أقنعة الفضيلة وعورات الرصيف: كيف يقتل زيف السلطة كرامة الإنسان اليمني؟

يمنات
فؤاد محمد
في عمق الزقاق المهمل، حيث لا تصل عدسات الكاميرات المزينة تلميعا للقيادات، وعلى رصيفٍ باردٍ وقاسٍ كقلوب الحكام، تفترش امرأة يمنية الأرض. هي لا تنام؛ هي تنزف كرامة. متشحة بسواد العباءة التي لم تعد تستر عورة جوعها بل تستر عورة مجتمعٍ وسلطة، تلتحف السماء وتتوسد حقيبة قماشية بائسة تختزل كل ما تبقى لها من حطام حياةٍ دمرتها الحرب ونهبها أدعياء القداسة.
هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة لضحية فقر؛ إنها وثيقة إدانة تاريخية، وصرخة حقوقية مزلزلة تلطم وجوه سلطات الأمر الواقع في صنعاء وعدن على حد سواء. إنها المشهد الأخير في مسرحية العبث اليمنية، حيث يموت الإنسان جوعا وكمدا وذلا، بينما يقف “حراس المعبد والفضيلة” على جثته، يلقون خطب الوعظ والإرشاد، ويتبادلون التهاني بفرض “الهوية الإيمانية” أو “القيم الوطنية” الزائفة.
إن هذا المشهد يفضح الهيكل المشوه لمنظومة حكمٍ تعيش على دماء رعاياها، وتصم آذانها بوقاحة عن أنين البطون الخاوية، لترفع عقيرتها بصوتٍ أجش يناقش هندام المرأة، وسفرها بغير محرم، كأنها المشاكل الوحيدة في بلدٍ ينهار.
تشريح النفاق السلطوي.. صنعاء وعدن وجهان لعملة الخذلان
رغم الخنادق السياسية والأيديولوجية التي تفصل ظاهريا بين سلطتي صنعاء وعدن، إلا أنهما يلتقيان في نقطة جوهرية وقحة ومشتركة: ممارسة التسلط المطلق، وتجاهل حقوق الإنسان الأساسية، والهروب من استحقاقات المواطن المعيشية عبر اختلاق معارك أخلاقية وهمية.
1. سلطة صنعاء: “حراسة المعبد” على جماجم الجياع
في الشمال، نصبت سلطة الأمر الواقع نفسها وصيا إلهيا على المجتمع. سخرت ترسانتها الأمنية والإعلامية لملاحقة النساء تحت مسميات “الهوية الإيمانية” و”حماية العِرض”. فرضوا قيودا مشددة تمنع المرأة من التنقل أو السفر بغير “محرم”، وحولوا الشوارع إلى ساحات لمطاردة محلات الملابس بحجة منع العبايات غير المطابقة لمواصفاتهم الضيقة، مضيقين الخناق على مجالات عمل المرأة وحريتها الشخصية.
ولكن، أين تذهب هذه الغيرة “الإيمانية” المصطنعة عندما يتعلق الأمر بكرامة المرأة وحقها الأقدس في العيش الكريم؟.
لماذا تغيب الفضيلة عندما يضطر الجوع آلاف النساء للتسول في شوارع صنعاء، كاسراتٍ حاجز الحياء والخوف بحثا عن كسرة خبز لأطفالهن؟.
أين هي الأخلاق والدين من قطع مرتبات مئات الآلاف من الموظفين لسنوات طويلة أو صرف نصف راتب لا يسمن ولا يغني من جوع، وتحويل لقمة عيش المواطن إلى ورقة ضغط سياسي قذرة، بينما يعيش قادتهم في رغد وتُبنى قصورهم من الجبايات والايرادات؟.
كيف يستقيم ادعاء التدين والورع مع فرض جبالٍ من الجبايات والضرائب الباهظة التي أفقرت التاجر والمستهلك، وحولت حياة المواطن البسيط إلى جحيم لا يطاق؟.
إنها فضيلة انتقائية، فضيلة “تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض”، فضيلة تقمع حرية المرأة وتتركها تموت جوعا على الرصيف.
