فضاء حر

اساسيات كتابة الرواية السياسية بشكل ادبي

يمنات

زكريا نمر

الرواية السياسية ليست كتابا في العلوم السياسية، وليست مقالا طويلا عن الحكومة والمعارضة والحرب والسلطة. هي رواية عن انسان يعيش داخل واقع سياسي يؤثر في حياته وقراراته وعلاقاته ومصيره.المشكلة التي يقع فيها بعض الكتاب هي انهم يدخلون السياسة الى الرواية بطريقة مباشرة، فيتحول السرد الى خطب ومواقف وتحليلات. عندها تتراجع الحكاية وتظهر المقالة.

الكاتب الروائي لا يحتاج الى ان يقول للقارئ ماذا يفكر. عليه ان يضع شخصياته داخل مواقف سياسية حقيقية، ثم يترك القارئ يرى النتائج ويطرح اسئلته بنفسه.

1. ابدأ بفكرة وليس بشعار

لا تقل: اريد ان اكتب رواية عن الفساد.اسأل: ماذا يفعل الفساد بالانسان؟ ماذا يحدث لموظف يرفض الرشوة؟ وماذا يحدث اذا قبلها؟ وكيف تتأثر اسرته؟ وماذا يحدث عندما يصبح المال الذي اخذه سببا في مرض شخص اخر او فقدان شخص لحقه؟ من هذه الاسئلة تبدأ الحكاية.الفكرة السياسية وحدها لا تكفي لصناعة رواية. يجب ان تتحول الى مشكلة تواجهها شخصية وتضطر بسببها الى اتخاذ قرار.

2. ابن الشخصية قبل ان تبني موقفها السياسي

لا تجعل الشخصية مجرد معارض او موظف حكومي او صحفي او جندي.اعطها حياة خاصة بعيدا عن السياسة. لها اسرة، وذكريات، وخوف، وطموح، وعلاقات، ونقاط ضعف.

مثلا: كان موسى صحفيا يكتب ضد الحكومة، لكنه كان يخاف من شيء واحد: ان يعرف ابنه لماذا لم يعد والده الى البيت. هنا بدأنا نرى انسانا، وليس مجرد شخصية سياسية.كلما كانت الشخصية حقيقية، اصبح موقفها السياسي اكثر اقناعا.

3. لا تجعل الشخصيات تتحدث بلسان الكاتب

هذه من اكثر المشكلات شيوعا في الرواية السياسية.يضع الكاتب افكاره في افواه جميع الشخصيات. السياسي يتحدث كما يتحدث الكاتب، والمعارض يتحدث كما يتحدث الكاتب، والصحفي ايضا، وحتى الشخصية البسيطة تصبح فجأة محللا سياسيا.هذا يقتل الاختلاف بين الشخصيات.يمكن لرجل بسيط ان يقول:انا لا اعرف من يحكمنا، لكنني اعرف ان سعر الخبز ارتفع.هذه الجملة قد تقول عن الواقع السياسي اكثر مما تقوله صفحة كاملة من التحليل. الشخصية يجب ان تتحدث وفقا لتجربتها ومستواها وبيئتها ومصلحتها، لا وفقا لما يريد الكاتب ان يشرحه للقارئ.

4. اجعل السياسة تظهر في الحياة اليومية

السياسة ليست فقط في القصر الرئاسي والبرلمان والاجتماعات الحزبية.هي موجودة في السوق، والمدرسة، والمستشفى، والجامعة، ومركز الشرطة، والمواصلات، والبيت.يمكن ان تدخل السياسة الى الرواية من مشهد بسيط:دخلت المعلمة الفصل فوجدت صورة الرئيس معلقة فوق السبورة. لم يسألها الطلاب عن الدرس. كانوا ينتظرون ان تعرف من منهم لم يردد النشيد صباحا. هنا ظهرت علاقة السلطة بالمجتمع من خلال موقف يومي، دون الحاجة الى خطاب سياسي.

