خمسون عامًا.. أيتها القصة القصيرة!

يمنات
خالد اليوسف*
حينما كتبت قصة: وهم المطر أواخر 1397هـ/ 1977م، ثم نشرها في عام 1398هـ/ 1978م في دورية مدرسية، ثم نشرها في أكثر من موقع ومساحة أدبية آنذاك، لم أتوقع أنها ستستدعي أخواتها الأخريات، وأنها ستكون بداية لطريق طويل وطويل، ومتفرع لطرق أخرى!
ربما تجاوز عدد نصوصي القصصية خلال هذه العقود الخمسة مئة وخمسين قصة قصيرة!
أما العمل والرحلة الموازية لكتابة القصة القصيرة، فهي ترسيخ وجود القصة القصيرة، والعمل من أجل حياتها ومسيرتها ونشاطها وحيويتها المتجددة، وقد بدأت حينما تولد هذا الشعور وأنا أعمل محرراً في المجلة المدرسة: عالم الكتب أواخر عام 1400هـ/ 1980م، بعد أن أنيط بي مع غيري الاعداد لعدد خاص عن القصة القصيرة في السعودية، وهي مرحلة مبكرة لي، وتوالى هذا الاهتمام فيما بعد في مواد المجلة.
ثم طلب مني أستاذي/ حمد القاضي التعاون معه في المجلة العربية لعمل حوارات ولقاءات مع عدد من الكاتبات السعوديات، بعد أن نجحت في ذلك عبر صفحات جريدة الرياض الأدبية والثقافية، فكانت هذه الخطوات تقربني أكثر من كتاب القصة القصيرة والرواية الرواد، فتعرفت عليهم جميعًا.
واستمرت مساهماتي الجماعية في صحفنا اليومية من خلال الملاحق الأدبية الأسبوعية، ثم بعد استلامي العمل مسؤولًا عن ملحق وصفحات الأدب في جريدة المسائية، التي حاولت أن أؤثر القصة القصيرة بمكانة تليق بها، حتى جاء قرار تعييني في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون مسؤولًا عن نادي القصة السعودي، تحت مسمى سكرتير نادي القصة السعودي عام 1407هـ/ 1987م.
وفي نادي القصة السعودي انطلقت للعمل الجماعي بمفردي، وبدأت ببناء قواعد معلوماتية للقصة القصيرة السعودية وكتابها، على الرغم من ضيق حجم موقعي إلا إني انطلقت لتكوين علاقات واسعة مع جميع كتّاب القصة القصيرة السعوديين، ومع جميع كتاب القصة القصيرة العرب، ومع الأندية المماثلة، مثل نادي القصة في القاهرة، ونادي القصة في تونس، ثم بدأت بتكوين ملفات قصصية سعودية لنشرها داخليا عبر دورية النادي الجديدة، وهي جاءت من تحويل كتاب: أذرع الواحات المشمسة، إلى الواحات المشمسة؛ أما في الخارج فقد وصلتني الموافقات من معظم من راسلتهم وفتحت باب الصداقة معهم.
وأحمد الله أني نجحت كثيرًا في نادي القصة السعودي، في مسابقاته السنوية، وفي الأمسيات، وفي الجلسات الأسبوعية، وفي الطباعة والنشر، وفي العلاقات الواسعة داخليًا وخارجيًا، جاءت النتيجة بأكثر من ثلاثين مجموعة قصصية ورواية، وتسعة أعداد من دورية الواحات المشمسة، وعشرات الأمسيات والندوات واللقاءات، وتكوين مركز للمعلومات عن كل قاص سعودي، حتى جاء عام 1422هـ/ 2002م وهو العام الذي غادرت فيه نادي القصة السعودي.
أما أعمالي البحثية والتأليفية، ففي نهاية عام 1410هـ/ 1990م أصدرت أول كتاب ببليوجرافي متخصص بالقصة القصيرة: الراصد، وهو الآن بعد سبع وثلاثين عامًا يعتبر مصدرًا تاريخيًا وأدبيًا وثقافيًا للقصة القصيرة السعودية.
