فضاء حرأهم الأخبار

خرفان بانورج: عندما يصبح الانتحار الجماعي عقيدة.. وتجريف الأوطان سياسة

يمنات

فؤاد محمد

مقدمة

تظل قصة “خرفان بانورج” التي روَاها الفرنسي فرانسوا رابليه في القرن السادس عشر حيةً في ذاكرة الإنسانية، لأنها تمس جوهراً أبدياً في السلوك البشري: ظاهرة الانسياق الجماعي الأعمى. هذه القصة التي تبدو كرمزية أدبية، تحولت إلى مصطلح فرنسي متداول (moutons de Panurge) يصف الحالات التي يتخلى فيها الأفراد عن وعيهم وإرادتهم لينساقوا وراء القطيع، دون مساءلة أو تفكير نقدي. لكن هذا السلوك لا يقتصر على الخرفان في حكاية رابليه، بل يتجلى بأشكال أكثر تعقيداً وخطورة في المجتمعات البشرية، حيث يصبح الانسياق أداةً للتحكم والسيطرة، خاصة عندما يقوده “رعاة” فاسدون ينهبون أقوات الناس ويستغلون غرائز القطيع لتحقيق مصالحهم.

التحليل النفسي والاجتماعي لظاهرة القطيع

لفهم كيفية تحكم القادة الفاسدين بالجماهير، يجب أولاً استيعاب الآليات النفسية التي تجعل الإنسان عرضة لسلوك القطيع. عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجيا الجماهير” (1895) يوضح أن الفرد في الحشد يفقد شعوره بالمسؤولية الفردية، ويصبح أكثر تقبّلاً للإيحاء، وأكثر اندفاعاً وعنفاً أحياناً. هذه الحالة النفسية تُستغل ببراعة من قبل الزعماء الديماغوجيين الذين يقدمون حلولاً بسيطة لمشكلات معقدة، ويخلقون أعداءً وهميين لتحويل الانتباه عن فسادهم، ويستخدمون الخطاب العاطفي والشعارات الرنانة لتعطيل التفكير النقدي.

القائد الفاسد في هذا السياق لا يحتاج إلى إقناع كل فرد على حدة، بل يكفي أن يؤثر على النواة الصلبة من الموالين، الذين سيقودون بدورهم موجات الانسياق عبر آليات التقليد والضغط الاجتماعي، تماماً كما قفزت الخرفان وراء قائدها في قصة بانورج.

قصص تاريخية عن انسياق القطيع

1. تجربة ميلغرام في الطاعة العمياء (1961):

في واحدة من أكثر التجارب النفسية إثارة للجدل، قام عالم النفس ستانلي ميلغرام بدراسة مدى استعداد الأشخاص لطاعة السلطة حتى وإن تعارضت مع ضميرهم. طُلب من المشاركين إعطاء صعقات كهربائية متصاعدة الشدة لـ”متعلّم” (كان في الحقيقة ممثلاً) كلما أخطأ في اختبار الذاكرة. رغم صراخ “الضحية” وطلباته بالتوقف، استمر 65% من المشاركين في إعطاء الصعقات حتى المستوى القاتل لمجرد أن الباحث – بصفته سلطة – طلب منهم ذلك. تظهر هذه التجربة كيف يمكن للهيكل السلطوي أن يجعل الأفراد يتنازلون عن حكمهم الأخلاقي، وينساقون وراء أوامر قد تكون مدمرة.

2. انتحار جماعة “معبد الشمس” (1994-1997):

قدمت طائفة “معبد الشمس” بقيادة لوك جوريت وجوزيف دي مامبرو نموذجاً مرعباً للانسياق الأعمى تحت تأثير القادة المثاليين. عبر خطاب ديني-فلسفي معقد ووعود بالخلاص، تمكن القادة من غسل أدمغة المئات، لينتهي الأمر بسلسلة من عمليات الانتحار الجماعي في سويسرا وكندا وفرنسا، راح ضحيتها 74 شخصاً بينهم أطفال. لقد حوّل القادة أتباعهم إلى “خرفان” حقيقية، مؤمنين بأن الموت هو بوابة للانتقال إلى كوكب أفضل.

3. فقاعة التوليب في هولندا (القرن السابع عشر):

تظهر ظاهرة القطيع أيضاً في المجال الاقتصادي، حيث تتحول حمى المضاربة إلى انسياق جماعي يغذي نفسه بنفسه. في هولندا القرن السابع عشر، وصل سعر زهرة التوليب الواحدة إلى قيمة منزل فاخر، لأن الجميع كانوا يندفعون للشراء على افتراض أن الأسعار ستستمر في الارتفاع. لم يكن قرار الشراء قائماً على تقييم موضوعي لقيمة الزهرة، بل على تقليد ما يفعله الآخرون. وعندما انفجرت الفقاعة، خسر آلاف الناس ثرواتهم. القادة هنا ليسوا أشخاصاً بل “السوق” بوصفه كائناً جماعياً يقود الجميع نحو الهاوية.

كيف يستغل الزعيم الفاسد “ثقافة القطيع”؟

1. صناعة الوهم الجماعي:

يخلق القائد الفاسد واقعاً موازياً عبر وسائل الإعلام الموالية والشائعات، حيث يظهر كمخلص وحيد، وتُصوّر سياساته الفاشلة كنجاحات باهرة، وتُحمّل الأزمات لعوامل خارجية أو “أعداء الداخل”. في هذا الواقع الموازي، يصبح أي معارض “خائناً” أو “عميلاً”، وتتحول الانتقادات إلى “مؤامرات”.

