يا رئيس الجمهورية: 50 عاماً من الثورات واليمن بلا .. متحف

يمنات

عشرات الثورات والانقلابات والثورات المضادة، وتصحيح مساراتها، ثم المعاهدات ونقضها، ونقض النقيض ، حروب داخلية متواصلة ومستدامة ، ومليارات تهدر على مشاريع وهمية وفاشلة ، وهذا اليمن المترامي الأطراف بحضاراته المتعاقبة ، أكان يمن الشمال أم يمن الجنوب ، بلا متحف بمواصفات دولية.

**

ألف عام وعام من الحكمة والإيمان والقتال على أعمدتهما ، وباسمهما، ينقرض الإنسان في اليمن مخلفاً الفجيعة ، فلا سبرت حكمة ، ولا سبر إيمان ، ولا سبر إنسان والكل يصر بأن وجودهم الحتمي من أجل الدفاع عن الله ، وشرف القبيلة ، وجنبية الشيخ، وسبلة الوطن.

**

عشرات الأعوام تأتي وتنقضي ، والإنسان اليمني يزداد جفافاً وتخشباً ويبوسة في وجدانه (رغم نعتنا بالأرق أفئدة)، فيصبح عرضة للغرائز المنفلتة تارة باسم الدين ، وتارة باسم السياسة ، وأخرى باسم العدم .. فكلما تصلبنا أمام مذبح الحكمة والإيمان بتعصب أعمى ، كان ذلك أدعى إلى اليبوسة الروحية ، التي تتجلى في الحرب على الفنون ، وإصدار فتاوى القصف على أي إيقاع ولحن وصوت ، ونحت ، ولوحة ، ورقصة ، وتمثيل وو..إلخ ، وتتجلى حكمة الحرب ، وكوارثها في ما يحدث في المدارس والجامعات من منع وتجريم للفنون .

**

لا ، الحكمة ولا الإيمان قالا كلمتهما.. عن هذا اليمن المتنوع في جغرافيته وثقافته والصانع لأهم الحضارات الإنسانية، إنه يعيش وفي ألفيته الثالثة بالغدرة ، بلا ذاكرة .. أي بلا متحف .. مصدقين المقولة الغبية: “ اليمن متحف مفتوح”، وبأن صنعاء أول مدينة في تاريخ الإنسانية ، وبذلك ، فقد وصلنا إلى الكمال العمراني والبشري، حيث يعزف على هذا الهذيان الممجوج الصغير والكبير بما فيهم الرؤساء والوزراء ،والإعلام الرسمي والمثقفون ..إلخ .

**

نعم ، 50عاماً وأكثر واليمن بلا متحف ، بلا مسرح ، بلا معهد موسيقي ، أو صالات عروض للفنون ، وبلا سينما ، ولا ، وو ..

50 عاماً وآثار اليمن ومخطوطاته تملأ متاحف العالم ، بل وتكتظ بها بيوت الأثرياء، في العالم ، وأثرياء اليمن .

**

اليوم ، يجب أن نخجل لما آلت إليه صنعاء ، وعدن ، وكافة المدن اليمنية ،التي تعيش ذواكرها في بيوت الأئمة والسلاطين : غرف ضيقة ، لا ترتقي أن تكون متحفاً بمواصفات علمية ، كمتاحف العالم ، فما يطلق عليه «متاحف» ، ما هي إلا ، غرف ودهاليز ، تأكلها الرطوبة ، والحشرات ، والغبار ،والأتربة . بلا ترميم و أجهزة أمان ، مع كوادر بشرية كثيرة بلا تأهيل ، وبمرتبات ضئيلة وو..إلخ .

