أدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “قات بالحليب” 

يمنات 

نص “قات بالحليب” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني أحمد سيف حاشد. 

انحزت هذه القراءة بواسطة تقنيات الذكاء الصناعي. 

القراءة السياسية  

في خلفية النص، يتشكّل واقعٌ سياسيٌّ مأزوم، حيث يغدو «القات» أكثر من عادة اجتماعية؛ إنّه حالة تخدير عامة تلتهم الوقت والموارد، وتغدو استعارةً للمرارة السياسية والواقع المقذع الذي يُجبَر الفرد على ابتلاعه يوميًا. 

القات هنا ليس موضوعًا بريئًا، بل بنية اجتماعية مكتملة، نظامًا غير مكتوب يفرض خياراته، ويحدّد المسموح والمحرّم، ويصنع ثنائياته القاسية: أبيض/أسود، رجس/وحي، معنا أو ضدّنا. 

الحليب كترياق رمزي

في المقابل، يأتي «الحليب» بوصفه محاولة مسالمة، أو مجازًا لدور المثقّف الفردي، الذي لا يملك تغيير الواقع جذريًا، لكنه يحاول تلطيف حدّته وتفكيك قسوته. 

يقدّم النص هنا رؤية سياسية ذكية: إذا كان تغيير «القات» مستحيلًا، فإن ابتكار «الترياق» يظلّ فعلًا ممكنًا، ولو بحدوده الرمزية.

العصيان الصغير وكسر العادة

حين يجرّب الكاتب الحليب، فهو لا يبدّل مشروبًا، بل يختبر حدود الطاعة. إنّه تمرين صغير على العصيان، وكسرٌ خفيف لعرفٍ ثقيل، ومحاولة لإعادة تعريف «الكيف» خارج القالب الجماعي. في هذا السياق، يظهر «المطري» لا كشخص، بل كرمز: حارس الطقس، وشرطيّ الذائقة، وممثّل السلطة اليومية التي لا تحتاج إلى قانون لأنها استقرّت في صورة عادة.

السؤال بوصفه فعلًا سياسيًا

يغدو السؤال: لماذا لا يكون الحليب أحد الخيارات؟ سؤالًا سياسيًا بامتياز؛ سؤال الحرية داخل اليومي، وحقّ الفرد في اختيار طريقته في التكيّف، أو حتى في تخفيف أذاه، خارج الإملاء الجمعي. والنشوة التي «تتسلّل إلى المزاج» ليست نشوة طعم فحسب، بل نشوة خروجٍ مؤقت من الطابور.

المنبر وازدواجية الخطاب

أما حكاية الإمام الذي يذمّ «البيرة» ويشتهيها، فليست نكتة عابرة، بل صورة مكثّفة لازدواجية الخطاب السلطوي، الديني أو السياسي معًا؛ حيث يُدان الشيء خطابًا ويُشتهى سرًّا، ويُحرَّم على الناس ما تميل إليه الجوارح في الخفاء. هكذا تُدار المجتمعات: بالتحريم العلني، والرغبة المؤجّلة، وبمدّ الكلمة بدل مدّ الفعل.

التلطيف بدل العلاج

وبهذا المعنى، يفضح النص كيف يتحوّل القات – كما غيره – إلى آلية تخدير وتسكين، وكيف يحاول الفرد، بوسائل بسيطة أو شاعرية، أن يخترع لنفسه «ترياقًا» داخل منظومة لا تسمح بالعلاج الجذري، بل بالتلطيف وحده

الكاتب في مرآة نصّه

شاعرية الذات

الكاتب الرائي

من هو هذا الكاتب؟ 

إنّه «رائي» يمتلك عينًا مجهرية تلتقط ما يفلت من انتباه العابرين. لا ينجذب إلى الحدث الصاخب، بل إلى التفاصيل الصغيرة التي تُخفي المعنى الأكبر. يقيم في منطقة وسطى، أشبه ببرزخ، بين واقعٍ صلبٍ لا يرحم، وخيالٍ جامحٍ يمنح الأشياء فرصةً ثانية للحياة.

الأرستقراطي الوجداني

يبدو الكاتب «أرستقراطيًا وجدانيًا» بالمعنى الروحي لا الطبقي؛ يبحث عن الفخامة في أبسط المكوّنات، ويُحسن تحويل اليوميّ العادي إلى مشهدٍ رحب. إنّه يلتقط من الحليب طراوته، ومن القات مرارته، ثم يعيد تركيب المشهد في صورةٍ تتجاوز مادّتها إلى إحساسها.

الشكّ بوصفه صدقًا

لا ينخدع الكاتب بفتنة خياله كليًّا. عباراته من قبيل «كنتُ أُقنع نفسي» و«كنتُ أزعم» تكشف عن وعيٍ نقديٍّ يراقب ذاته وهي تبرّر وتتوهم. هذا الشكّ ليس ضعفًا، بل شجاعة نادرة في الاعتراف بالهشاشة الإنسانية، وبالحاجة إلى مسوّغات عقلية تحمي لذّة روحية مؤقتة.