ثم تلاه ملفات كثيرة نُشرت في صحافتنا ودورياتنا متخصصة بالقصة القصيرة، بالإضافة إلى الببيليوجرافيات التي عُنيت بكتّاب القصة القصيرة وأعمالهم، أو بالإنتاج القصصي السعودي والخليجي.
وفي عام 1417هـ/ 1997م التقيت بالدكتور عبدالعزيز السبيل، وأخبرني أنه يخطط لإصدار دورية متخصصة بالقصة القصيرة في الجزيرة العربية، تصدر عن نادي جدة الأدبي الثقافي، وتناقشنا كثيرا حولها وحول الدورية التي أتولى رئاسة تحريرها: الواحات المشمسة، وكيف لي التعاون معه من غير أن تتأثر هذه عند الجديدة؛ ثم خرجت في عام 1418هـ/ 1998م أول أعداد مجلة الراوي، وكنت أتعاون معه بحسب ما أستطيع، حتى جاء عام 1424هـ/ 2003م وهو بعد خروجي من نادي القصة السعودي، حيث ضممت إلى دورية الراوي ضمن طاقمها التحريري، وواصلت التعاون والتحرير معهم إلى أن أصبحت رئيسًا لتحريرها عام 1441هـ/ 2020م، وأصدرت عددًا واحدًا ثم توقفت الدورية إلى هذا اليوم!
ومع بداية انطلاقة الانترنت في المملكة العربية السعودية عام 1417هـ/ 1997م، بدأت لدي الأفكار والطموح للدخول في هذه الشبكة، خاصة أن لدي صديق مهتم جدا في هذا العالم الجديد، وبدأت المحاولات التي تبحث عن الطرق وكيفية الدخول إليه، إلى أسست موقعاً تحت أسم: الراصد متخصصاً بالمكتبات والمعلومات والسرد العربي، ويُعنى بالأخبار والمقالات والبحوث والرسائل الجامعية، يعد من أوائل المواقع المتخصصة في هذا المجال، وقد أنطلق مع بداية 12/4 / 2001، واستمر بنشاطه قوياً متجدداً، متابعاً للحركة الأدبية، والمكتباتية والمعلوماتية ، حتى توقف لعدم التفرغ والمواصلة الفنية.
إن الطموح الكبير الذي نمى في داخلي لإصدار دورية الواحات المشمسة، التي صدر منها تسعة أعداد خاصة بالقصة القصيرة نصوصاً ودراسات، وجميع هذه الأعمال تهتم بالقصة القصيرة المتميزة، قد فتحت لي هذه الخطوات اصدار ملفات خاصة بالقصة القصيرة السعودية في عدد من الدوريات العربية، حتى جاء عام 1427هـ/ 2006م، الذي بدأت فيه الانطلاق للعمل على أكبر كتاب أنطولوجيا خاص بالقصة القصيرة السعودية، وقد صدر هذا الكتاب عام 1430هـ/ 2009م، وتولى نشره وزارة الثقافة والاعلام، وجاء في 864 صفحة، متضمناً أثنين وتسعين ومئة قاص وقاصة، مع نشر سير لهؤلاء الكتاب، ونال الكتاب اهتماماً كبيراً من جميع الأوساط الثقافية في المملكة وخارجها.
وفي عام 1433هـ/ 2012م قررت الاستفادة مرة أخرى من شبكة الفيسبوك لإنشاء صفحات متخصصة بالقصة القصيرة، واعلنت عن اسمها: نادي القصة السعودي، ووضعت شرحًا لهذا الاسم: إنه منبر يخلد نادي القصة السعودي، الذي كان موجودًا في حياتنا الطبيعية، وهاهو يعود عبر شبكة الانترنت العالمية، وقد انطلق ليخدم كتاب القصة القصيرة داخل الوطن وخارجه، وبالفعل أتسعت الدائرة حتى وصل عدد أعضاءه أكثر من ألف وستمائة، ربما كتّاب القصة القصيرة والمهتمين بها نصف هذا العدد، من جميع الدول العربية، وتجاوزت النصوص القصصية المنشورة فيها ثلاثة آلاف قصة قصيرة، بخلاف الأخبار عن الاصدارات الجديدة وغيرها.
