أدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

وحشة تُروى بهدوء في (وحشة النهار) لخالد اليوسف

يمنات

محمد المخلافي

قبل فترة كتبت قراءة نقدية عن رواية (وديان الأبريزي) للكاتب والروائي السعودي خالد اليوسف، وكان أكثر ما شدني فيها طريقة سرده للأحداث، إذ يجعلك تمشي معه خطوة خطوة، ويمنحك مساحة لملاحظة التفاصيل الجانبية حتى النهاية.

يتجنب المبالغة في صناعة المفاجآت، ويميل بدلًا من ذلك إلى بناء أجواء سردية هادئة تتسلل إلى القارئ تدريجيا.

وهذا ما جعلني أعود إلى عالمه الروائي لأتتبع هذا النهج السردي الهادئ، فكتابته تراهن على الأثر الذي يتركه النص مع الوقت، لا على الإدهاش العابر، مما يمنح التجربة السردية عمقا يتكشف شيئا فشيئا.

هذه المرة وقعت عيني على رواية (وحشة النهار) الصادرة عن دار الانتشار العربي ببيروت عام 2013، والتي تقع في 160 صفحة من القطع المتوسط، وقد جذبني العنوان منذ اللحظة الأولى بما يخلقه من التباس نفسي.

فالوحشة في العادة تحيل إلى الليل والعتمة والأماكن الخالية، لكن إسنادها إلى النهار يضفي عليها دلالة مختلفة. هنا لا يبدو النهار فضاء للراحة أو الوضوح، بل يحمل في داخله قدرا من القلق الخفي. ومن هذه المفارقة البسيطة تبدأ الرواية في بناء عالمها، إذ يدخل القارئ إلى أجوائها منذ الصفحات الأولى دون مقدمات طويلة، ويجد نفسه منخرطا في الحالة التي يصنعها النص.

هذا الدخول المباشر يوضح ملامح التجربة منذ البداية؛ الرواية لا تهتم كثيرا بتعقيد الأحداث أو صنع مفاجآت، بقدر ما تركز على حالة إنسانية ثقيلة تتكون تدريجيا. حالة فيها جوع وحر ووحدة، ومعها شعور مستمر بالاختناق، بشكل خفيف لكنه لا يختفي.

(سهيل)، الشخصية الرئيسية، يظهر أكثر كإنسان عالق داخل هذه الظروف من كونه بطل يقود الحكاية، أزمته ممتدة وكأنها تتآكل بهدوء، بلا صراخ، فقط تستمر مع الوقت.

في الرواية، لا يظهر (الجوع) كحالة عابرة، بل كشيء يفرض حضوره على طريقة رؤية الشخصيات لما حولها. أثره لا يقتصر على الجسد فقط، بل يمتد إلى التفكير وإلى الإحساس بالمكان أيضا.

(داخل البيت)، الأشياء تبدو عادية في ظاهرها، لكن فيه شعور بثقل يرافقها: السرير، الجدران، الروائح، وحتى الفراغ. كأن المكان لم يعد مساحة للراحة بقدر ما أصبح جزء من تعب الشخصيات نفسها.

وحتى (حرارة الصيف) لا تظهر هنا كعنصر طبيعي محايد، بل كجزء من هذا الضغط الذي يحيط بالشخصيات. النهار لا يمنح وضوحا كما يُفترض، بل يزيد الإحساس بالثقل، وكأن الضوء نفسه يتحول من وسيلة للكشف إلى شيء يضيف مزيدًا من الإرهاق.

ربما هنا تتضح فكرة (الوحشة) في العنوان؛ فهي لا تظهر في الليل كما قد يُتوقع، بل في النهار، حين يكون كل شيء واضحًا لكنه لا يبعث على الطمأنينة. كذلك تمر فكرة (الوصية) بهدوء، لا كحدث مباشر، بل كإحساس بأن الحياة تمضي ببطء نحو نهايتها، من دون تغيّر واضح.

بعد هذا المدخل تبدأ الرواية بالانتقال إلى الذاكرة والطفولة. الإيقاع هنا يخف قليلا. تظهر الأم بشكل مختلف عن باقي الشخصيات، فيها شيء من الدفء، لكنها لم تُقدَّم كصورة مثالية، بل أقرب إلى ذكرى أكثر من كونها حضور حي داخل النص.

حين تقول الأم: (والدك لا يحب المدينة أبدًا، ويفضل البراري ومعاناتها على بيته واستقراره) (ص12)، تبدو الجملة بسيطة، لكنها تفتح فكرة أوسع عن علاقة الأب بالمكان. ما يظهر هنا ليس اختيارًا بين المدينة والصحراء بقدر ما هو ارتباط بمكان قاسٍ، لكنه مألوف في النهاية بالنسبة له.