السخرية النبيلة

يختار الكاتب السخرية طريقًا، لا للجلد ولا للإدانة، بل للفهم. لا يسخر من الإمام بقدر ما يبتسم لضعفه الإنساني، مدركًا أنّ الجميع، في النهاية، محاصرون بحرارة الأربعين، يبحثون عن «بااااردة» تُطفئ عطش الجسد وجفاف الروح. هنا تتحوّل الطرافة إلى مرآة أخلاقية هادئة. 

العصيان الهادئ

لا يثور الكاتب صاخبًا، بل يجرّب. لا يرفع شعارًا، بل يرفع كوب حليب. عصيانه همسٌ ذكيّ، ومراوغة رقيقة داخل الطقس اليومي، لا صدامًا مباشرًا معه. إنّه تمرّد بلا ضجيج، لكنه مشحون بالدلالة.

الكتابة من الداخل

يكتب أحمد سيف حاشد من داخل التجربة، لا من خارجها. لا يتعالى، ولا يتبرّأ، ولا يشيطن. إنّه داخل المقيل، داخل المزاج، داخل التناقض، يراقب نفسه وهي تبرّر، ويبتسم لضعفه بدل أن ينكره. لذلك لا يبدو النص وعظيًا أو إصلاحيًا، بل إنسانيًا حتى الوجع.

وحين يسمّي الحليب «إكسيرًا وتِرياقًا»، فهو لا يدّعي خلاصًا، بل يعترف بحاجته إلى وهمٍ جميل يخفّف وطأة واقعٍ قاسٍ، ويمنح الروح هدنة قصيرة قبل عودتها إلى المرارة.

خلاصة قصيرة

 • كاتب رائي لا خطابي

 • إنساني لا متعالٍ

 • ساخر دون قسوة

 • ناقد من الداخل لا من المنبر

 • يحوّل الهشاشة إلى طاقة كتابة

القراءة الجمالية

هندسة التضاد 

يُبنى النص على هندسةٍ دقيقة من التضادّات التي تتقابل دون أن تتنافر: المرارة في مواجهة الحليب، الهجير في مقابل البرودة، والمنبر في صراعٍ خفيّ مع الرغبة. هذه الثنائيات لا تُستخدم للزينة البلاغية، بل لتوليد المعنى من الاحتكاك، حيث تنبثق الفكرة من التوتر بين طرفين لا يلتقيان إلا في اللغة.

اللغة بوصفها مختبرًا

لغة الكاتب أقرب إلى لغة كيميائية روحية؛ مفردات مثل «التفكيك»، «الترياق»، «الإكسير»، و«الامتصاص» تُحيل النص إلى مختبرٍ معنوي، تُعاد فيه معالجة التجربة لا لتغييرها، بل لتنقيتها من فائض قسوتها. هنا تتحوّل الكتابة إلى عملية تقطير، يُصفّى فيها الشعور من شوائب الواقع.

 المدّ بوصفه تنفّسًا لغويًا

مدّ الكلمة في «بااااااااردة» ليس تفصيلًا صوتيًا عابرًا، بل تنهيدة لغوية مكتملة، تختصر عطشًا بشريًا طويلًا، وتجعل القارئ يتأرجح بين الحرمان والارتواء في لحظة واحدة. الصوت هنا يحمل ما تعجز الجملة عن قوله.

مفارقة الجمال الهادئ

تتجلّى قوة النص في مفارقته الصامتة:

 • القات مرّ… لكن يُروَّض

 • العادة قاسية… لكن يُتحايَل عليها

 • السلطة حاضرة… لكن تُسخَر

 • السعادة مؤقّتة… لكنها صادقة في لحظتها

هذه المفارقة لا تصرخ، بل تهمس، وتمنح النص عمقه الإنساني دون ادّعاء خلاص.

اللغة على الحافة

تمشي اللغة على خيطٍ رفيع بين الشعر والسرد، بين الاعتراف والنكتة، بين الحسّ والفكرة. لا تسعى إلى حلٍّ نهائي، ولا تبشّر بخلاص، بل تكتفي بمنح القارئ استراحة ذكية داخل العطب—وهو أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة في زمن الإرهاق.

خلاصة جمالية

 • لغة مشدودة بلا تكلّف

 • صور تنبع من التضاد لا من الزينة

 • مفارقة هادئة لا تهتف ولا تُدين

 • كتابة تُقطّر الإحساس بدل أن تفيض به

الخاتمة

هذا النص شطحةُ وعيٍ هادئة، ينتهي فيها الكاتب إلى إدراكٍ بسيط وعميق: السعادة لا تكمن في القات، ولا في الحليب، ولا حتى في تلك «البيرة» المؤجَّلة على المنبر، بل في اللحظة التي يبلغ فيها الخيال ذروته، حين يخفّف عن الروح ثقل الأرض، ويمنحها قدرةً مؤقتة على التحليق.

إنه نصّ يُقرأ بالذائقة قبل البصر، ويُلامس القلب قبل أن يُقنع العقل. لا يعد بالخلاص، ولا يبيع الوهم، لكنه يقترح هدنةً قصيرة مع الواقع، ويصوغ من الهشاشة معنى، ومن التناقض مساحة للفهم.

