متى تكتب الوصف ومتى تكتب السرد في الرواية؟

يمنات
زكريا نمر
من اكثر الاخطاء التي يقع فيها الكاتب المبتدئ انه يتعامل مع السرد والوصف وكأنهما وصفة جاهزة: نسبة من السرد ونسبة من الوصف، ثم يعتقد انه وصل إلى التوازن المطلوب.الرواية ليست معادلة حسابية.لا توجد نسبة ثابتة تقول إن الرواية الجيدة تحتاج إلى 70 بالمئة سردا و30 بالمئة وصفا، ولا توجد قاعدة تقول إن الرواية التاريخية تحتاج إلى وصف اكثر، او ان رواية المغامرة تحتاج إلى سرد اكثر. هذه النسب قد تكون مفيدة في التدريب، لكنها تصبح مضللة عندما تتحول إلى قانون.السؤال الحقيقي ليس: كم اكتب من السرد والوصف؟.السؤال هو ماذا يحتاج المشهد؟.السرد وظيفته الاساسية نقل الاحداث والحركة والزمن والمعلومات التي تدفع القصة إلى الامام. اما الوصف فوظيفته بناء صورة المكان والشخصية والحالة الحسية والنفسية، ومنح المشهد ملامحه التي تجعله قابلا للتخيل.لكن المشكلة لا تبدأ من وجود السرد او الوصف، بل من استخدامهما من دون ضرورة فنية.السرد الضعيف يتحول إلى تقرير يقول الكاتب ذهب فلان إلى السوق، ثم قابل فلانا، ثم تحدث معه، ثم عاد إلى منزله، وفي اليوم التالي خرج مرة اخرى. القارئ يعرف ما حدث، لكنه لا يعيش الحدث.السرد ينقل المعلومات فقط، ولا يمنح الحدث وزنه الدرامي.لكن هذا لا يعني ان السرد يجب ان يتحول دائما إلى مشاهد طويلة. احيانا تكون جملة واحدة كافية لاختصار سنوات كاملة، وهذا من قوة السرد وليس من ضعفه.
يمكن للكاتب ان يقول مرت عشر سنوات قبل ان يعود إلى المدينة. هذه الجملة قد تكون افضل من عشر صفحات تصف كل ما حدث خلال تلك السنوات اذا لم تكن هناك احداث تستحق ان يراها القارئ السرد الجيد يعرف ماذا يروي وماذا يختصر والوصف يقع في المشكلة نفسها.بعض الكتاب يعتقدون ان الوصف يعني كتابة اكبر عدد ممكن من التفاصيل. فيصفون الغرفة والجدران والاثاث والنافذة والستارة والضوء والارضية، ثم يكتشف القارئ في النهاية ان كل هذه التفاصيل لم تضف شيئا إلى القصة الوصف ليس جردا للاشياء إذا دخلت الشخصية غرفة، ليس مطلوبا منك ان تصف كل ما فيها. اختر التفاصيل التي تكشف شيئا عن المكان او الشخصية او الحالة النفسية او اللحظة الدرامية إذا كانت الغرفة تخص رجلا مهووسا بالترتيب، فترتيب الكتب قد يكون مهما.إذا كانت الشخصية تدخل الغرفة بعد عشرين عاما من الغياب، فقد تكون رائحة المكان اهم من لون الجدار.
إذا كانت تنتظر خبرا سيغير حياتها، فقد تكون الساعة المعلقة على الحائط اهم من شكل الاثاث الوصف يصبح قويا عندما تكون له وظيفة.والمشكلة ليست في كثرة الوصف فقط، بل في الوصف الجميل الذي لا يخدم الرواية. قد يكتب الكاتب فقرة مليئة بالصور والاستعارات، لكنها تبطئ المشهد ولا تضيف شيئا إلى الشخصية او الحدث ليست كل جملة جميلة ضرورية وهنا يجب ان يفهم الكاتب الفرق بين جمال اللغة ووظيفة اللغة السرد يحرك الحدث. الوصف يمنح الحدث مكانه وصورته وحالته السرد يجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ والوصف يجيب عن سؤال: كيف يبدو ما نراه؟ وما الحالة التي يعيشها المكان او الشخصية؟ لكن الاثنين يمكن ان يعملا معا داخل الجملة نفسها.عندما تكتب دخل الرجل الغرفة وجلس على الكرسي الخشبي الذي كان يحتفظ به منذ وفاة والده، فأنت تستخدم السرد في فعل الدخول والجلوس، وتستخدم الوصف في تقديم الكرسي وعلاقته بذاكرة الشخصية.عندما تكتب: كانت يداها ترتجفان وهي تفتح الرسالة فأنت تسرد فعلا يحدث في اللحظة، وفي الوقت نفسه تقدم وصفا جسديا يكشف حالة الشخصية النفسية.وتظهر الحرفة الروائية: ليس المطلوب ان تفصل السرد عن الوصف بشكل ميكانيكي، بل ان تعرف وظيفة كل منهما داخل المشهد. السرد لا يعني السرعة دائما، والوصف لا يعني البطء دائما.يمكن للسرد ان يكون بطيئا عندما يتابع لحظة مهمة بالتفصيل، ويمكن للوصف ان يكون سريعا في جملة واحدة تمنح القارئ صورة كاملة.المعيار ليس السرعة، بل الوظيفة.في مشهد المطاردة، قد يحتاج الكاتب إلى سرد متتابع وسريع للحركة: ركض، التفت، سقط، نهض، واصل الهرب. كثرة الوصف في هذه اللحظة قد تضعف التوتر إذا لم تكن التفاصيل مرتبطة بالخطر.لكن حتى مشهد المطاردة يحتاج إلى وصف عندما تكون هناك تفاصيل تؤثر في الحدث: شارع ضيق، ارض زلقة، ضباب كثيف، باب مغلق. هنا لا يأتي الوصف لإيقاف السرد، بل لخدمة السرد.وفي مشهد آخر قد لا يكون هناك حدث كبير، لكن الحالة النفسية هي مركز الرواية. امرأة تقف امام بيتها بعد سنوات من الغياب. لا تركض ولا تتحدث ولا يحدث انفجار درامي، لكن المكان يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الخوف والفقد.هنا يمكن للوصف ان يأخذ مساحة اكبر، لأن المكان نفسه اصبح جزءا من التجربة.لهذا لا ينبغي ان يحدد نوع الرواية وحده مقدار السرد والوصف.
