نبيل الفودعي .. أركيولوجيا لهجات اليمن القديمة

يمنات
محمد المخلافي
ذات يوم كنا في مقيل الأستاذ فيصل سعيد فارع، وكان في الجهة المقابلة يجلس رجل في منتصف الخمسينات يتحدث عن اللهجات اليمنية القديمة بأسلوب مختلف، ينم عن معرفة واسعة ودراية عميقة.
كان يذكر الكلمة ويعيدها إلى أصلها الحميري، ثم يشرح معناها ويوضح فروعها، ويستدل أحيانا بالقرآن الكريم و احيانا بالمعاجم العربية، ويوضح دلالات الحروف وما تحمله من إشارات ومعان.
كان المجلس مزدحما، فسألتُ صديقي: من هذا الرجل؟ فقال إنه الأستاذ نبيل محمد الفودعي، باحث في اللهجات اليمنية القديمة.
تكرر اللقاء أكثر من مرة في المكان نفسه، وكان في كل مرة يثري المجلس كعادته. وفي أحد المرات جلست إلى جواره وبدأت الحديث معه، لأجد أمامي باحثا واسع الاطلاع، حاضر الذهن، يمتلك معرفة حقيقية باللهجات اليمنية وتاريخها، ويجيب عن الأسئلة والاستفسارات بثقة نابعة من معايشة طويلة وبحث ميداني مباشر، لا من مجرد نقل أو تكرار.
وأخبرني أنه أصدر كتابه الأول بعنوان (المندثر من لهجات اليمن والمعافر) بجهد ذاتي، دون أن يتلقى دعما من أي جهة. وتحدث عن سنوات طويلة قضاها متنقلا بين مناطق يمنية مختلفة، يجمع المفردات من أفواه الناس، ويتتبع ما تبقى من اللهجات القديمة.
وأوضح أن كتابه الأول (المندثر من لهجات اليمن والمعافر) ليس سوى جزء من مشروع أكبر، إذ ما يزال لديه رصيد لغوي ضخم يضم ما يقارب عشرين ألف مفردة جمعها ووثقها على امتداد سنوات طويلة من البحث، لكنه بحاجة إلى دعم ليظهر إلى النور.
طلبت منه أن أكتب عرضا عن كتابه، فرحب بذلك وأهداني نسخة منه. قرأت الكتاب وكتبت عنه عرضا يعكس محتواه، ثم نشر في عدد من المواقع الصحفية. ومنذ ذلك الوقت أصبحنا نلتقي بشكل متكرر في أماكن مختلفة، وبدأت أرصد منه بعض هذه المفردات، جمعت لكم منها ما يلي:
يُقال: فلان يتقمّح، وخاصة عندما يكون يعاني من ضائقة مالية، وفي التنزيل: (فهم مقمحون).
نقول: فلان يتوجش من فلان، بمعنى أنه يخاف منه كثيرا حتى يبلغ حد الرعب، وفي التنزيل: (فأوجس منهم خيفة). ويقال: فلان وجش فلانا، بمعنى ضربه ضربا مبرحا، وهي مشتقة من (يتوجّش). ويُذكر أن هذا النوع من الفروق يُقارن أحيانًا بين العربية والعبرية، حيث يُقال إن السين في العربية قد تُقابلها الشين في العبرية والعكس.
ويقال: فلان بجش الكيس، بمعنى فتحه لإخراج ما بداخله. والبَجْس والبَجْش بمعنى متقارب، ويُربط هذا أيضا بفكرة التبادل الصوتي بين العربية والعبرية. فنقول مثلًا: (رأس) وفي بعض اللغات السامية المقارنة (راشي)، ويُستشهد بقوله تعالى: (فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا) أي انفتحت وانفجرت.
ويقال: البقرة تَنهار، بمعنى أنها تصرخ من شدة الجوع، وفي التنزيل: (وأما السائل فلا تنهر) أي لا ترفع صوتك عليه ولا تزجره.
ويقال: فلان قهرنا، بمعنى سبب لي ألمًا نفسيًا وظلمًا، وفي التنزيل: (وأما اليتيم فلا تقهر).
ونقول للأنثى فاترة الطرف، التي تمشي وكأنها مغمضة العينين، إنها ساجي الطرف، ويكون ذلك عادة من الدلال والغنج، وهو مستحب في المرأة. قال الشاعر:
(بفتور عين وما بها رمد .. وبها تداوى الأعين الرمد)
وفي التنزيل: (والليل إذا سجى) أي سكن وغطّى بظلامه.
ويقال للعامل في مجال البناء أو ما شابهه: شاقي، وفي التنزيل: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى).
ونقول: فلان ردي، وليس (رديء) بمعنى الرداءة، بل من (الردي)، وفي التنزيل: (وما يغني عنه ماله إذا تردّى.
ونسمّي الطريق الواضح والمرتفع نسبيًا: نجد، وفي التنزيل: (وهديناه النجدين) أي الطريقين الواضحين.
ويُقال: هذا الشيء اعتقر، بمعنى أصبح غير صالح، وفي التنزيل: (وكانت امرأتي عاقرا). ويُقال: فلان ترك أرضه عقار، بمعنى أنها لا تُزرع، ومنها جاءت كلمة عقارات التي كانت تعني الأراضي غير المزروعة ثم تطورت دلاليًا فأصبحت تُبنى عليها الأبراج السكنية. ويُقال: الكلب العقور هو الذي يتلف البهيمة ولا يُستفاد منه، قال تعالى: (فكذبوه فعقروها).
وفي الختام، فإن الباحث نبيل الفودعي يمتلك ثروة لغوية كبيرة ومخزونا معرفيا غنيا، ويستحق أن يعتنى بجهده ويخرج إلى النور، لما فيه من قيمة في حفظ جانب مهم من التراث اللغوي اليمني وربطه بجذوره القديمة. ورغم الظروف الصعبة وقلة الإمكانات، فقد استطاع أن ينجز هذا العمل بجهد فردي خالص، دون دعم مؤسسي يذكر.
وهذا المشروع اللغوي تحول لديه إلى شغف يومي، يطوره باستمرار ويعمل عليه بشكل متواصل، وهو جهد يحتاج إلى دعم حقيقي يساهم في إخراجه بالصورة التي تليق به.