2. استغلال الهوية والانتماء:

يعمل الزعيم على تعزيز الانتماءات الضيقة (طائفية، عرقية، قبلية) ليحولها إلى هوية مغلقة يتحدى أتباعه من خلالها “الآخر”. يصبح الولاء للزعيم مرادفاً للولاء للجماعة، والمعارضة خيانة للهوية نفسها. هذه الآلية تجعل الأفراد ينضمون للقطيع حمايةً لهويتهم قبل ولائهم للزعيم.

3. اقتصاد الريع والتبعية:

عبر شبكة المحسوبية، يربط الزعيم الفاسد مصالح شريحة من الأتباع بنظامه، فيصبح انتقاده مساساً بامتيازاتهم المادية. هؤلاء يصبحون “الخرفان القائدة” التي تنساق وراءها بقية القطيع، مدفوعة إما بالأمل في الحصول على امتيازات مشابهة، أو بالخوف من التهميش.

4. إشاعة ثقافة الخوف:

الخوف من التغيير، من الفوضى، من المجهول، من “العدو” الداخلي أو الخارجي، يجمد التفكير النقدي. الزعيم الفاسد يصور نفسه كحائط صد ضد هذه المخاطر جميعاً، مما يدفع الناس للانضمام إلى قطيعه بحثاً عن الأمان الوهمي.

الحالة اليمنية: القطيع المنقسم ورعاة الحرب

تقدم اليمن نموذجاً مأساوياً لاستغلال ثقافة القطيع في سياق الصراع المسلح والتدخلات الخارجية. لقد تحولت الانتماءات القبلية والمناطقية والمذهبية إلى هويات مغلقة، يستغلها الزعماء المختلفون لتحقيق مكاسب سياسية ومالية.

صناعة الخوف وتجزئة القطيع

استغل مختلف الأطراف المخاوف العميقة لدى الجماعات، فصور كل طرف نفسه كممثل وحيد وحامٍ لهوية معينة مهددة من “الآخر”. تحولت هذه الخطابات إلى سجون هوياتية، ينساق داخلها الناس وراء قادتهم دون مساءلة، حتى عندما يقودهم هؤلاء إلى حروب تهلك الحرث والنسل.

اقتصاد الحرب والتبعية

في ظل تدهور الاقتصاد وانتشار الفقر، تحولت الميليشيات والأحزاب إلى مصادر للرزق. انضم آلاف الشباب إلى صفوفها ليس بالضرورة لقناعة أيديولوجية، بل كخيار بقاء في اقتصاد محطم. هنا يتحول الانسياق وراء القائد من فعل إيمان إلى فعل ضرورة، كالخروف الذي يتبع القطيع لأنه لا يرى طريقاً آخر.

الإعلام وخطاب الكراهية

عبر القنوات والمنابر التابعة للأطراف المختلفة، تم تشويه صورة “الآخر” وتحويله إلى عدو وجودي. هذا الخطاب يخلق قطيعاً معادياً للقطيع الآخر، في حلقة مفرغة من الكراهية تجعل أي حوار أو مصالحة أمراً مستحيلاً في أذهان المنخرطين في هذه الثقافة.

تضحية الشعب من أجل بطانات القادة

بينما يعيش عامة اليمنيين أوضاعاً إنسانية مأساوية، مع انتشار المجاعة والأمراض، يستفيد قادة الميليشيات والأحزاب من اقتصاد الحرب، ويتحول النهب إلى نظام. الشعب هنا هو “خرفان بانورج” الحقيقية، تقفز إلى بحر المعاناة بينما “الرعاة” الفاسدون يحصدون الأرباح من بيع الأوهام والصراعات.

الخلاصة: كيف نخرج من قفص القطيع؟

قصة خرفان بانورج تذكرنا بأن الخطر الحقيقي ليس في وجود قادة فاسدين فقط، بل في الاستعداد النفسي والاجتماعي للجماهير للانسياق وراءهم. المواجهة تتطلب:

1. تربية النقد الذاتي: تعليم الأفراد منذ الصغر مهارات التفكير النقدي، والتشكيك في اليقينيات الجاهزة، وتقبل الاختلاف.

2. تفكيك خطاب الكراهية: مواجهة الخطابات التي تحول “الآخر” إلى عدو وجودي، واستبدالها بخطاب المواطنة المشتركة والإنسانية الجامعة.

3. استعادة الكرامة الإنسانية: حين يشعر الإنسان بكرامته وقيمته كفرد مستقل، يصبح أقل عرضة للانضمام إلى قطيع يلغيه في كتلة بلا وعي.

4. مساءلة السلطة باستمرار: بناء مؤسسات رقابية مستقلة وإعلام حر، يجبران القادة على الشفافية، ويكسران احتكار الحقيقة.

الخروف في قصة بانورج قفز لأنه رأى من قبله يفعل ذلك. الإنسان يستطيع بإرادته وعقله أن يتوقف ويسأل: لماذا أقفز؟ وإلى أين يقودني هذا القفز؟ ومن المستفيد من قفزي؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي بداية الخروج من ثقافة القطيع، وبناء مجتمع المواطنين الأحرار، لا الرعايا المنقادين.

زر الذهاب إلى الأعلى