(اللغة تتألم).. قراءة في “توابيت السكوت” لـ”بديعة كشغري”

يمنات
محمد المخلافي
بديعة كشغري شاعرة معروفة في المشهد الأدبي السعودي والعربي، وشعرها صادق وعميق. أسلوبها يجعل القارئ يرافقها في النص ويشعر بما تمر به.
حين قرأت (توابيت السكوت) لأول مرة عبر شاشة الهاتف، لم أفهمه بالكامل. كنت جالسًا في المقيل مع بعض الأصدقاء والمكان يسوده بعض الضجيج، والنص بدا صعب الإمساك به.
رغم هذا، ما شدني لم يكن المعنى فقط، بل الإحساس بأن اللغة نفسها تتألم. الجرح في القصيدة يظهر بوضوح. الوطن حاضر، والموت جزء من الحياة اليومية. هنا فهمت أن شاعريتها لا تكتب لتشرح، بل لتظهر هشاشة الأشياء التي نعتقد أنها ثابتة.
الوطن في (توابيت السكوت) ليس فكرة مجردة، بل تجربة يومية. تقول الشاعرة:
(أنا هنا وأنا هناك)
حتى حين نبتعد عن وطننا، يبقى حاضرا في اللغة، في الذاكرة، وفي إحساس الانتماء الذي لا ينقطع.
هذا الإحساس ملموس لكل من عاش الغربة، فتقول:
(فأنا هنا منذ المجاهيل)
يشعر القارئ أن العلاقة مع الوطن أقدم من كل ما مر، وأن البعد لا يقطعها أبدا.
وفي مواجهة الألم، تصر الشاعرة على الاستمرار، فتقول:
(لا، لن أموت)
حتى حين تقول:
(قتلتني أغنيتي)
لا تعني النهاية، بل تعكس أن ما يؤلمها هو نفسه ما يبقيها حية. الأغنية هنا رمز للذاكرة والوطن، شيء لا يموت.
رغم الألم والحزن، يشعر القارئ ببصيص من الأمل ورغبة في غد أفضل، وهذا واضح في نهاية القصيدة:
(أنا وأنتَ يا وطنَ الجراح
وجهان في ليلِ السؤال
هيهاتَ يُدركنا الصباح)
الحلم مؤجل أحيانا، لكنه حاضر دائما. الاعتراف بأن الصباح لا يأتي بسهولة لا ينفي الرغبة فيه، بل يظهر طول الليل وانتظار الصباح.
قصيدة (توابيت السكوت)، مهداة إلى الشاعر علي الدميني – رحمه الله – تعكس هذا الشعور. كتبتها في كندا أثناء إقامتها هناك عام 2005م.
(توابيت السكوت)
هَذَا ما جَنَاهُ الجُرحُ
في مَنْفَى الزَمنْ
هَذَا ما جَنَاهُ عَليَّ حَدْسي
وَمَا جَنيتُ عَلى وَطنْ
المأتمُ الفضيُّ
يشهدُ مَوتِي الآتي
تراتيلَ عُمرٍ قد مضى
المَشْهدُ اليوميُّ
موتٌ ثالثٌ
مَا بَيْنَ خَاصِرَةِ الرّصيفِ
وَبَيْنَ أَنْوَاءِ الخَرِيفِ
نَخْلٌ أُهَزُّ جُذُوعَهُ
فَتُسَاقَطُ الأَوْهَامُ
وَالأَزْلَامُ
مَا انْحَسَرَ الحَزَن
—
دَمُنَا يُصَادَرُ أَوْ يُبَاحُ
سِيَّانْ
إنْ غَنَّتْ طُيُورُ الحُبِّ
أَوْ –فِي مَهْدِهِ– شُنِقَ الصَّبَاحُ
أنَا مِنْ هُنَا
أَنَا مِنْ هُنَاكْ
أَنَا وَأَنْتَ جَمِيعُنَا..