5. اجعل الصراع هو المحرك

لا توجد رواية سياسية من دون صراع واضح.قد يكون الصراع بين الفرد والسلطة، او الصحفي والرقابة، او الجندي وضميره، او المواطن والخوف، او السياسي وماضيه، او القبيلة والدولة، او الاب والابن.المهم ان يكون للصراع اثر مباشر في حياة الشخصية. اذا كان الصراع السياسي لا يغير شيئا في حياة الشخصيات، فسيبقى مجرد خلفية.

6. لا تجعل الشخصيات خيرا مطلقا او شرا مطلقا

الشخصية السياسية الجيدة ليست شخصية كرتونية.قد يكون المسؤول فاسدا لكنه يحب اسرته.وقد يكون المعارض صادقا في موقف، وانانيا في موقف اخر.وقد يكون الجندي ينفذ امرا لا يؤمن به.وقد يصمت المواطن لانه يخاف على اسرته.هذه التناقضات ليست عيوبا في الشخصية، بل جزء من طبيعتها.ليس مطلوبا من الكاتب ان يجعل القارئ يحب الشخصية. المطلوب ان يجعله يفهم لماذا تتصرف بهذه الطريقة.

7. استخدم التاريخ دون ان تحول الرواية الى كتاب تاريخ

اذا كانت الرواية مرتبطة بحدث سياسي حقيقي، فلا تجعل الشخصيات تروي التاريخ للقارئ.لا تكتب:في عام كذا حدث كذا، وبعد ذلك حدث كذا، ثم وقعت الحرب.هذا يصلح في كتاب تاريخي.في الرواية، دع الحدث يظهر من خلال الناس:في الصباح كانت المدينة هادئة. عند الظهر انتشرت الشائعات. عند المساء اختفت سيارات الشرطة من الشوارع. وفي الليل بدأ الناس يغلقون ابوابهم قبل موعدهم المعتاد.هنا عاش القارئ الحدث بدلا من ان يقرأ عنه في تقرير.

8. اجعل المكان جزءا من الرواية

المكان ليس خلفية صامتة.العاصمة، والقرية، والحدود، والسجن، والمخيم، والجامعة، والسوق، والحي الشعبي، كلها يمكن ان تؤثر في الشخصيات.

مثلا:كان القصر الرئاسي يبعد عشرة كيلومترات فقط عن الحي، لكن سكان الحي كانوا يتحدثون عنه كما لو كان في بلد اخر.هذه الجملة لا تصف المسافة فقط، بل تكشف المسافة بين السلطة والناس.

9. اكتب الحوار كما يتحدث الناس

الحوار السياسي لا ينبغي ان يكون محاضرة.بدلا من ان تقول شخصية:الديمقراطية تحتاج الى مؤسسات قوية وفصل للسلطات واحترام حقوق الانسان.يمكن ان يكون الحوار:هل تعتقد ان الانتخابات ستغير شيئا؟ لا اعرف. ولماذا ستصوت؟ حتى لا يقولوا انني لم احاول. الحوار هنا يحمل موقفا سياسيا، لكنه بقي حوارا بين شخصين.

10. استخدم الرمز دون ان تشرحه

يمكن للباب او الساعة او الصورة او النهر او البيت او الزي العسكري او الوثيقة ان تحمل معنى سياسيا.لكن لا تشرح للقارئ ما يعنيه الرمز.اذا كانت الساعة المتوقفة مرتبطة بموت شخصية، دع القارئ يكتشف العلاقة بنفسه.الرمز يفقد جزءا كبيرا من قيمته عندما يشرح الكاتب معناه مباشرة.

11. اجعل السياسة تختبر اخلاق الشخصية

الرواية السياسية تصبح اكثر عمقا عندما تضع الشخصية امام اختيار صعب.صحفي يمتلك وثيقة تثبت فساد مسؤول، لكنه يعرف ان نشرها قد يعرض عائلته للخطر.جندي يتلقى امرا لا يقتنع به.موظف يستطيع الحصول على المال مقابل توقيع غير قانوني.معارض يصل الى السلطة ويكتشف ان القرارات التي كان يرفضها اصبحت مطلوبة منه.في هذه اللحظات تتحول السياسة الى سؤال اخلاقي.