 **

لا نغالي ، إذا ما قلنا إن المتحف الكبير والمفتوح الذي تغرق فيه المدن اليمنية هو متحف الثارات ، والهيجان المتفلت للعصابات المسلحة ، بصراحة أكثر ، إننا نعيش ذروة المتحف المفتوح ، لأمة متحفية خارجة عن العصر .. وأمام شرعية هذه «التحفنة» المفتوحة التي نعيشها ، جرى اللهاث وبسعار مخيف وصل إلى القتل ، لنبش ونهب الكنوز اليمنية النادرة ، وتفيدها في وضح النهار والمتاجرة بها محلياً ودولياً ، بواسطة جماعات من بعض رجالات القبائل ، والمتنفذين ، والمشائخ ، والعسكر والمسئولين ، والتجار ..ووو كملك لهم .

فهل تعلمون أن بعض قصور المسئولين تحتوي على تحف نادرة تزين بعض مداخلها أعمدة تاريخية عمرها آلاف السنين ؟ !!!!

**

50 عاماً ، ثوراتنا ، وثوارنا ،يتناسلون كالجراد ، واليمن بلا ملكة بلقيس ولا سبأ ، ولا ذمار علي ، وأسعد الكامل ،وو، الكل عراة ينخرهم الصقيع والإهمال ، مجدهم وذواكرهم -إن وجدت – آثارهم في أي “متيحيف” تكون عرضة لأن يستولي عليها أي متنفذ ، بل ولن يتوانى أن يسلخ رأسه ، أو يقطع رجله !!

**

مخيف وفاجع أن اليمن في الألفية الثالثة ،تعد الدولة الوحيدة في العالم التي بلا متحف ، ولا مسرح ، ولا سينما ، ولا قاعات وصالات للعروض الفنية .. فماهو موجود بيوتات ، ومراكز ثقافية ، بنتها الكويت الله يحفظها ، ويبعد عنها شبح الربيع السلفي /الوهابي ، نعم هذه حقيقة لصورة اليمن في الداخل ، والخارج .

**

الرئيس ، عبد ربه منصور هادي:

هذا وطنكم الذي تترأسون جمهوريته ، إنسانه مقتول دنيا وآخرة، بالقات والدخان، تُلغم حياته ، وبيته ،ومحله ومدرسة أبنائه ، إما معسكرات ، وإما مخازن أسلحة لتجار السلاح والموت.

فلا تقولوا بأن البلد منهك ، وأن هناك أولويات باعتبار أن الثقافة والتراث والفنون والمتاحف ترف ، أي “مش وقته” الآن .

بل على العكس الإنسان اليمني محتاج لبارقة أن يحيا وتنتعش روحه ، وتخرجه من براثن البؤس .. والفنون أحد المخارج المهمة. نعم ، محتاج للمتحف والرقصة ، والأغنية والحكاية والقصيدة واللوحة أكثر من ذي قبل ، بل الآن واللحظة ، تلكم الضروريات لا تقل أهمية عن التعليم والصحة ، والأمن، والكهرباء  .

وما صناعة الإرهاب في اليمن وازدهاره، إلا لأن حياتنا خالية من مساحة الروح : الفنون والثقافة والفكر ، خالية من الغناء ، والرقص ، والعروض والفلكلورية، هذه المنابع هي التي تجمعنا ، وتثرينا ، وتجعلنا نعيش ونتحدث بلغة العصر ، حيث التثاقف والتواصل مع ثقافات العالم الواسع .

كيف تشوفوووووووا .

 [email protected]

  • Related Posts

    إسطنبول التي لم أزرها بعد

    يمنات محمد المخلافي تقف تركيا اليوم كقوة إقليمية وجسر حضاري يربط بين الشرق والغرب، جامعةً بين مجد الماضي وتطلّع المستقبل. أحب تركيا، وأعشق جمال طبيعتها، مدنها وريفها، وثقافة أهلها وتفاصيل…

    جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

    يمنات حميد عقبي منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، اتسعت دوائر الهجرة واللجوء، وتوزع اليمنيون على بلدان كثيرة، بينها دول أوروبية لم تكن تضم جاليات يمنية كبيرة من قبل. ومع…

    You Missed

    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

    تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

    تقرير أممي يكشف عن ارتفاع عدد النازحين داخلياً في اليمن منذ تصاعد النزاع في الساحل الغربي

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء