أهم الأخبارأدب وفنالعرض في الرئيسة

(غبار الخيول) لـ”علي لفتة سعيد”، لا تُروى من الخارج بل تُعاش من الداخل

يمنات

محمد المخلافي

(الصراع يتناسل، والغبار أول الضحايا)
بهذه الجملة يفتتح الكاتب والأديب العراقي المعروف علي لفتة سعيد روايته (غبار الخيول)، الصادرة عن دار ميزر للنشر والتوزيع بالسويد، في طبعتها الأولى عام 2025، وتقع بنحو 169 صفحة.

منذ السطر الأوّل، لم أكن أمام بدايةٍ واضحة. بل دخلت مباشرةً إلى حالةٍ قائمةٍ وممتدّة، لا تهدف إلى شرح الأحداث بقدر ما تُظهر استمرارها. الصراع ليس حدثاً عابراً يمكن تجاوزه، إنه وضعٌ ذهني يتكرّر، يترك أثره حتى بعد أن يخفت صوته.

ما أثار اهتمامي في الرواية هو تحوّل الصراع إلى جزءٍ من وعينا اليومي، حيث يظلّ حاضرًا في كلّ لحظةٍ من حياتنا. الغبار الذي يخلّفه لا يتبدّد بسهولة؛ بل يعلق في الذاكرة، ويتسلّل إلى اللغة، ويشكّل نظرتنا للعالم.

لا تسأل الرواية القارئ: (ماذا حدث؟)، بل تطرح سؤالًا أعمق: (كيف يُعاش الصراع حين يتحوّل من حدثٍ تاريخيّ إلى وعيٍ يومي؟) و(كيف يمكن للسرد أن يكتب امتداد العنف الذي لا يُرى مباشرة؟) في النهاية، لا يبقى من العنف سوى أثر غائب لكنه محسوس.

الغبار هنا ليس أثر جانبي. إنه ما يبقى بعد كلّ مواجهة، ويستمر حتى بعد أن تهدأ الوقائع نفسها. يظلّ حاضرًا في التفكير، في السرد، وفي علاقة الإنسان بزمنه ومكانه.

من خلال هذا المدخل، تقدّم الرواية تجربةً لا تُحكى من الخارج، بل تُعاش من الداخل، كحالة وعي، لا مجرّد سرد أحداث.

أثناء قراءة الصفحات الأولى، تَكوَّن لدي شعور بأن ما سيأتي ليس جديداً بالكامل، بل هو شيء يتكرّر، ولا يزال يتكرّر ربما حتى الآن.
هذا الغبار يبدو كأثرٍ لكلّ ما حدث ويحدث، شيء يعلق ويصعب زواله. يتنقّل السرد بين أحداثٍ وتواريخ يعرفها القارئ جيداً، دون أن يتوقف طويلاً لشرحها أو تبويبها، وكأن الكاتب يفترض مسبقاً أننا نعرف.

عندما تظهر هذه التواريخ في السرد، لا تُقدّم كماضٍ انتهى، بل كشيء لا يزال يؤثّر في طريقة تفكيرنا، وفي نظرتنا إلى هذا البلد وإلى ما يدور فيه. فالتاريخ هنا مستمرٌّ، يضغط على الحاضر أكثر مما يفسره.

أما الصوت الذي يروي الأحداث، فلا يبدو واثقاً أو حاسماً. هو لا يرفع شعاراً، ولا يحاول إقناعك بموقفٍ محدّد. هناك ترددٌ واضح، وشكٌ كثير، ونوعٌ من التعب من الكلام الذي قيل مراراً من قبل.

حتى حين يتحدّث عن العنف والدماء، يفعل ذلك بنبرةٍ هادئة، أقرب إلى الاعتراف منها إلى الاتهام. كأن السارد يقول ما يعرفه الجميع، لكنه مضطر للعودة إليه، لأنه جزء من يومه ومن تفكيره.

والعلاقة مع الأخ لا تُصوَّر كعلاقة إرشاد، بل كعلاقة بحث. الأخ لا يقدّم إجابةً جاهزة، ولا يطرح نفسه مثالاً يُحتذى، بل يسلك طريقاً مختلفاً، طريقاً للتأمّل والابتعاد عن الضجيج.

هذا الطريق لا يحلّ المشكلة، لكنه يترك أثراً في السارد، ويدفعه إلى التفكير أكثر، لا إلى الاطمئنان.