الرواية البوليسية تحتاج إلى السرد، لكنها تحتاج ايضا إلى وصف دقيق عندما يكون المكان جزءا من اللغز.الرواية النفسية تحتاج إلى الوصف الداخلي، لكنها تحتاج ايضا إلى السرد حتى تتحرك الشخصية عبر الزمن والاحداث.الرواية التاريخية تحتاج إلى وصف البيئة، لكنها لا تحتاج إلى تحويل كل صفحة إلى موسوعة تاريخية.والرواية الخيالية تحتاج إلى بناء عالمها بالوصف، لكنها ستفقد القارئ إذا توقفت عن تحريك الاحداث.المشكلة ليست في النوع الروائي، بل في وعي الكاتب بما يحتاجه كل مشهد.وهناك خطأ اخر اكثر خطورة: استخدام الوصف لشرح ما يمكن للسرد او الفعل ان يقدمه.اذا كانت الشخصية تبكي، لا تحتاج دائما إلى ان تكتب كانت حزينة جدا الفعل نفسه يقدم المعلومة واذا كانت الشخصية خائفة، يمكن ان يظهر الخوف من حركتها، او من ترددها، او من طريقة حديثها.لكن لا توجد قاعدة تمنع الكاتب من تسمية الشعور. احيانا يكون التصريح بالشعور ضروريا، خصوصا في السرد النفسي. المهم الا يتحول النص إلى شرح مستمر لما يستطيع القارئ فهمه من المشهد.الكاتب الناضج لا يشرح كل شيء يعطي القارئ ما يحتاجه، ثم يترك له مساحة ليشارك في بناء المعنى وهنا تأتي اهمية الحذف. اسأل عن كل فقرة وصفية: ماذا اضافت؟ هل كشفت شخصية هل بنت مكانا؟ هل صنعت جوا؟ هل قدمت حالة نفسية؟ هل ارتبطت بالحدث؟.اذا كانت الاجابة لا، فربما لا تحتاج الفقرة إلى الوجود. واسأل عن كل فقرة سردية: هل حركت الحدث؟ هل نقلت زمنا مهما؟ هل قدمت معلومة ضرورية؟ هل غيرت وضع الشخصية؟إذا لم تفعل شيئا من ذلك، فربما يمكن اختصارها او حذفها.هذه الاسئلة اكثر فائدة من حساب نسبة السرد والوصف.
الكاتب المبتدئ غالبا يكتب كل ما يعرف الكاتب الذي يتطور يتعلم ان الكتابة تقوم ايضا على الاختيار لا ترو كل شيء ولا تصف كل شيء.السرد اختيار لما يستحق ان يحدث امام القارئ او ان يعرفه.والوصف اختيار لما يستحق ان يراه القارئ او يشعر به داخل المشهد.وهنا تصبح المراجعة ضرورية.اقرأ النص بصوت مرتفع. ستكتشف مواضع يتوقف فيها السرد بلا سبب، ومواضع يتضخم فيها الوصف حتى يطغى على الحدث. ستكتشف ايضا ان بعض الجمل الجميلة لا مكان لها، وبعض الجمل البسيطة تقوم بعمل روائي كبير.لا تخف من حذف ما كتبته.الكاتب الذي يتعلق بكل جملة يكتبها لن يستطيع بناء رواية متماسكة.الرواية الجيدة ليست التي تحتوي على اكبر قدر من السرد والوصف، بل التي تستخدم السرد عندما تحتاج إلى تحريك الحدث، وتستخدم الوصف عندما تحتاج إلى بناء الصورة والحالة، وتعرف متى تترك الحوار او الفعل يقوم بالعمل بدلا منهما.السرد يحرك الرواية.الوصف يجعل عالم الرواية مرئيا ومحسوسا.
والحرفة ليست في الفصل بينهما، بل في معرفة متى يحتاج المشهد إلى السرد، ومتى يحتاج إلى الوصف، ومتى يحتاج إلى الاثنين معا.لذلك لا تبحث عن نسبة ثابتة بين السرد والوصف.ابحث عن الضرورة إذا كان الحدث يحتاج إلى السرد، اسرد إذا كان المكان او الشخصية او الحالة تحتاج إلى الوصف، صف.وإذا كانت جملة واحدة تكفي، فلا تكتب صفحة.فالكاتب الحقيقي لا يقاس بكمية ما يكتب، بل بقدرته على معرفة ما يجب ان يكتب، وما يجب ان يختصر، وما يجب ان يحذف.