المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن: التفاهم الأمريكي الإيراني قد يشكل نقطة تحول في ملف اليمن

يمنات
قدّم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026، إحاطة دورية أمام مجلس الأمن الدولي، ركز فيها على المستجدات السياسية والأمنية والإنسانية في اليمن، معتبراً أن التفاهم المعلن بين الولايات المتحدة وإيران قد يحمل بارقة أمل لتغيير مسار النزاع اليمني المستدام منذ أعوام.
التفاهم الإقليمي ونافذة الفرصة
ورحب المبعوث، في مستهل إحاطته، بالتفاهم بين واشنطن وطهران، معتبراً أنه “يحمل بارقة أمل من المنطقة الأوسع”، مشيراً إلى أن التداعيات الإقليمية على مدى ثلاث سنوات مضت “أسهمت في تعقيد آفاق العملية السياسية، وعمّقت انعدام الثقة بين الأطراف، وأرجأت تقديم التنازلات اللازمة”.
وأعرب عن أمله في أن “يشكل هذا التفاهم نقطة تحول”، مؤكداً مواصلته العمل مع الأطراف لاغتنام هذه اللحظة وإحراز تقدم في الملف اليمني.
الوضع العسكري والأمني
وأوضح المبعوث أن التداعيات العسكرية للنزاع الإقليمي على اليمن ظلّت “محدودة نسبياً”، مشيراً إلى غياب استئناف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، واستمرار الهدوء النسبي الداخلي منذ هدنة 2022. لكنه شدد على أن “النزاع لم يُحل بعد”، محذراً من أن ترسّخ خطوط المواجهة يُسرّع عسكرة المجتمع ويدفع اليمنيين إلى الانضمام للجماعات المسلحة تأميناً للقمة العيش.
وكشف عن عقد مكتبه اجتماعين مؤخراً في إطار لجنة التنسيق العسكري، الأول ضم ممثلين عن قيادة القوات المشتركة للتحالف بقيادة السعودية وأنصار الله، والثاني جمع القوات المشتركة والحكومة اليمنية، لمناقشة الأولويات الأمنية وسبل خفض التصعيد، مع اعتزامه دعوة الأطراف إلى اجتماع ثلاثي للجنة خلال الفترة المقبلة.
الأوضاع الاقتصادية والإنسانية
حذّر المبعوث من تفاقم الضغوط الاقتصادية جراء النزاع الإقليمي، مع ارتفاع تكاليف استيراد الغذاء والوقود وزيادة التضخم، مشيراً إلى احتجاجات شهدتها عدن ومحافظات أخرى بسبب انقطاع الكهرباء في ظل ارتفاع الصيف. وأشاد بالمنحة السعودية البالغة 150 مليون دولار لتوفير وقود محطات الكهرباء، ودعا إلى مواصلة الإصلاحات الاقتصادية لتحسين المعيشة واستعادة الثقة بالمؤسسات.
إنجاز في ملف المحتجزين
وأعلن المبعوث عن توصل الأطراف إلى اتفاق للإفراج عن أكثر من 1,600 محتجز مرتبط بالنزاع، عقب 14 أسبوعاً من مفاوضات في عمّان برعاية الأمم المتحدة، واصفاً إياه بأنه “أكبر اتفاق إفراج منذ اندلاع النزاع”. وأشاد بدور السعودية والأردن وسلطنة عُمان، كما ثمّن جهود فريقه الذي عمل بصبر وخبرة لإنجاز هذا الاتفاق.
احتجاز موظفي الأمم المتحدة
وجدّد المبعوث إدانته لاستمرار احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة تعسفياً لدى أنصار الله، بينهم من تم احتجازهم منذ موجة يونيو 2024، إلى جانب موظفي منظمات غير حكومية ومجتمع مدني وبعثات دبلوماسية. وأكد أن هذه الاحتجازات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتُقيد قدرة الأمم المتحدة على تقديم المساعدة، مطالباً بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، ومشيداً بموقف المجلس الداعم في هذا الشأن.
دعوة لاغتنام الفرصة
واختتم المبعوث إحاطته بالتأكيد على أن “خطر زعزعة الاستقرار سيظل قائماً داخل اليمن وخارجه ما لم تُحل النزاع”، داعياً الأطراف إلى “اغتنام نافذة خفض التصعيد الإقليمي لإحياء عملية سياسية شاملة”، ومجدداً التزام الأمم المتحدة بدعم اليمنيين، وداعياً المجلس إلى “مواصلة موقفه المتماسك وتركيزه المستمر على اليمن”.
نص الإحاطة
السيد الرئيس، أود في البداية أن أتقدم بخالص الاحترام وأطيب التمنيات للشعب اليمني، وللمسلمين في جميع أنحاء العالم، بمناسبة حلول العام الهجري الجديد. كل عام وأنتم بخير.