بالانتقال إلى مكانٍ آخر في الرواية، لا يبدو الأمر بدايةً جديدة. فالسفر لا يقدم خلاصاً، بل هو استمرار للحالة نفسها. تمر تفاصيل المطار واللقاءات الصغيرة بهدوء، عبر وعي يراقب أكثر مما يندمج. حتى اللحظات التي يُفترض أنها مفرحة تبقى معلّقة، وكأن الرواية تُلمح منذ البداية إلى أن الابتعاد عن المكان لا يعني الابتعاد عن الأسئلة.

الصوت السردي هنا ليس راوٍ يروي الأحداث، بل وعي يعيش اللحظة دون مسافةٍ آمنة. السارد داخل التجربة وفي الوقت نفسه يراقب نفسه، يتقدّم خطوةً ثم يتراجع، يحاول ضبط ما يحدث لكنه غالباً ما يصمت عندما يصبح الحمل ثقيلاً.

يظل الوعي السردي قلقاً لكنه غير منهار. قلقه لا يقوده إلى الصراخ، بل إلى التفكير المستمر. حتى لحظات النجاح تُستقبل بشيء من الشك والتساؤل: هل هذا حقيقي؟ هل يستحق كل هذا؟ أم هو عابر مثل كل ما مر من قبل؟

الزمن في الرواية ليس خطاً مستقيماً، بل مساحةً متداخلةً حيث يثقل الحاضر باستدعاءات الماضي المتكرّرة. أغاني الحرب وذكريات الاحتلال وجلجامش وقابيل وهابيل لا تأتي كشواهد ثقافية فحسب، بل كطبقاتٍ زمنيةٍ تعيش داخل اللحظة الحاضرة.

الذاكرة هنا قوّة اقتحام تدخل على السارد وهو في طريقه إلى مهرجان أو يجلس في سيارة، دون أن يملك السيطرة عليها.

حتى الفرح لا ينفصل عن ظلّ الذاكرة. كل نشوةٍ تحمل ذكرى حرب، وكلّ أغنيةٍ جميلةٍ توقظ أغنيةً قديمةً مرتبطةً بالخسارة. وكأن الرواية تقول إن العيش في الحاضر، لمن خرج من سياق عنيف، ليس أمراً بديهياً بل جهداً يومياً.

المكان نفسه يصبح تجربةً حسيةً ونفسيةً أكثر من كونه جغرافيا. تونس لا تُوصف بملامحها الثابتة، بل تُعاش من خلال الفندق والمهرجان والطريق الصحراوي.

السارد لا يسأل (ماذا يوجد هنا؟) بل (ماذا يحدث لي هنا؟). لذلك تتداخل المدن، ويعود العراق فجأةً في شارع تونسي، أو غرفة فندق، فالمكان يصبح مرآةً للذاكرة الجماعية.

يتجلّى التوتّر المركزي في الرواية بين الشعر كخلاصٍ فرديّ، والواقع كضغطٍ جماعي. يصرّ السارد على الشعر ليس كترفٍ، بل كضرورةٍ للبقاء وترميم الداخل.

في المقابل، يقف الواقع محمّلاً بالسلطة والتعصّب والخطاب الجاهز. لا تنتصر الرواية للشعر انتصاراً دعائياً، لكنها تجعله الخيار الوحيد لعدم الانهيار.

تظهر الشخصيات كحالاتٍ ذهنيةٍ أكثر من كونها شخصيات متطوّرة. (مسعد) الذي يفرّ من الالتزام، والأخ (عبد الناصر) المغلق على يقينه الواحد، و(نجم) الذي يواجه السلطة، و(الزوجة) التي تمثل الأمان البسيط، و(الجنرال) الذي يجسّد صراع الذات مع نفسها. كلّ منها يترك أثراً دون حاجة إلى تطوّرٍ مفصل.

تتبنّى اللغة انفتاحاً يجعل السرد يتداخل مع الشعر دون حواجز، حيث تأتي المقاطع الشعرية حين يعجز النثر عن حمل الثقل. اللغة تسمح لنفسها بالتعثّر والترهّل المقصود، وتقديم أفكار غير مغلقة، في تعبير صادق عن حالة الوعي التي تصفها.

تتحرّك الرواية عبر محطّاتٍ تشبه مذكّراتٍ أو مقاطع وعيٍ متجاورة، دون ذروةٍ تقليديةٍ أو حل نهائي. تترك النهاية القارئ في حالةٍ مركّبةٍ من الامتلاء والتساؤل وعدم الاكتمال.

في النهاية، لا تحاول (غبار الخيول) تقديم حقائق، بل تسجل أثر المرور، أثر المدن والمهرجانات والشعر والذاكرة التي لا تهدأ. إنها رواية عن إنسان يحاول البقاء متماسكاً في عالمٍ لا يساعده على ذلك، فيجد في الشعر ملاذاً مؤقّتاً للنجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى