حاشد.. شاهد على عصرٍ تلاشت فيه القيم

يمنات
شراع نشوان
ثمة رجالٌ لا يشيخون، لأن أرواحهم ظلت عالقةً في عنفوان الموقف، تماماً كما فعل “أحمد سيف حاشد”. ذلك النائب الذي لم يكتفِ بتمثيل الأمة تحت قبة البرلمان، بل استحال هو ذاته قضيةً تجسد صراع الحق ضد أطياف العبث. لقد ربط مصيره بكرسيٍّ لم يكن يوماً للراحة، بل كان منبرًا للمواجهة، وميدانًا مفتوحًا لا يعرف المواربة أو المساومة.
اليوم، يواجه حاشد معركةً من نوع آخر؛ معركةٌ مع الجسد الذي أنهكه النضال، ومع الضمير الإنساني الجمعي الذي أصيب بالشلل أمام معاناته. إنه يقف اليوم، في قلب القاهرة، يطرق أبواب العلاج باحثاً عن دواءٍ استكثرته عليه سلطاتٌ لا تعرف الرحمة، ليعري بهذا البحث “سلطات الاستبداد” التي لم تكتفِ بمصادرة الأرض والشجر والحجر، بل امتدت يدها الباردة لتصادر حق الإنسان في الحياة، مُعاقبةً إياه على صوته الذي لا ينكسر.
إنها مفارقةٌ تثير الغثيان: كيف تستولي سلطةٌ على مقدرات شعبٍ بأكمله، وتتكاثر ثروات قطيعها من دماء الأبرياء، بينما يقف الجميع متفرجاً –بل ومتواطئاً– أمام صمتٍ مطبقٍ على احتياج رجلٍ وهب حياته للعدالة، حتى اضطر لرحلة البحث عن الشفاء في غياهب الغربة؟
هذا التخاذل ليس مجرد إهمالٍ طبي، بل هو فعلٌ سياسيٌ مقصود؛ محاولةٌ أخيرة لكسر الإرادة التي فشلت رصاصات التهديد ووعيد الاستبداد في كسرها.
أحمد سيف حاشد، الذي لم يعرف الخوف من الموت يوماً، يواجه اليوم خذلاناً يتجاوز في مرارته وطأة المرض. لقد كشف بمرضه وبحثه عن الدواء زيف الادعاءات، وأسقط ورقة التوت عن “عالمٍ” يدعي الرقي بينما يغض الطرف عن بطلٍ يذوي أمام أعين الجميع.
إن الصمت تجاه حالته هو إدانةٌ لكل من يمتلك القرار، وتذكيرٌ صارخ بأن الاستبداد لا يكتفي بالقمع، بل يمتد ليجعل من الألم ومن رحلة التداوي أداةً للترويع والخذلان.
سيبقى حاشد شاهداً على عصرٍ تلاشت فيه القيم، صامداً حتى وهو يتنقل في مسارات الألم بالقاهرة، لا يطلب صدقةً ولا منّة، بل يضع العالم بأسره أمام مرآته المهشمة، ليرى الجميع قبح هذا الواقع الذي يُترك فيه الشرفاء للموت، بينما يتربع المستبدون على عروش الخراب.