وفي عام 1435هـ/ 2014م قدمت مبادرة إقامة ملتقى القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً في الأدب السعودي، الذي نظمه كرسي الأدب السعودي في جامعة الملك سعود بالرياض، حيث كنت عضوا في مجلسه العلمي منذ تأسيسه، وقد انعقد الملتقى في يومين بجلسات علمية مشهودة، وناجحة، وتم اصدار كتاب في مجلدين لجميع البحوث التي قدمت إلى هذا الملتقى.
وفي عام 1437هـ/ 2016م أصدرت الجزء الأول من كتاب مرآة السرد.. وصدى الحكاية: قصص عربية من نادي القصة السعودي، تلاه الجزء الثاني عام 1439هـ/ 2017م، وتلاه الجزء الثالث عام 1439هـ/ 2018م، وهي انطولوجيا عربية لأجمل القصص القصيرة التي نُشرت في هذا النادي.
وفي عام 1438هـ/ 2017م أصدرت عن مجلة الفيصل كتاباً جاء عنوانه: دهشة القص، متخصص بالقصة القصيرة جداً، وهو يجمع بين الأنطولوجيا والببليوجرافيا والتحليل الببلومتري والتاريخي، ثم صدرت طبعته الجديدة المختلفة، تنقيحاً واضافة وزيادة في عام 1442هـ/ 2021م، وتولى اصدارها نادي مكة المكرمة الأدبي الثقافي.
كذلك جاء في هذا العام إصدار عدد من دورية الراوي الذي يحمل الرقم ثلاث وثلاثين، وهو في عرف الأنطولوجيا يمثلها أصدق تمثيل، لأنه كتاب انطولوجيا متخصص بالقصص القصيرة التي كتبت بعد آثار جائحة كورونا، وهو كتاب قصصي عربي نُشر فيه أربعين قصة قصيرة.
ثم في 17 ربيع الأول 1439هـ/ 5 ديسمبر 2017م، تم تكريمي والاحتفال بتجربتي المتخصصة في خدمة القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية في نادي الباحة الأدبي، وكنت من المساهمين في الاعداد والتنظيم لمهرجان القصة القصيرة، الذي انعقد في النادي قبل ذلك بعامين، وكرمت وقتها ضمن عدد كبير من الرواد في مجال القصة القصيرة بالمملكة العربية السعودية.
ثم تم تكريمي والاحتفال بتجربتي الكتابية والبحثية في نادي الباحة الأدبي خلال يومي الاثنين والثلثاء 2 – 3 جمادى الآخرة 1441هـ/ 27 – 28 فبراير 2020م، وطُبع تكريماً لي كتابين: سرديات خالد اليوسف، وخالد اليوسف ذاكرة الوطن الثقافية، واقيمت ندوة كبرى للحديث عن بعض ملامح تجربتي الكتابية والبحثية شارك فيها: الدكتور محمد صالح الشنطي، الدكتور أحمد بهكلي رحمه الله، الدكتور مصطفى الضبع، الأستاذ أحمد الدويحي، الدكتورة خلود الحارثي
وفي عام 1443هـ/ 2021م قدمت مبادرة ملتقى السرد العربي: القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، إلى نادي الحدود الشمالية الأدبي الثقافي في مدينة عرعر، وقد عقد لمدة شهر ونصف عبر برنامج زووم العالمي، بسبب الحظر العالمي من الحضور والاختلاط، لتفشي وباء كورونا، واستضاف الملتقى أكثر من تسعين قاصًا وقاصة، قمت بإدارة جلساته عن بُعد.
