أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

غصة نائب.. خرابٌ لا بابَ له

يمنات

من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.

السلسلة الثامنة

غصة نائب

(3)

خرابٌ لا بابَ له

أحمد سيف حاشد

أتى عهدٌ جديد، فوجدناه أسوأ من سابقه.. توالت الخيبات وتتابعت، وكلُّ خيبةٍ باتت أكبر من تلك التي كنّا نعيشها من قبل.. كل أغنيات العشق المشبوبة بنار شوق ولهفة باتت غصّاتٍ ذابحة تحتشد كالزجاج في حناجرنا المتعبة.

كانت حناجرنا تنشد عهداً تأملناه، فأدركها أسف وقهر أشدّ.. أمل تلاشى، وخراب لا باب له.. حالٌ تمنّيناه أفضل من سابقه؛ فصعقنا هذا الذي نعيش اليوم عهده، واكتظاظ بؤسه ونحسه.. كلُّ لعناتنا لم تعد تكفي، وكأن الدنيا بما رحبت ضاقت بنا ذرعاً قبل أن نضيق بها.. كل سبل النجاة مسدودة أو مغلقة.

استولى العمى على أعيننا الملتاعة شغفاً وعشقاً اشتعل.. انحسر الضوء الذي كان فوّاراً في شراييننا حتى خمد وانطفأ.. تبددت أحلامنا العراض المترعة بالحب النديّ في عهدٍ باذخٍ بالعنصرية، ووجوهٍ لا تخجل ولا تستحي من خزيها.

عهدٌ فجٌّ وفاقعٌ، فُرض علينا بحديدٍ ونار في غفلةٍ من زمنٍ تثائب، أشدُّ علينا من موتٍ مرَّ على رقابنا. وما أشبهه بما قاله شاعرنا وأديبنا عبدالعزيز المقالح وهو يرثي نفسه ووطنه:
“هذا زمانٌ للتعاسةِ والكآبةْ.
لم يترك الشيطانُ فيهِ
مساحةً للضوء
أو وقتاً لتذكار المحبةِ والصبابةْ”.

اليوم اشتدَّ الظلم واتَّسع، وفاق ما عهدناه؛ فأضحينا فرائسَ لضباعٍ نَهِمة، بطونُها فاغرة لا تشبع ولا تمتلئ.. تتناهشنا أنيابُها، وضراوةٌ مطبقةٌ من كلِّ حدبٍ وصوب.

ظفر بنا حكّامٌ جدد، تَخِموا من جوعنا، وانتفخوا خواءً ونرجسيةً؛ فغدا الوطن في عهدهم شتاتاً مبعثراً في مهبّ العاصفة.. تكاثرت المظالم، وازداد الظلم توغّلاً حتى قال القائل فيه: “لا يأتي الزمن بأحسنه”.

واقعٌ أشدُّ فجاجةً نعيشه؛ ونحتاج إلى ألفِ مبكيةٍ وألفِ معجزةٍ كي نجتمع في وجه هذا التشظّي والشتاتِ الناخرين فينا، ونتحرّر من وطأة الطغيان وربقةِ العبودية الخانقة.

بات المنتصر يمارس أضعاف ما كان يمارسه المهزوم أيام سطوته.. ظلم ثقيل، وانتهاكات فظة، وطغيان تجاوز مداه.. تضييق أشد على حقوقٍ صارت في قبضةٍ من حديد، فيما نحن بين شقي الرحى نطحن كالحبوب.

في الأمس فقدنا كثيراً من الأحبّة، واليوم فقدنا كل شيء.. لم يبق لدينا متاع نحوزه، ولا دموع تُذرف، ولا حتى متسع في القلب لحزنٍ يقيم.. لقد نزفنا العمر حتى أزِف.

بات بعضهم يتعاطف ويتمنّى عودة نباشٍ أفل، في عهدِ نباشٍ أشرّ.. عهدٍ أسوأَ من سابقه ومن أيامنا كلها؛ قمعٌ وثأرٌ وبطش، ووحشية لا تنال فقط من طرفٍ مهزوم، بل تطال شعباً بأكمله.

***

يتبع الحلقة الرابعة
– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.