بين “شرعية” المؤسسة وشريعة الغاب: حين يصبح الحق في الحياة وجهة نظر

يمنات
شراع نشوان
في واقعةٍ تكشف بجلاء عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها مؤسساتنا، تلقت لجنة حقوق الإنسان في اتحاد البرلمانيين الدولي من الشرعية، يتضمن مبرراتٍ واهية لحرمان النائب أحمد سيف حاشد من حقه في العلاج، حيث سُوِّغ ذلك بأن “ليس من الممكن التعامل مع أشخاص ما زالوا مرتبطين أو يعملون خارج إطارها المؤسسي”.
إن هذا المنطق -إن جاز لنا تسميته منطقًا- يعكس حالة من الانفصال التام عن الواقع اليمني، بل وعن أبسط قواعد العمل البرلماني الذي من المفترض أن يمثل الشعوب لا أن يسجنها في قوالب الولاءات الضيقة.
أولاً: وهم “الإطار المؤسسي”
لقد جاء رد النائب مفحمًا ومكاشفًا لحقيقة الادعاءات؛ إذ نبّه إلى أن مجلس نواب “الشرعية” لم يعقد طوال أحد عشر عامًا إلا اجتماعين يتيمين: أحدهما في سيئون والآخر في عدن، وفي كِلا الحالين عجز المجلس عن تحقيق النصاب القانوني. فهل يُعقل أن يُحرم إنسان من حقه في الحياة (العلاج) بناءً على معايير “إطار مؤسسي” هو في جوهر حاله معطل ومشلول ومغيب؟ إن التذرع بهذا الإطار ليس سوى غطاءٍ لتعطيل العدالة، وتحويل المؤسسة من حاضنة للمواطنين إلى أداة عقابية لمن يمارس استقلالية موقفه.
ثانيًا: مأساة “المواطن المحاصر”
إن حالة هذا النائب -المشهود له بنزاهته واستقامته- تمثل تجسيدًا صارخًا لمعاناة الإنسان اليمني العالق بين مطرقتين: سلطة في صنعاء تمنعه من الحركة ولا تسمح له بالمغادرة للعلاج إلا بضغوط ووساطات، وسلطة “شرعية” تخلت عن جوهر دورها ككيان وطني من المفترض أن يمثل اليمنيين كافة، بصرف النظر عن خطوطهم السياسية.
لقد أصبح المواطن في قاموس هؤلاء مجرد رقم؛ إن كان في صفهم فهو “شرعي” مستحق للحقوق، وإن كان صاحب رأي مستقل -حتى وإن كانت نزاهته تزين جبين البرلمان- فهو خارج إطار التغطية الإنسانية. أي سلطة هذه التي تُسخّر الحرمان من العلاج كوسيلة ضغط أو عقاب لمن يرفض الانخراط في “قطيع” الانحيازات؟
كلمة ختامية
إن انحيازي ككاتب لهذه القضية هو انحياز للحق في الحياة، وللكرامة الإنسانية التي لا يمكن أن تظل رهينةً لمصالح سلطات أثبتت التجربة عجزها عن حماية من تدّعي تمثيلهم. إننا أمام حالة مرضية لا تكتفي بتمزيق الأرض، بل تهرول لتمزيق النسيج الحقوقي والأخلاقي للمجتمع.
إنني أدعو لجنة حقوق الإنسان في اتحاد البرلمانيين العربي والدولي إلى التوقف عن سماع مبررات الهياكل الشكلية، والنظر بجدية إلى أن “الشرعية” التي تُمارس الإقصاء لا تملك في حقيقة الأمر إلا “شريعة” الحرمان والابتزاز.