ويأتي هذا العام حاملاً بارقة أمل من المنطقة الأوسع. وأود أن أضم صوتي إلى الأمين العام في الترحيب بالتفاهم الذي أُعلن عنه بين الولايات المتحدة وإيران.
فعلى مدى ما يقارب ثلاثة أعوام، أسهمت التداعيات الإقليمية في تعقيد آفاق العملية السياسية في اليمن، وعمّقت انعدام الثقة بين الأطراف، وأرجأت الاستعداد لتقديم التنازلات اللازمة. وآمل أن يشكل هذا التفاهم نقطة تحول للمنطقة، وسأواصل العمل مع الأطراف لتشجيعها على اغتنام هذه اللحظة وإحراز تقدم في الملف اليمني.
حتى الآن، ظلّت تداعيات النزاع الإقليمي الأخير على اليمن، من الناحية العسكرية، محدودة نسبياً. فعلى الرغم من التهديدات، لم نشهد استئنافاً للهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، كما أن الهدوء النسبي الذي يسود داخل اليمن منذ هدنة عام 2022 لا يزال صامداً. غير أن النزاع في اليمن لم يُحل بعد، ولم ينتهِ. واليمنيون هم من يدفعون كل يوم ثمن هذا الوضع القائم الذي يكتنفه عدم اليقين. ففي لقاءاتنا مع اليمنيين، نسمع مراراً أن ترسّخ خطوط المواجهة في مختلف أنحاء البلاد يستنزف الموارد، ويعمّق الانقسام، ويُسرّع وتيرة عسكرة المجتمع، بل ويدفع حتى الطلاب والمعلمين إلى الانضمام إلى الجماعات المسلحة كوسيلة لتأمين لقمة العيش.
كما أدى النزاع الإقليمي الأخير إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد اليمني، في ظل اعتماد البلاد الكبير على الواردات وارتباطه الوثيق بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة. مما أدى إلى ارتفاع تكلفة استيراد المواد الغذائية والوقود، وزاد من حدة التضخم الذي يثقل كاهل اليمنيين. وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت عدن وعدد من المحافظات احتجاجات على خلفية انقطاع الكهرباء، في وقت ارتفاع حرارة الصيف. ومن شأن الإصلاحات الاقتصادية، التي توليها الحكومة اليمنية أولوية، أن تسهم في تحسين الظروف المعيشية، وتعزيز الإيرادات العامة، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.
كما تمثل المنحة الأخيرة التي قدمتها المملكة العربية السعودية، والبالغة 150 مليون دولار أمريكي لتوفير الوقود لمحطات توليد الكهرباء، دعماً بالغ الأهمية للمساعدة في معالجة أزمة الكهرباء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
كما أرحب بالجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن وضمان المساءلة بشأن حوادث الاغتيال الأخيرة التي استهدفت شخصيات عامة، والتي تثير قلقاً بالغاً. ويعد هذا الاستثمار في الأمن والاستقرار الاقتصادي أمراً مهماً لتعزيز مسارات الحوار وبناء التوافق، بما في ذلك بشأن القضية الجنوبية.
غير أن الحقيقة الأساسية هي أن القضايا الجوهرية التي تقف وراء معاناة الشعب اليمني لا يمكن معالجتها على نحو مستدام إلا من خلال مفاوضات بين الأطراف وعملية سياسية شاملة تحت رعاية الأمم المتحدة. وقد واصلتُ مناقشة سبل المضي قدماً مع الأطراف، وكذلك مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، في الرياض ومسقط وعمّان وبروكسل، وكذلك هنا في نيويورك ،ورغم صعوبة السياق الإقليمي، نواصل إيجاد مداخل للحوار والمفاوضات.
في الشهر الماضي، اتفقت الأطراف على الإفراج عن أكثر من 1,600 من المحتجزين المرتبطين بالنزاع، عقب أربعة عشر أسبوعاً من المفاوضات التي جرت في عمّان برعاية الأمم المتحدة. ويُعد هذا أكبر اتفاق على عملية إفراج عن محتجزين منذ اندلاع النزاع.
لقد كانت هذه المفاوضات بالغة الصعوبة والتعقيد. فقد كان منسوب الثقة منخفضاً، وتعثرت المفاوضات في أكثر من مناسبة، مما تطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والاستعداد لتقديم التنازلات. وأشيد بالأطراف على مثابرتها في التوصل إلى هذه النتيجة، وأشجعها على إحراز تقدم سريع في تنفيذ عملية الإفراج، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وأعرب عن امتناني بشكل خاص للمملكة العربية السعودية على دورها المحوري في دعم هذه المفاوضات، وللمملكة الأردنية الهاشمية على استضافتها ودعمها للمفاوضات. كما أتوجه بالشكر إلى سلطنة عُمان على استضافتها ودعمها للجولة السابقة من المحادثات في مسقط، والتي مهدت الطريق للتوصل إلى هذا الاتفاق.