2. سلطة عدن: شعارات التحرير المنهوب والفساد المستشري
في الجنوب، لا يختلف المشهد عاطفيا ولا حقوقيا، وإن ارتدى قناعا مختلفا. تدعي السلطات هناك الشرعية والتحرير والتطلع لخدمة المواطن، لكن النتيجة على الأرض هي الفشل الخدمي التام، والانفلات الأمني، والانهيار الاقتصادي المتسارع.
– نهب الإيرادات المنظم: تُهدر الموارد العامة وتُنهب مخصصات التنمية لتذهب مباشرة إلى حسابات خاصة وامتيازات باذخة لمسؤولين يقطنون الفنادق الفارهة في العواصم الخارجية، في حين يعاني المواطن في عدن من انقطاع الكهرباء القاتل في صيفٍ لاهب، وانهيار العملة الوطنية إلى مستويات تاريخية كارثية حولت الرواتب (إن وجدت) إلى قصاصات ورق لا قيمة لها.
– تآكل الحقوق والأمن: في غمرة الصراع على النفوذ والموارد، ضاعت حقوق الإنسان الأساسية. غابت سلطة القانون لتلتحق بها سلطة المليشيات المسلحة والمصالح الضيقة، ليُترك المواطن البسيط -مثل المرأة في الصورة- وحيداً، منزوع السلاح والكرامة، يواجه غول الغلاء، والفقر، والجريمة، بينما القادة يتبادلون الاتهامات بالخيانة من على شاشات التلفاز.
معارك الوهم.. شيطنة المرأة كاستراتيجية للهروب إلى الأمام
لطالما كان جسد المرأة وحريتها وحركتها هو الملعب المفضل، والهدف الأسهل للأنظمة الشمولية والفاشية لتثبيت أركان حكمها المهترئ وإظهار “ورعها” الزائف. حين تفشل السلطة في توفير أبسط مقومات الحياة -الأمن، الغذاء، الدواء، والتعليم- فإنها تلجأ فورا، وبشكل غريزي، إلى استدعاء ملف “الأخلاقيات” لتبرير وجودها وخلق معارك وهمية تشغل بها الرأي العام المثقل بالهموم.
– اشتراط “المحرم”:
طعنة في ظهر المرأة المكافحة في بلد ممزق بالحروب، فقدت فيه آلاف العائلات معيلها الوحيد من الرجال، وأصبحت المرأة هي السند الأخير والمعيل لأسرتها، يطل علينا “حرّاس المعبد” في كلا الطرفين بقرارات تطلعات تمنع المرأة من التنقل أو السفر للعمل أو العلاج بغير “محرم”! هذا ليس قرارا تنظيميا؛ بل هو طعنة نجلاء في خاصرة كرامة المرأة اليمنية المكافحة التي تسعى جاهدة لإطعام أطفالها بعرق جبينها. هو إهانة لكل امرأة يمنية تصر على الحياة وترفض التسول، لتقول لها السلطة: “موتك جوعا في بيتك أفضل من خروجك للعمل بغير محرم”.
– شرطة الأخلاق وملاحقة الملبس:
إنه لمن دواعي السخرية الممزوجة بالحزن أن تُجند السلطات طاقاتٍ بشرية ومادية لمراقبة ما ترتديه النساء في الشوارع والجامعات، أو ملاحقة محلات الخياطة، بينما تعجز هذه الأجهزة الأمنية نفسها عن ملاحقة الفاسدين الكبار، وتجار السوق السوداء، وناهبي الأراضي، والمجرمين الذين يغتالون الآمنين عبثا. إنهم يغضون الطرف عن كبار اللصوص الذين ينهبون مليارات الإيرادات، ويستأسدون على امرأة تبيع الخضار لتعيش.
إن الفضيلة الحقيقية يا “حرّاس المعبد” لا تبدأ من هندام المرأة، أو قمع حريتها، أو تفتيش ضميرها؛ بل تبدأ من تأمين لقمة العيش الكريمة لها ولأطفالها، وحمايتها من ذل الحاجة، والوقوف في طوابير المساعدات المهينة، أو النوم ذليلةً على الأرصفة.
الخلاصة..