جَمِيعُنَا نَزَحُوا
جَمِيعُنَا نَزَفُوا
كُلُّ الشَّوَاطِئِ
تَرْتَدِي حُزْنًا
عَبَاءَاتِ الحِدَادِ
كُلُّ الأَغَانِي تَنْحَنِي
مَا مِنْ مِدَادٍ
بَيْتُ المُوَاوِيلِ الَّذِي قَدْ كَانَ يوما
هُوَ ذَا فِي الأُفُقِ نَاحَ
دَمُنَا يُبَاحُ
إِلَى مَتَى..
سَيْفٌ وَخَيْلٌ
يَبْكِيَانِ خَطِيئَةً الأجداد وَالأَمْجَادَ
فِي مَوْكِبِ العَصْرِ الذَّلِيلِ
لَا صَلِيلَ وَلَا صَهِيلَ..
وَلَا مَنْ تُوَاعِدُهُ الرِّمَاح
حَطَّتْ بِنَا نصلا
تَوَابِيتُ السُّكُوتِ
قَتَلَتْنِي أُغْنِيَتِي
لَا لَنْ أَمُوتَ
لَا وَقْتَ عِنْدِي لِلْجِرَاحِ
فَأَنَا هُنَا
مُنْذُ المَجَاهِلِ الَّتِي نَاءَتْ بِنَا
أَنَا هُنَا..
وَأَنَا هُنَاكَ..
لِأَدُكَّهَا قِلْعَ المَحَالِ
أَنَا وَأَنْتَ يَا وَطَنَ الجِرَاحِ
وَجْهَانٍ فِي لَيْلِ السُّؤَالِ
هِيَهَاتَ يَدْرِكُنَا الصَّبَاح
هِيَهَاتَ..
يَدرِكُ نَا
الصَّبَاح
حساسية شعر بديعة كشغري لم تأتِ من فراغ. ولدت في الطائف ونشأت في بيئة هادئة ومرتفعة. المدينة أثرت على لغتها منذ الصغر. درست الأدب واللغة الإنجليزية، وعملت في التدريس والترجمة، وتعرفت على ثقافات مختلفة في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا واسبانيا.
كل هذا لم يجعل شعرها صعبا يكتنفه الغموض بل جعله أكثر دقة حينا وأكثر مساءلة لجوهر المعنى حينا آخر : ( أسئلة الوجود، عشق الوطن وقيم الانتماء ، أسئلة الاغتراب الجغرافي والذاتي ) إلى غير ذلك من معان تتأرجح بين المعاناة والأمل وبين الواقع والحلم بصياغة مستقبل مشرق .
عملها في التعليم ثم في أرامكو، خاصة في التحرير والترجمة والنشر، أضاف خبرة أخرى لتجربتها. من يقرأ نصوصها يلاحظ دقتها في اختيار المفردة ومعرفة متى تترك ومتى تحافظ على المعنى.
ما يميزها أنها لا تهدم الرموز بصخب. السيف والخيل موجودان، لكن بدون مبالغة. التراث حاضر، لكنه هادئ. حتى الصباح في نهاية النص يظهر متقطعا. الأمل موجود، لكنه ضعيف أحيانا.
هذا الأسلوب لا يقتصر على (توابيت السكوت). من يقرأ دواوينها، مثل (الرمل إذا أزهر) و(الأحرف التي هي أنا)، سيلاحظ تغيرا تدريجيا: الجمل تصبح مباشرة أكثر، والاهتمام يذهب إلى الإنسان وما يعانيه. بعض نصوص (إيقاعات المرأة) كانت أوضح مما اعتادت لغتها، لكن هذا الاختلاف يظهر أنها كتبت من تجربة حقيقية، وليس من أجل إتقان الشكل فقط.
هي لا تكتب لتمثل المرأة أو الوطن، بل تكتب من موقعها الشخصي. تضع جرحها في النص كما هو، وتتركه دون شرح أو طلب تعاطف. لذلك يخرج كل قارئ بتجربة مختلفة.
في البداية كنت أرى غموض شعرها، ثم أدركت لاحقا أن هذا الغموض هو ما يدفع إلى العودة إليه. تجربتها الشعرية ترتبط بعلاقتها مع اللغة ومع تاريخها الشخصي. شعرها صادق وواضح، لكنه يترك القارئ يفكر، وهذا ما يميزه وسط كثير من النصوص السهلة.