12. لا تجعل الرواية نسخة من موقفك السياسي

للكاتب الحق في ان يمتلك موقفا سياسيا، لكن ليس من الضروري ان تتبناه كل الشخصيات.دع الشخصية تختلف معك.دعها تخطئ. دعها تغير رأيها.دع الشخصية المؤيدة للسلطة تمتلك اسبابا تجعل موقفها مفهوما، ودع الشخصية المعارضة ترتكب اخطاء لا تحاول اخفاءها.عندما تمنح الشخصيات استقلالها، تصبح الرواية اكثر صدقا.

13. راقب سرعة الرواية

ليست كل الصفحات بحاجة الى حدث كبير.هناك فصول للحركة، وفصول للذاكرة، وفصول للعلاقات، وفصول لكشف المعلومات. لكن كل فصل يجب ان يؤدي وظيفة.

اسأل نفسك بعد كل فصل: ماذا تغير؟

هل تغيرت الشخصية؟

هل ظهرت معلومة جديدة؟

هل تطور الصراع؟

هل تغيرت علاقة شخصيتين؟

اذا لم يحدث شيء، فربما يحتاج الفصل الى الحذف او اعادة الكتابة.

14. لا تخلط بين الرواية والمقال السياسي

المقال يقول: الفساد يهدد الدولة.اما الرواية فتستطيع ان تقول:عاد الموظف الى البيت وفي جيبه المال الذي اخذه من الرجل الذي كان ينتظر توقيع معاملته. وضع النقود على الطاولة. نظر الى ابنه الذي كان يطلب منه شراء دواء لامه.هنا لم يقل الكاتب ان الفساد سيئ.القارئ رأى اثره.وهذا هو الفرق بين ان تشرح الفكرة وان تجعل القارئ يعيشها.

15. لا تبحث دائما عن نهاية صادمة

النهاية الجيدة ليست بالضرورة نهاية مفاجئة.قد تكون نهاية الرواية هي اكتمال رحلة الشخصية.صحفي قضى حياته يبحث عن الحقيقة قد يجد نفسه في النهاية يخفي وثيقة لحماية ابنته. السؤال هنا ليس فقط ماذا حدث، بل ماذا حدث لهذا الانسان حتى وصل الى هذه النقطة؟ النهاية يجب ان تكون نتيجة طبيعية لما سبقها، لا حيلة يستخدمها الكاتب لاثارة القارئ.

16. اترك للقارئ مساحة للتفكير

لا تجب عن كل الاسئلة.اترك بعض المساحات مفتوحة. هل كان البطل محقا؟ هل كان يستطيع اتخاذ قرار اخر؟ هل كان صمته خيانة ام محاولة للنجاة؟ هل يمكن للانسان ان يبقى مخلصا لمبادئه عندما تهدد السلطة حياته وعائلته؟ هذه الاسئلة تجعل الرواية تستمر في ذهن القارئ بعد انتهائه منها.

17. القاعدة الاساسية

لا تكتب عن السياسة فقط.اكتب عن الانسان عندما تدخل السياسة الى حياته.اكتب عن الحب عندما تدخل الحرب بين شخصين.اكتب عن الصداقة عندما يصبح الاصدقاء في معسكرين مختلفين.اكتب عن الاسرة عندما يدخل الخوف الى البيت.اكتب عن الصحفي عندما تصبح الحقيقة خطرا.اكتب عن الجندي عندما يتعارض الامر مع ضميره.عندها تصبح السياسة جزءا من الرواية، لا الرواية نفسها.

الرواية السياسية الجيدة لا تحتاج الى كثرة الخطب والشعارات والشخصيات السياسية. تحتاج الى شخصيات حقيقية، وصراع واضح، وواقع سياسي يؤثر في حياة هذه الشخصيات.الكاتب السياسي يسأل: من يحكم؟ اما الروائي فيسأل: ماذا يحدث للانسان عندما تدخل السلطة الى حياته؟.وهنا تبدأ الرواية.

زر الذهاب إلى الأعلى