فضاء حر

الجائع ليس صاحب الفيديو وحده!

يمنات

يحيى القحطاني

يا فضيلة العلامة محمد مفتاح، إن الرجل الذي ظهر في الفيديو يشكو الجوع ليس حالة استثنائية، ولا يمثل نفسه فقط، بل هو صوت لملايين اليمنيين الذين أنهكتهم سنوات الحرب والأزمات وانسداد الأفق. فالجوع لم يعد قصة فرد، بل أصبح واقعًا يطرق أبواب معظم الأسر، ويثقل كاهل الموظف والعامل والمتقاعد والعاطل عن العمل على حد سواء.

وليس من الإنصاف تحميل شخص بعينه مسؤولية هذا الواقع المرير، كما أنه ليس من العدل اختزال مأساة شعب كامل في مقطع فيديو عابر. فالمسؤولية الحقيقية تقع على عاتق السلطات والقوى السياسية التي تدير شؤون البلاد وتتحكم بمصير الناس، وكان يفترض بها أن تجعل معيشة المواطن وكرامته وأمنه الغذائي أولوية تتقدم على كل الحسابات الأخرى.

لقد دخل اليمنيون عامهم الخامس من الهدنة الهشة، لكن السلام الموعود لم ينعكس على موائد الجائعين ولا على جيوب الموظفين. فما تزال الرواتب منقطعة أو مجزأة، والبطالة تتسع، والأسعار تحلق بلا سقف، والخدمات تتراجع بصورة مقلقة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن حتى باتت الحياة اليومية معركة بقاء. وهكذا وجد ملايين اليمنيين أنفسهم محاصرين بين جوع يطرق الأبواب وعجزٍ يزداد اتساعًا، في مشهد يلخص حجم المأساة التي يعيشها الشعب منذ سنوات.

وفي المقابل، يتساءل المواطن البسيط: لماذا تستمر صرف المرتبات والمخصصات والمكافآت والحوافز لكبار المسؤولين بمختلف مواقعهم ومسمياتهم، سواء في حكومة الفنادق بالدولار أوالريال السعودي، أو في حكومة صنعاء بالريال اليمني، بينما يعاني الموظفون في مختلف المناطق اليمنية من رواتب منقطعة هناك، أو نصف راتب كل اربعة أشهر هنا، لا تكفي الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟ إن العدالة لا تتجزأ، ولا يمكن إقناع الجائع بالصبر فيما يرى الامتيازات تتكدس لدى قلة، بينما تتآكل حياة الأغلبية تحت وطأة الحرمان.

إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط الأزمة الاقتصادية، بل شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن معاناتهم لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي. فبينما تتسع دائرة التوظيف والمكافآت والامتيازات لفئات محددة هنا وهناك، تُترك الأغلبية لمواجهة الجوع والفقر وغلاء المعيشة بلا سند ولا حماية. والشعوب قد تصبر على الشدائد، لكنها لا تحتمل الإحساس بالتجاهل أو غياب العدالة.

إن اليمنيين لا يريدون خطابات تبرير، ولا تبادلًا للاتهامات بين الأطراف المتصارعة، بل يريدون حلولًا ملموسة تعيد انتظام الرواتب، وتحسن الخدمات، وتوفر فرص العمل، وتحفظ كرامة الإنسان. فالجوع لا يعرف الانتماءات السياسية، والفقر لا يميز بين شمالي وجنوبي، ولا بين شرقي وغربي.

إن صرخة ذلك الرجل الجائع ليست رسالة إلى شخص بعينه، بل هي رسالة إلى جميع أصحاب القرار: أنقذوا ما تبقى من قدرة هذا الشعب على الاحتمال، فكرامة المواطن ليست منحة من أحد، بل واجب على كل سلطة ومسؤول.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.