ثم في عام 1443هـ/ 2022م صدر كتابي الأحدث: مئة قصة قصيرة من السعودية، وهو انطولوجيا الابداع والجمال والتميز والأرقى في القصة القصيرة السعودية، وهو الجزء الأول.
ثم صدر الجزء الثاني: خمسون قصة قصيرة من السعودية عام 1444هـ/ 2023م.
وفي عام 1444هـ/ 2022م صدر لي الجزء الثاني من: أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، تولى نشره نادي الرياض الأدبي ونادي الباحة الأدبي، جاء الكتاب في 680 صفحة، متضمنًا أربعون ومئة قاص وقاصة، مع نشر سير لهؤلاء الكتاب، ونال الكتاب اهتماماً كبيراً من جميع الأوساط الثقافية في المملكة وخارجها.
بخلاف استمرار الدوريات العربية والمحلية التي ساهمت فيها بتجهيز وإعداد ملفات خاصة بالقصة القصيرة السعودية.
أما في اللغات الأخرى ففي بدايات التسعينيات الميلادية، تعرفت على الدكتور أحمد قطرية أستاذ الأدب الانجليزي بجامعة الملك سعود بالرياض، وكان لديه رغبة كبيرة في ترجمت القصص السعودية، فأعنته على ذلك بمده بالقصص المميزة التي كان يترجمها وينشرها في جريدة رياض ديلي وعرب نيوز، ويذيعها في إذاعة الرياض الأوربية، وعند نهاية التسعينيات الميلادية، أكد لي عن رغبته في إصدار هذه القصص التي تجاوز عددها خمسين قصة قصيرة سعودية باللغة الانجليزية في كتاب مستقل، وبدأنا الخطوات وهي أخذ موافقة الكتّاب أنفسهم، ثم وجدت له ناشراً بالتعاون مع نادي القصة السعودي بالجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، وفجأة أختفى الدكتور بعد إجازة صيف عام 2000م، وعلمت فيما بعد أنه توفي رحمه الله.
بعد صدور كتابي: أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية عام 2009م، التقيت بالدكتور مرتضى سيد عمروف من دولة أوزبكستان، واعلن أمام الجميع في حفل تدشين الكتاب أنه سيقوم باختيار عدداً من نصوص هذا الكتاب، وترجمتها إلى اللغة الروسية، وبالفعل صدر كتابه عام 1436هـ/ 2016م، وقد شارك معه في الترجمة الدكتورة ألكسندرا سيمونوفا، وجاء في 255 صفحة.
أما كتابي: مرآة السرد.. وصدى الحكاية في جزئه الثالث فقد رغبت القاصة والكاتبة المغربية ليلى عبدلاوي بترجمته إلى اللغة الفرنسية كان ذلك عام 2018م، وحتى الآن لم تصدر طبعته باللغة الفرنسية.
أما الكتاب الذي لم يصل إلينا بعد صدوره فهو: قصص قصيرة سعودية باللغة الأوكرانية، حيث كان مشروعاً ثقافيًا بين نادي الرياض الأدبي وجامعة كييف، ورشحت مع أخي الاستاذ عبدالرحمن الجاسر لإعداده وتجهيزه واختيار القصص التي ستصدر فيه، وقد ُطبع ولكن لم يصل إلينا بسبب الحرب.
وقد توالت الترجمات لقصصنا السعودية إلى عدد من اللغات العالمية، التي نشرت في كتبي الكثيرة، ومنها:
كتاب إلى اللغة الأوردية قام عليه الدكتورة لبنى فرح أستاذة في جامعة اللغات الحديثة في باكستان، لاختيار نصوصاً منه وترجمتها إلى اللغة الأوردية، وقد صدر في عام 1444هـ/ 2023م.
كذلك اللغة البوسنية واللغة الكردية واللغة الصينية واللغة الايطالية، وفي الطريق أربع لغات هي الأوزبكية والروسية والتركية والانجليزية.
* قاص وروائي وباحث سعودي