمه..

وصف تقرير الجهاز المركزي فيما يخص مؤسسة الحبوب مستوى كفاءة و خبرة الكادر الوظيفي للمؤسسة بـ”الضعيف”، عوضا عن افتقار المؤسسة للكوادر المتخصصة في الأنشطة الرئيسية، ما أثر على نشاطها و تحقيق أهدافها.

و يشير التقرير أيضا إلى ضعف منظومة العمل المالي و المحاسبي و اقتصار السجلات المحاسبية المستخدمة على سجل اليومية العامة و عدم العمل وفق أبسط قواعد و اجراءات العمل المحاسبي، و عدم القدرة على تقديم أبسط البيانات المالية، و عدم تطابق موازين المراجعة مع سجل اليومية العامة و الحسابات التفصيلية، فضلا عن ضعف أداء ادارة المراجعة الداخلية و قلة كادرها و ضعف تأهيله، ما أثر في مستوى الثقة في البيانات المالية للمؤسسة.

إنه الفساد يا سادة..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى