فضاء حر

تدليس إبليس.. 

يمنات

عمر الهمداني

نسمع في الآونة الاخيرة ، عبارات من مثل تعز لن تسقط ، تعز لا تخضع ، تعز لا تنكسر تعز تعز تعز … 

كيف تحولت المعركة من معركة ما يسمى بالحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها الى معركة تعز وحدها ، هذه المعركة ليست قبلية ولا أهلية وقد انطلقت بين قوة عسكرية تتبع حكومة صنعاء وقوة عسكرية تتبع السعودية والحكومة المدعومة منها ، ولكل قوة جنود من مختلف المحافظات ، فلماذا يذوب التحالف والحكومة المدعومة منه وتظهر تعز وحدها وكأن المعركة معركة تعز .. 

تعز أكبر من أن تختزل في طرف سياسي ، وإذا خسر هذا الطرف المعركة فلن يقال خسرت تعز. بل سيقال خسرت الحكومة المدعومة من السعودية. أو الحكومة الشرعية كما يسميها المجتمع الدولي. 

وعلى أهلنا في تعز ألا ينخدعوا بتدليس إبليس وأن ينظروا إلى الواقع كما هو، لا كما تريده الرغبات ، وتسوقه الخطابات الإعلامية ، فالقوات التابعة للشرعية في تعز لا تواجه اليوم مجرد “مليشيا”،كما يسوقه الاعلام المضلل ، بل تواجه سلطة تملك مؤسسات وموارد وقدرات عسكرية وأمنية لدولة كانت قائمة بذاتها ، وتضاعفت أكثر خلال سنوات الصراع ، في وقت تراجعت فيه إمكانات القوات التابعة للشرعية.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بواقعية : إذا لم يتحقق الحسم خلال سنوات الحرب، رغم الدعم الإقليمي والغطاء الجوي، فما الذي يجعلنا نتوقع تحقيقه اليوم بإسم تعز التي لا يملك أهلها سوى القلم وفي ظروف مختلفة؟

هذا ليس دعوة للاستسلام، بل مراجعة للحسابات فالحرب وسيلة وليست غاية، وإذا عجزت عن الحكومة المدعومة من الخارج عن تحقيق أهدافها وأصبحت كلفة حروبها أكبر من نتائجها، فإن البحث عن السلام ليس ضعفًا ولا هزيمة لتعز .

وما أعلمه أن هناك وساطات ومحاولات من صنعاء للتفاهم مع القوى المسيطرة في تعز لتجنيب المدينة مزيدًا من الدم والدمار، ونتمنى من العقلاء في تلك القوى ألا يفوتوا أي فرصة للسلام وتجنيب المدينة مزيدا من الخراب ، أو على الاقل الانسحاب الى محافظات أخرى تسيطر عليها مايسمى بالحكم الشرعية ، بدلا من تصوير المعركة وكانها معركة تعز وحدها.

وفي تقديري، أن تضخيم ما جرى في الساحل الغربي قد يكون هدفه إرباك الاطراف في تعز ومنعهم من قبول الوساطات، وإيهامهم بأن الشرعية تستعيد قوتها، بينما يجري توظيف معركتهم للإستنزاف فقط ، لخدمة حسابات أخرى، خصوصًا في باب المندب، مع الاعتماد على قوى إنفصالية ترفع علم الإنفصال و لا تؤمن بالشرعية ولا باليمن الواحد، بل بمشروع الانفصال ، وبعد تثبيت هذا الواقع في باب المندب ، قد تصبح ورقة “الجنوب ” والمضيق ، أهم من ورقة “الشرعية ” في أي تفاهمات إقليمية قادمة.

لذلك نقول لأهلنا في تعز، ولأهلنا في المسراخ خصوصًا: لا تجعلوا أبناءكم وقودًا لمعركة يتم تزييف حقيقتها ، ونقول لأصحاب القرار ، استثمروا كل فرصة للسلام ، في حماية الناس والوصول إلى تفاهمات تحفظ الحقوق وتوقف نزيف الدم. 

المعركة ليست معركة القبائل في تعز ، بل معركة الحكومة الشرعية: إن صمدت فلها، وإن خسرت فعليها، وليس على القبيلي ، ولن يكتب في التأريخ أن قبائل تعز خسرت ، بل سيكتب أن الحكومة المدعومة من السعودية هي التي خسرت ، وليس تعز ولا قبائل تعز ، ومن التضليل أن تسوق المعركة على أنها بين أبناء تعز ، وأبناء صعدة ، أو بين الشوافع والزيود فهذا من تدليس إبليس. وتعز أكبر من أن يقال هزمت أو انكسرت ، مادامت المعركة بين قوى سياسية وليس قوى قبلية. 

وقد نُتَّهم بسبب هذا الكلام بالزنبلة أو الملشنة أو غيرها من التوصيفات التي لم تعد تحمي مدينة ولا تحقن دمًا ومع ذلك لن نلتفت إلى هذه الأصوات التي لا تعبر عن الواقع كما هو ، ولن نبخل بالنصيحة على أهلنا وأبناء عمومتنا في هذه المرحلة المفصلية من عمر الصراع ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: “الدين النصيحة ” 

والله من وراء القصد 

زر الذهاب إلى الأعلى