العيد في اليمن ليس يوم فرح… بل وجعٌ يتزيّن بثوب عيد

يمنات

أ. د عبد الله غالب المعمري

العيد في اليمن يمرّ كطيفٍ خفيف على قلوبٍ أثقلها التعب، كأنه يطرق الأبواب بخجلٍ، ثم يمضي حين لا يجد ما يكفي من الفرح ليقيم. في الأزقة الضيقة للقريه وعلى شوارع المدينه تمشي الخطى بطيئة، كأنها تعرف أن البهجة هنا لازالت مؤجلة. الأطفال يركضون… نعم، لكن ضحكاتهم تحمل شيئاً من الانكسار ، كقصيده ناقصةٍ تبحث عن بقيتها. ينظرون إلى السماء أكثر مما ينظرون إلى أيديهم الفارغة، كأنهم يدركون بالفطرة أن ما ينقصهم ليس لعبة وقطعه شوكولاته ، بل وطنٌ كامل من الطمأنينة والسعادة.

إن العيد في اليمن صراع صامت بين مخالب العجز المالي التي تُثقل كاهل الكبار، وأحلام الصغار التي ترفض أن تُذبح.

الأمهات في الداخل يشعلن ناراً صغيرة، لا لطهي الطعام فقط، بل لإخفاء برد العجز القارص يخبزن الصبر مع الدقيق، يعجننّ الدقيق بدموعٍ خفيّة ، في مطابخهنّ الصغيرة، تتحوّل القلّة إلى بركة، ويتحوّل التعب إلى حُب ، كأنهنّ يُمارسن طقساً صوفياً لا يُرى… لكنه يُنقذ البيوت من السقوط في عقر الحزن.
ويقدّمن لأطفالهن عيداً من الدعاء، لا من الوفرة ، يبتسمن… لا لأنهن بخير، بل لأن الحزن حين يُرى في عيونهن قد يكسر شيئاً في قلوب الصغار.

والآباء… أولئك الذين يقفون على حافة الصمت، يحملون في جيوبهم فراغاً، وفي صدورهم ضجيجاً لا يُقال كمن يحاول أن يملأ بحراً بكفّيه. يمرّ العيد عليهم كغصه كبيره وكمرآه قاسيه، يرون فيها ما عجزوا عن منحه، وما تمنّوا لو كان ممكناً ومع ذلك يعيدون ترتيب الأولويات بحيث “نؤجّل كل شيء… إلا فرحة الأطفال”

في بيوتٍ كثيرة، يُعاد تعريف العيد: ليس بما نملك، بل بما نستطيع أن نمنحه من دفء ، من حضور ، من حُبٍّ لا تشتريه عربده الأسواق.

في اليمن، العيد ليس يوماً… بل حالةُ مقاومة روحية هو لحظةٌ يلتقي فيها الحزن بالله، فيصير أقلّ قسوة وأكثر احتمالًا. هو إصرار لأن نقول للحياة: ما زلنا هنا رغم كل ما كُسر فينا. أنها فعلاً مقاومه تركض حافية، لكنها تضحك بلا سببٍ كافٍ، لكنها تملأ المكان سعاده في أرضٍ نسيت كيف تفرح.
نعم هناك في اليمن الذي سيبقى سعيداً شيءٌ لا يُقهر شيءٌ يشبه النور حين يولد من العتمة إنها أحلام الصغار… تلك التي لا تفهم الفقر، والعجز ومافعلته عبثية الحرب والسياسة.

العيد في اليمن ليس فرحاً كاملاً… ولا حزناً خالصاً، بل هو دعاءٌ معلّق بين الأرض والسماء، يهمس:
“لعلّ العيد القادم… يأتي وفي صدره قلبٌ أقل تعباً ، أقل بؤساً”. 

عن صحيفة الثوري

Related Posts

إسطنبول التي لم أزرها بعد

يمنات محمد المخلافي تقف تركيا اليوم كقوة إقليمية وجسر حضاري يربط بين الشرق والغرب، جامعةً بين مجد الماضي وتطلّع المستقبل. أحب تركيا، وأعشق جمال طبيعتها، مدنها وريفها، وثقافة أهلها وتفاصيل…

جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

يمنات حميد عقبي منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، اتسعت دوائر الهجرة واللجوء، وتوزع اليمنيون على بلدان كثيرة، بينها دول أوروبية لم تكن تضم جاليات يمنية كبيرة من قبل. ومع…

You Missed

هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء

العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء