أدب وفنالعرض في الرئيسة

غرفة لا تتسع للهزيمة

يمنات

قصة ـ عدنان الدوسري

كانت الغرفة أصغر من أن أمشي فيها.ثلاث خطوات إلى الباب، خطوتان إلى النافذة، وخطوة إلى المرآة.لهذا، كلما ضاق صدري، جلست.حتى الهزيمة تحتاج إلى مساحة، وغرفتي لم تكن تتسع لها.جئت إليها بحقيبة واحدة بعد أن ضاقت بي المدينة. قلت لصاحب البناية:

ـ شهر، وربما أقل.

ابتسم وهو يناولني المفتاح.

ـ الغريب دائما يقول ذلك.

لم تعجبني كلمة (الغريب).

كنت أظن أن الغربة بلد آخر، ثم اكتشفت أنها قد تكون غرفة لا يعرف جدارها اسمك.وضعت حقيبتي قرب الباب ولم أفرغها.مضت خمسة أشهر .بقيت الحقيبة مكانها.كنت أخرج منها قميصا وأعيده، آخذ كتابا وأرجعه. لم أضع شيئا في الخزانة.كنت أخشى أن أرتب ملابسي فيها فأبدو كمن قرر البقاء.وكان البقاء يخيفني أكثر من الرحيل.في الصباح أفتح النافذة.أمامي جدار رمادي.لا شجرة.لا سماء كاملة.مجرد مستطيل أزرق صغير في الأعلى يثبت أن العالم ما زال موجودا خلف هذا الجدار.ذات صباح وصلتني رائحة خبز من الشارع.

أغمضت عيني.ولم أعد في الغرفة.كنت هناك…

في صباح بعيد، أجلس إلى مائدة مزدحمة، تمتد يد صغيرة نحو قطعة الجبن قبل أن أصل إليها.

أقول:

ـ اتركي لأبي شيئا.

فتأتيني ضحكة من الطرف الآخر:

ـ خليها تاكل، نشتري غيره.

كان الشاي ساخنا.والبيت مليئا بأصوات لا قيمة لها يومها.باب يغلق.ملعقة تسقط.أحدهم يبحث عن حذائه.

وصوت يسأل:

ـ من أخذ الشاحن؟

أشياء عادية جدا.لم أكن أعرف أن الأشياء العادية تصبح، حين نفقدها، أثمن ما نملك.فتحت عيني.الجدار أمامي.والغرفة صامتة.قلت بصوت مسموع:

ـ كفى.

لم أعرف لمن قلتها.للذاكرة؟للغرفة؟أم للرجل الذي صار يتحدث إلى نفسه كي يسمع صوتا بشريا؟على الطاولة صورة قديمة.لم أكن أحب النظر إليها كثيرا.كنت فيها أضحك.ضحكة كاملة، بفم مفتوح وعينين لا تعرفان شيئا عن الغد.أحيانا كنت أقلب الصورة على وجهها.ليس لأنني أكره الماضي.بل لأنني أغار من الرجل الذي كنته.

ذات مساء انقطعت الكهرباء.جلست في العتمة.

من الشقة المجاورة تسربت ضحكات عائلة حول مائدة العشاء.رجل قال شيئا.ضحكت امرأة.ثم ارتفع صوت طفل.وضعت يدي على أذني.لكن الضحكات عبرت أصابعي.نهضت.مشيت خطواتي الثلاث إلى الباب. وضعت يدي على المقبض.أردت أن أخرج.إلى أين؟

عدت خطوتين إلى النافذة.الجدار.خطوة إلى المرآة.

أنا.قلت للرجل فيها:

ـ ماذا بقي؟

لم يجب.

سألته:

ـ ماذا فعلت بكل تلك السنوات؟

ظل ينظر إلي.غضبت منه.

ـ كنت تظن أنك قوي، أليس كذلك؟

اقتربت.

ـ أين قوتك الآن؟

كان وجهي متعبا، وشعري أكثر بياضا مما أتذكر.

قلت:

ـ قل شيئا.

وفجأة ضحكت.كنت أنتظر من مرآة أن تجيبني.

جلست على الأرض.في تلك الليلة، وللمرة الأولى، قلتها بصوت واضح:

ـ أنا تعبت.

ارتدت الجملة من الجدران.لم يحدث شيء.لم يسقط السقف.لم تنفتح الأرض.اكتشفت أن الاعتراف بالتعب لا يقتل الرجال.في الصباح طرق صاحب البناية الباب.

ـ الإيجار.

قلت:

ـ أعرف.

ـ متى؟

نظرت إلى محفظتي.

ثم إليه.

ـ لا أعرف.