في هذه الأجزاء تظهر الطفولة بشكل أوضح. الورشة، السيارات، المفاتيح، والعمل اليدوي كلها تشكّل وعي الطفل بالعالم، حيث تُفهم الأشياء من خلال التجربة اليومية لا عبر الشرح. وحتى جملة الأب: (هيا تول القيادة، فأنت ذراعي الأيمن!) (ص13)، فيها دفء واضح، لكن هذا العالم يبدو أنه لن يستمر طويلا كما هو.

ويأتي يوم الجمعة هنا كأنه يوم مختلف عن بقية الأيام، إذ يقول الكاتب: (أشعر أن ساعاته ودقائقه لا تشبه ساعات ودقائق الأيام الأخرى) (ص14). لا يرتبط الأمر بالمعنى الديني أو الطقسي فقط، بل بإحساس داخلي يجعل الزمن نفسه غير متساوٍ أحيانًا.

لكن الرواية لا تبقي هذه الصورة في إطارها الهادئ، بل تكسرها بلحظة إنسانية مؤثرة؛ فعندما يواجه الأب أثر ما فعله بعد قتل الأرنب، يقول: (أنا تسببت في يتم أطفالها وحرمانهم من أمهم) (ص20). هذه اللحظة لا تغيّر الموقف فقط، بل تكشف شعورًا مفاجئًا بالذنب، وتفتح زاوية مختلفة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، علاقة فيها توتر ومسؤولية معًا.

في موضوع الهوية والانتماء، تقترب الرواية من سؤال مهم. الهوية هنا لم تأتِ كفكرة جاهزة أو تعريف واضح، بل كشيء يُعاش يوميا وفيه نوع من الارتباك. عندما يُنادى سهيل بعبارة (يا ولد العراقية) (ص28)، تبدو هذه العبارة وكأنها تلمّح إلى شعور غير مستقر في الانتماء.

هذا الاضطراب لا ينفصل عن التحولات التي شهدتها المنطقة مع ظهور خط (التابلاين) والنفط. المكان هنا ليس خلفية للأحداث، بل جزء من التجربة نفسها، يتغير ويؤثر في الشخصيات في الوقت نفسه. فـ(رفحا) وأحياء الشركة والصحراء تتحول إلى فضاء يتغير بسرعة، ولا يمنح الناس وقتا كافيا للفهم أو التكيف. بين عالم قديم بسيط، وعالم جديد فرضه الاقتصاد الحديث، تتشكل هوية معلقة وغير مستقرة.

في المراحل المتقدمة من الرواية، نرى الحي القديم والقراءة والانفصال التدريجي عن المجتمع. يقول الكاتب: (يوحي الحي القديم للشركة بهجران أهله له، ليله كنهاره) (ص80). هذه الجملة لا تصف المكان فقط، بل تعكس إحساسا مستمرا بالفراغ فيه. ومع دخول القراءة إلى حياة سهيل، تبدأ عزلة مختلفة، تفتح له العالم من جهة، لكنها تبعده أكثر عمّن حوله، وكأن المعرفة نفسها تتحول إلى شكل من الانفصال.

من ناحية البنية اللغوية، تعتمد الرواية على أسلوب بسيط وهادئ، لكنه يحمل أكثر مما يبدو. الجمل قصيرة وقريبة من الكلام اليومي، لكنها تنقل إحساسا واضحا دون حاجة إلى تزيين لغوي زائد.

يمتاز السرد بأنه يتبع الشخصية خطوة خطوة، من دون استعجال أو قفزات مفاجئة. يبقى القارئ داخل الإيقاع نفسه، يلاحظ التفاصيل الصغيرة بهدوء: تغير المزاج، أثر المكان، وتدرج الحالة النفسية. هذا البطء ليس ضعفا في البناء، بل جزء من طبيعة التجربة.

في النهاية، تقدم (وحشة النهار) صورة لإنسان يعيش في عالم يبدو مألوفا من الخارج، لكنه من الداخل مفكك وغير مستقر.

الرواية تشتغل على الهوية حين تفقد ثباتها، وعلى المكان حين يتغير، وعلى الإنسان حين يشعر أنه لا ينتمي إلى ما حوله، وكأن كل شيء يتحرك وهو في مكانه.

في هذا كله، لا تقدم الرواية أفكارها بشكل مباشر، ولا تتوقف كثيرا عند شرح ما يحدث، لكنها تترك التفاصيل الصغيرة في حياة سهيل تتحرك لتكشف المعنى. لذلك يأتي أثرها هادئا، لأن الفكرة لا تُقال بشكل صريح، بل تظهر مع متابعة القارئ لما يمر به سهيل داخل التجربة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.