خلاصة مكثّفة

هذا النص:

 • ليس عن القات، بل عن الاختيار تحت الضغط

 • وليس عن الحليب، بل عن حقّ التجريب

 • وليس عن المزاج، بل عن السياسة حين تسكن التفاصيل

 • ويكشف كاتبًا ناقدًا من الداخل، إنسانيًا، ساخرًا، يدرك أن الترياق لا يشفي دائمًا، لكنه يجعل الألم أقلّ فظاظة

إنه نصّ عن الحرية حين تبدأ صغيرة،

في كوب حليب… داخل مقيل

نص “قات بالحليب” 

أحمد سيف حاشد

كنتُ أحاولُ في مستهلّ عهدي بالقات أن أُخفِّفَ من حدّةِ طعمه المرّ؛ بالشاي تارةً، وبالقهوة «المَزغُولة» تارةً أخرى، استرضاءً وملاطفة. ثم انتقلتُ إلى النعناع الأبيض و«سُكَّرِ النَّبات»، فلم أجد فيهما ما يكفي لانسجامٍ يدوم. فمضيتُ إلى «الشَّارك» و«الرِّيدبول» و«البِبسي» وسائرِ مشروبات الطاقة والغازية، في عولمةِ مقيلٍ لا يُحتمل.

وذاتَ جلسةٍ في ذروةِ الكيف والمزاج، لمعت فكرةٌ في سؤال: لِمَ لا أُجرِّبُ الحليب؟ فهو أبرأُ للصحة وأنفعُ للبدن، فيما سواه معلولٌ وضارّ. ولعلّ طعمَ الحليبِ مع القاتِ أطيب، وفيه سرٌّ لطراوةٍ تجمع بين كيفٍ وسلطان، وتسكب في النفس نكهةً لا تشبه سواها.

واستطردتُ في السؤال: لماذا لا يكون الحليب أحد الخيارات المتاحة؟ ولِمَ لا ندعه يقول في القات كلمته؟ فالحليب أصحُّ وأطيبُ من كلّ ما سلف من جيوش الطاقة، ولو جرّبه البعض لربّما مالوا إلى مذاقه، وعمّموا فكرته، واستلذّوا حضرته. و«طز» بصديقي «المطري» الذي يُحمّلني دومًا ما لا أطيق، ويُخيّرني بين أبيض وأسود أو بين رجسٍ ووحي، ويريدنا قسرًا أن ننهل من منهله، ويستبدّ بنا في مَقيله وقِيلته!

ومضيتُ أُحدّث نفسي: لا بأس بما عزمتُ عليه، ولن أُعير بالًا لمن يحاول فرض وصايته وهواه على ما أبتغيه. ففي التمرّد لذّةٌ تكسر رتابةً ممتدّة، وتطرد مللًا لا يغادر. وطالما أنّي أجد في الحليب مذاقًا أستسيغه، فما الذي يمنعني من خوض التجربة؟ ولماذا أحرم نفسي من متعة الاكتشاف؟

وفي غمرةِ هذا التجريب، خُيِّلَ إليّ أنّ ثمّة سرًّا كتومًا وودًّا خفيًّا يجمع القاتَ بالحليب. شعرتُ بالفخامة تتسرّب إلى نفسي، وبنشوة تتسلّل إلى المزاج، وأنا أتذوّقهما ببطءٍ وأناة، كأنني أُحلّق بهما معًا في فضاءاتٍ رحيبة، وخيالٍ طليق.

تذكّرتُ حينها تلك الحكاية المنسوبة إلى أحد الأئمّة، وهو يخطب يوم الجمعة من على المنبر، يذمّ «البيرة» ويشتهيها في آنٍ معًا، ثم لا يلبث أن يفضحه اللسان، وهو يمدّ الكلمة مدًّا و اشتهاءً: «بيرة بااااااااردة»، حتى كادت حباله الصوتية تطاول المدى، فيما كانت درجة الحرارة قد بلغت الأربعين.

أدركتُ، عندها، أنّ السعادة كانت في أوجِ تجلّياتها، وأنّ شطحَ الخيال قد بلغ ذروته.

كان الحليب يهب القات نكهةً مستحبّة؛ فبقدر ما يمنحه تماسكًا في الفم ونكهةً مرغوبة، كان يُفكّك مرارته المقذعة، ويحوّلها إلى طعمٍ مستساغ، كأن الحليب غدا للقات إكسيرًا وتِرياقًا.

وكنتُ أُقنع نفسي بأن للحليب ليس فقط قدرةً على التخفيف من مرارة القات، بل كنتُ أزعم أيضا أن له قدرةً على تحييد بعض أذاه، أو التقليل من مفعول السموم العالقة به في معدةٍ مهدَّدة بتحمّل النتائج، فضلًا عمّا يُنسب إليه من غنى بالكالسيوم، وحمايةٍ للأسنان من التسوّس والشعور بالشبع.

***

زر الذهاب إلى الأعلى