كانت أول مرة أقولها.

لا أعرف.من دون اختراع موعد.من دون وعد.من دون كذبة صغيرة تحفظ ماء الوجه.نظر إلي طويلا.

قال:

ـ عندك أسبوع.

ومضى.أغلقت الباب.شعرت براحة غريبة.ربما لأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، أخف من حمل الكذب.عدت إلى الطاولة.قلبت الصورة القديمة.الرجل الذي فيها ما زال يضحك.نظرت إليه طويلا.هذه المرة لم أغر منه.

قلت:

ـ أنت لم تمت.

ثم انتبهت إلى شيء صغير في الصورة.في الخلف كانت نافذة بيتنا مفتوحة.وخلفها شجرة.تذكرت صباحا قديما.

كنت أستعد للخروج، وكان المطر خفيفا.

قيل لي:

ـ لا تروح اليوم.

قلت:

ـ عندي شغل.

ـ الدنيا ما تطير.

ضحكت يومها.

ـ الشغل ما ينتظر.

وخرجت.الآن، بعد سنوات، لم أتذكر شيئا من ذلك العمل الذي كنت أخشى أن يتأخر.لا الاجتماع.لا الأوراق.لا الرجل الذي قابلته.لكنني تذكرت تماما اليد التي أمسكت بذراعي وقالت:

ـ لا تروح.

وضعت الصورة على الطاولة.كم أضعنا من الأشياءالجميلة لأننا كنا مشغولين بحماية أشياء لم تبق؟

طرق المطر النافذة.فتحتها.دخل هواء بارد.مددت يدي.

سقطت قطرة على كفي.ضحكت.تذكرت فجأة أنني كنت أحب المطر.متى نسيت ذلك؟ربما حين أصبحت أقيس الأيام بما أخسره، لا بما أشعر به.أغلقت النافذة.

نظرت إلى الحقيبة قرب الباب.خمسة أشهر وهي تنتظر الرحيل.فتحتها.أخرجت الملابس.وضعتها في الخزانة.

ثم أخرجت كتابا قديما.وبين صفحاته وجدت ورقة صغيرة.خط أعرفه.جملة واحدة:

(لا تتأخر علينا.)

لا أعرف منذ متى كانت هناك.جلست على السرير.

قرأتها مرة.ثم مرة أخرى.لم أبك.بعض الأحزان أكبر من الدموع.وضعت الورقة في جيبي.ثم دفعت الحقيبة الفارغة تحت السرير.في المساء أعددت شايا.لم يكن مذاقه مثل شاي البيت.ولا الكوب يشبه كوبي القديم.

ولا أحد مد يده ليسرق قطعة الجبن من أمامي.لكنني جلست قرب النافذة وشربته ببطء.خلف الجدار كانت المدينة تمضي.سيارات.أضواء.أناس يعودون إلى بيوتهم.

وأناس لا بيوت لهم يعودون إليها.فكرت في الغربة.

ليست الغربة أن تكون بعيدا عن وطنك.الغربة أن تصبح بعيدا عن النسخة التي كنت تعرفها من نفسك.أن تشتاق إلى رجل كان يضحك بسهولة.إلى صباح كان عاديا.

إلى مائدة لم تكن تعرف أنها نعمة.إلى صوت كان يزعجك، ثم تصبح مستعدا أن تدفع عمرك كله لتسمعه مرة أخرى.نهضت.وقفت أمام المرآة.الرجل نفسه.لكنني لم أسأله هذه المرة:

ماذا بقي؟

قلت له:

ـ ما زلت هنا.

لم تكن بطولة.ولا انتصارا.مجرد حقيقة صغيرة.لكنها كانت كافية لتلك الليلة.أطفأت الضوء.استلقيت.وقبل أن أنام، امتدت يدي إلى جيبي.لمست الورقة.

(لا تتأخر علينا.)

أغمضت عيني.وللمرة الأولى منذ شهور لم أفكر في الغد.

فكرت في الأشياء الجميلة التي مررت بها من دون أن أعرف أنها جميلة.ضحكة على مائدة.رائحة خبز.يد تمنعني من الخروج تحت المطر.صوت يبحث عن شاحن.

وفنجان شاي لم أشربه وحدي.ابتسمت في الظلام.كانت الغرفة صغيرة جدا.سرير، وطاولة، ونافذة على جدار.

لكنها في تلك الليلة اتسعت لكل الذين أحببتهم.لكل البيوت التي سكنتني.لكل الطرق التي عدت منها.

وللرجل الذي كنته.وحدها الهزيمة بقيت واقفة عند الباب.لم تجد لها مكانا.

زر الذهاب إلى الأعلى