عن تعز وشوقي وبشار الأسد

الأسبوع الفائت انسحب شباب ما يُسَمَّى "المجلس الثوري" بتعز من لقاء جَمَعَهم بالمحافظ شوقي هائل في فندق "السوفيتل" وبحسب قولهم فإن الانسحاب جاء احتجاجاً على حضور الأمين العام محمد الحاج الذي يصنِّفونه كأحد "أبرز المتهمين في حادثة اقتحام "ساحة الحرية" وإحراقها في مايو 2011م…. لكنَّ نظرةً عابرةً إلى حجم المكاسب التي حصدها "مشترك الإصلاح" من قرار اقتحام الساحة الأهوج، تؤكد استحقاق مُتَّخِذيه لأوسمة رفيعة، عوضاً عن التمادي الفارغ في التباكي على ضحايا "الأخدود" المزعوم!

أسطوانة "الابتزاز الثوري" لا تكفُّ عن الدوران تحت شتى الذرائع، وهي تُمَثِّل بالنسبة لـ"مشترك الإصلاح" رأسمالاً غير رسمي يُديره عبر تفريخاته الشبابية التي تُعد" تنظيمية صنعاء والمجلس الثوري بتعز "أبرز نماذجها؛ فيما ليست الـ"محرقة" أبرز ذرائعها….

قبل أسابيع كانت جوقات القطعان الثورية تدشِّن حملةً بذيئة ضد شوقي هائل انطلاقاً من الساحة نفسها التي لم يكن لهذا الأخير يَدٌ من قريب ولا من بعيد في إحراقها، وكانت الذريعة حينها رغبة المحافظ في إقالة مدير الأمن السابق علي السعيدي؛ على خلفية تورُّطه في أحداث شغب بالسجن المركزي فَرَّ على إثرها عشرة سجناء على الأقل…. فـ"السعيدي" في ميزانهم "أحد العُمَرَين" الذي أعزَّ الله به الثورة و.. الأسبوع الفائت – وعقب لقائه شباب المجلس الثوري مباشرةً – وَجَدَ شوقي نفسه مرة أخرى هدفاً للقطعان ذاتها التي تزعق مطالبةً برحيله؛ لاستقباله علي صالح مُعَزِّيَاً في وفاة والده… و"صالح" هذا هو الشخص ذاته الذي وَقَّعَ معه "مشترك الإصلاح" مبادرةً ومَنَحَه الحصانة وتَقَاسمَ معه حقائب الحكومة وإداراتها العامة مناصفةً؛ بعد محاولة فاشلة لاغتياله لم تبرأ ساحةُ "الإصلاح" من المسئولية عنها حتى اللحظة!

لا يتعلق الأمر بما إذا كنتَ مع أو ضد الثورة؛ بل مع أو ضد "الإصلاح" الذي وقَفَ على جثمان الانتفاضة الشعبية وأخذ مكانها كما تقف شاحنة على جثامين عشرات المُشاةِ في أبشع حادثة مرورية.

فإذا كانت "الثورة" ليست في حقيقة ما آلت إليه اليوم إلا "الإصلاح" فإن "الإصلاح" كان ولا يزال – ليس إلا القوى التقليدية الرجعية المهيمنة متمثلةً في "آل الأحمر" بعساكرهم ورجال دينهم…

أما المعركة بين هؤلاء من جهة و"صالح" من جهة أخرى فكانت من الجانبين معركة ابتزاز وتحويل وتكويم الولاءات لطرف دون آخر؛ وقد نجح "الإصلاح" بالاتكاء على حالة السخط العام وحصَّتِه الرسمية من العنف والنفوذ، في خلخلة ملعب "الموالاة لصالح" لمصلحة ملعبه….

لم يكن لمحافظ تعز السابق حمود الصوفي علاقة بحريق الساحة..كان في ألمانيا حينها وأدان الحادثة في أكثر من لقاء صحفي… رغم ذلك لم يفلح في تلافي سخَط "الإصلاح اللابس مسوح الثورة" عليه؛ وكان مطلوباً منه ما هو مطلوبٌ اليوم من شوقي هائل: تقديم قرابين الولاء والطاعة لـ"آل الأحمر"، بفارق أنه ليس بالإمكان الزعمُ بأن المحافظ الحالي قادمٌ من مربع "موالاة صالح"، خلافاً لسَلَفِه، بل من أسرة تجارية سابقة بعقود لزمن بزوغ نجم صالح ولن تتأثر بأفوله!