وأود أيضاً أن أشيد بفريقي، الذي عمل على مدى أشهر بصبر كبير، وخبرة راسخة، ومثابرة دؤوبة، للتوسط بين الأطراف وصولاً إلى هذه النتيجة. ما يتمتع به الفريق من كفاءة وتفانٍ طويل الأمد في هذا الملف يجسد القيمة الفريدة لوساطة الأمم المتحدة.
أما على المسار العسكري والأمني، فقد عقد مكتبي مؤخراً اجتماعين في إطار لجنة التنسيق العسكري، أحدهما ضم ممثلين عسكريين عن قيادة القوات المشتركة التابعة للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية وأنصار الله، والآخر جمع بين قيادة القوات المشتركة والحكومة اليمنية. وقد أتاحت هذه الاجتماعات تبادل وجهات النظر بشأن الأولويات الأمنية، إلى جانب مناقشة سبل عملية لخفض التصعيد وتحسين قنوات التواصل. واستناداً إلى الالتزام الذي أبدته جميع الأطراف، يعتزم مكتبي دعوة الوفود إلى اجتماع ثلاثي للجنة التنسيق العسكري خلال الفترة المقبلة.
وأخيراً، يمكن لإحراز تقدم على المسار الاقتصادي أن يحقق تحسينات ملموسة في حياة اليمنيين في مختلف أنحاء البلاد. وقد واصل مكتبي إجراء المشاورات والأعمال التحضيرية بشأن مجموعة واسعة من القضايا الاقتصادية التي سيتعين معالجتها في نهاية المطاف من خلال المفاوضات بين الأطراف.
السيد الرئيس، هذه الجهود تسهم في تعزيز الثقة تمهيداً لتحقيق هدفنا الأساسي، والمتمثل في إطلاق عملية سياسية شاملة تضع حداً للنزاع بصورة شاملة. لقد تأخر إطلاق هذه العملية لفترة طويلة جداً، ورغم أن الأطراف تفاوضت بشأن ملفات أخرى، فقد مضت عدة سنوات منذ أن اجتمعت وجهاً لوجه لإجراء محادثات سياسية. وبات من الضروري إيجاد سبيل للمضي قدماً نحو تغيير هذا الواقع، وهو ما سيتطلب من الطرفين إبداء الاستعداد لتقديم التنازلات والانخراط في الحوار بحسن نية.
السيد الرئيس، قبل أن أختتم، لا بد أن أُذكّر بأن ثلاثة وسبعين من موظفي الأمم المتحدة لا يزالون محتجزين تعسفاً لدى أنصار الله، كثير منهم منذ موجة الاحتجازات التي شهدها شهر يونيو/حزيران 2024، والتي تحلّ ذكراها السنوية الثانية هذا الشهر، إلى جانب موظفين من المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية. وقد أكد الأمين العام في بيانه الأخير أن هذه الاحتجازات تشكل انتهاكاً للقانون الدولي، وتتسبب في معاناة عميقة للأسر، كما تقيد قدرة الأمم المتحدة على تقديم المساعدة لملايين المحتاجين. وفي بيانه الصادر في السادس من يونيو/حزيران، أدان هذا المجلس هذه الاحتجازات وطالب بالإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عن المحتجزين. وستواصل الأمم المتحدة بذل كل ما في وسعها للدفع نحو الإفراج عنهم، وأدعو هذا المجلس إلى مواصلة جهوده حتى يستعيد زملاؤنا حريتهم.
السيد الرئيس، في ظل بقاء النزاع في اليمن دون تسوية ،فإن خطر المزيد من زعزعة الاستقرار سيظل قائماً، ليس داخل البلاد فحسب، بل وقد يمتد إلى ما هو أبعد من حدودها إذا ما تجددت التوترات الإقليمية. وعليه، ينبغي على الأطراف أن تغتنم هذه النافذة التي أتاحها خفض التصعيد الإقليمي لإحراز تقدم نحو إحياء عملية سياسية كفيلة بإنهاء النزاع في اليمن على نحو مستدام. وتظل الأمم المتحدة على أهبة الاستعداد وملتزمة بدعم الأطراف والشعب اليمني. كما أدعو هذا المجلس إلى مواصلة موقفه المتماسك وتركيزه المستمر على اليمن، بما يسهم في حث الأطراف على المضي في هذا الاتجاه.
شكراً جزيلاً.