كذبة العيش الكريم

يمنات

لطف الصراري

«لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه».

هذا نص البند رقم (1) في المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو أحدث نص نشرته الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لتذكير الناس، ربما، بحقهم في «العيش الكريم».

بين فترة وأخرى، تنشر الأمم المتحدة على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بعض نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتطلب من متابعيها إعادة قراءة النص المقترح أمام الكاميرا وإرسال تسجيلاتهم لنشرها في الموقع الإليكتروني للمنظمة.

ربما تلك وسيلة جيدة لتذكير الناس بحق مهدور غالباً، لكن ماذا يفعل إنسان سحقت الحرب والبطالة كرامته المعيشية، بفيديو منشور بصوته عن العيش الكريم! والحديث هنا عن الإنسان في البلدان التي تشهد حرباً وأزمة غذاء حادة، ومنها اليمن بالطبع، إن لم تكن على رأسها.

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن بصورة مخيفة بحيث تفقد جميع التصريحات الدولية والاقليمية بشأن المساعدات العاجلة، قدرتها على الطمأنة. فالحديث عن «إنقاذ اليمن» يتحول إلى كلام ممجوج ودعائي حين يصطدم بأذن مدرّس يتسول قيمة وجبة غداء لأسرته في محل مجوهرات وسط سوق ريفي. في المحل ذاته، تحظى كرامة المدرّس بأيدٍ كريمة لزبائن يحاولون إنقاذها من السقوط الكامل.

غير أن أحداً لن يتجرأ على النظر في وجه المدرس ليرى كيف تتسرب كرامة الجائع من عينيه وفمه، وكيف ترتعش يديه بتردد وهو يرفض المساعدة ويحاول إقناع صاحب المحل برهن أوراقه الثبوتية مقابل قيمة وجبة عائلية ليوم واحد. لم يجرؤوا على ذلك بسبب الخوف من كونهم لم يعودوا محصنين من مهانة مماثلة؛ فقد باعوا للتو مدّخراتهم وزينة نسائهم من الذهب، ويغادرون باتجاه محلات المواد الغذائية والصيدليات، حيث يدفعون أحياناً مقابل سلع كان يفترض أن يتسلموها كمساعدات. ليس هذا سوى مشهد اعتيادي مقارنة بالهدر الجماعي لكرامة العيش في بلد يكافح سكانه للحفاظ على حقهم في الحياة، خاصة بعد أن فقدوا أعمالهم ومساكنهم وصحتهم… وفقدت ذاكرتهم الجمعية ما كان يسمى بالعيش الكريم.

مع ذلك، يكاد لا يخلو قانون في أي بلد في العالم، من هذه الأيقونة الفارهة: «العيش الكريم». إنه حق متدرج من الحد الأدنى للكفاية المعيشية للفرد، لكنه بلا حد أقصى. إذ تتفاوت مفاهيم هذا الحق بين الفلاح ومالك الأرض، بين العامل ورب العمل، بين الشعب والطبقة الحاكمة.

ولا يبدو هذا التفاوت مستغرباً إذا ما عرفنا بأن صائغي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اعتمدوا على مرجعيتين لإنجازه، هما: وثيقة الحقوق البريطانية «ماجنا كارتا»، ووثيقة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الفرنسي؛ الأولى ركزت على ضمان حق نبلاء القرن الثالث عشر أمام سلطة الملك، والثانية رغم انتصارها لحقوق المواطن عقب الثورة الفرنسية، إلا أنها لم تتطرق لإلغاء العبودية التي كانت سائدة حينها.

لا ينتقص هذا من جهود إليانور روزفلت، أرملة الرئيس الأمريكي الأسبق، في إخراج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى النور، لكن عندما لا تمتلك وثيقة أممية كهذه، بعد سبعين عاماً على إصدارها، قوة إلزام أخلاقية وقانونية في كل مكان من العالم، سواءً في أوقات السلم أو الحرب، فعن أي عيش كريم تتحدث!

المصدر: العربي

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

Related Posts

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

يمنات في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، سلطت الكاتبة كاترين بينهولد الضوء على تقرير للكاتب الأمريكي جيم تانكرسلي، الذي استعرض أربعة خيارات محتملة للتعامل مع التهديدات في مضيق هرمز. ووفقًا…

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

يمنات – صنعاء أكد عضو المجلس السياسي الأعلى، الفريق سلطان السامعي، أن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومدير مخابراته حول استعادة الطيارين الذين سقطت طائراتهم في…

You Missed

قيامة الملح

قيامة الملح

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن
Your request was blocked.