لا ينبغي أن يفهم ذلك انتقاصاً من القيمة الاجتماعية للصوفي، فواقع موازين القوة والفاعلية السياسية لا يزال ينهض في معظمه على المزايا الموروثة لا على الحقوق، مع الغياب شبه الكامل لدولة حديثة تعلي من شأن الأفراد على أرضية المواطنة ومصاف البذل!

يدرك "الإصلاح" جيداً أن لعبة لَيّ الذراع السياسي غير مجدية مع محافظ كشوقي هائل؛ وأن تهماً من قبيل "بقايا النظام والذين فقدوا مصالحهم بتنحي صالح أو المرتبطين بأجندة إيرانية أو أعداء الثورة وأعداء تعز…" هي تهم تفتقر للمنطق ولا سند لها على الواقع، في سياق حرب التدجين والابتزاز الباردة بينهم وبين المحافظ.

لكنهم يدركون بدرجة عالية من الخبث، أن لَيّ الذراع الأمني هو الوسيلة الأنجع ونقطة الضعف المشرعة في جسد برجوازية بلا أظافر وماركة اجتماعية بَنَتْ حضورها على أساس من العصامية والدبلوماسية الناعمة!

هل بدأت هذه الوسيلة تطرح ثمارها في "جراب الإصلاح"..؟!

وهل يمكن أن يقامر شوقي هائل بالسكينة العامة للمحافظة مقابل استرداد بضعة باصات تابعة لمجموعته التجارية سطا عليها مسلحون مؤخراً؟! ومقابل ضمان أمن مصانعها؟! أم أن عليه أن يتشبث بالخطة الأمنية مراهناً على دعم الأهالي في ضبط الأوضاع المختلة لمحافظة ينهش جذام الفوضى المسلحة أجمل مزاياها وملامحها؟!.

ليست خطيئة شوقي هائل أنه كان الأجرأ على خوض الغمار السياسي العام ضمن عائلة انكفأت على التجارة وظلت تتعاطى مع المشهد السياسي بحذر ومن وراء سياج!.

وأي تنازل يقدمه شوقي على سبيل التكفير – لا السياسة – لجوقات الابتزاز ستكون له آثاره السلبية، لا على مستقبله الشخصي فحسب، بل ومستقبل تعز التي تزعم أنها تناضل على طريق الفيدرالية، كما لن يوقف طاحونة الابتزاز!

لا شيء سوى السلاح الأرعن ونِسب الجريمة المتصاعدة والسطو العلني و… امرأة افترشت الرصيف جوار بوابة إدارة أمن تعز مع أفراد عائلتها بمطلب القبض على خاطف ولدها الذي يحتمي بـ"حماة الثورة" وعلى بُعد خطوات من موقع اعتصامها تمر جوقة القطعان الثورية زاعقةً برحيل "بشار الأسد"، ومآذن جوامع المدينة تبتهل إلى الله وتجمَعُ التبرعات لنصرة عصابات "الجيش السوري الحر".

 

 

*صحيفة اليمن اليوم

  • Related Posts

    إسطنبول التي لم أزرها بعد

    يمنات محمد المخلافي تقف تركيا اليوم كقوة إقليمية وجسر حضاري يربط بين الشرق والغرب، جامعةً بين مجد الماضي وتطلّع المستقبل. أحب تركيا، وأعشق جمال طبيعتها، مدنها وريفها، وثقافة أهلها وتفاصيل…

    جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

    يمنات حميد عقبي منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، اتسعت دوائر الهجرة واللجوء، وتوزع اليمنيون على بلدان كثيرة، بينها دول أوروبية لم تكن تضم جاليات يمنية كبيرة من قبل. ومع…

    You Missed

    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

    تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

    تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء