تعز

يمنات
يملأني الود والخجل، والإمحاء في آن وانا اسرد ذكرياتي، بهدوء وتوءدة، كي ﻻ تنكسر جملة، من رأس المواقف والذكريات الفاخرة، بغنجها ودلالها وجفائها احيانا، وانا اتذكر تعز الأمكنة المثخنة بالذات، التي تنزوي بحنان من ناحية اطلالة خاصة، من دكة في إحدى شوارعها الضاجة، والمجاهرة برواغ يضيء آخر الملاذات، مخرجا لصلف اسئلة وجودية، عن ارتماء المعاني والمقاصد الأئتمانية، لعبور آمن موجود بفوارق تعقيدات الحالة الانسانية، بحالاتها المجبولة لإتاحة الفرصة ماقبل الأخيرة احتسابا لفشل من نوع ما ، ورغم أنني لم اتردد في تنافح هبوب أصدقاء، ترتجف من قربهم كلمات الشكر والامتنان، وقد منحتهم حضوري بينهم، في مدينة تتقصد بجمال منطقها ، وعفوية تنوع الخيارات فيها..
المدينة التي ﻻ تمنحك خبزا و كأسا اضافيا من الشاي، ليست سوى شوارع تخيرك في افضل حالاتها ، بالرحيل والرحيل ، وﻻ تملك انت سوى ان تصدق جلافة وجدية قراراتها “صنعاء نموذجا”، على عكس ماتمنحك تعز في مثل هكذا ظرف ، اذ يوجد في احدى منعطافتها يدا ثقيلة ودافئة ، تفاجئ طراوة استدراكك لمسافة حنين ، تفصلك” بعرعرة” صديق ينتظر وصولك ، لإكمال هاجسه المليء قلقا بك و عليك ، فتمنحك اللحظة امومة و ابوية كاملة ، ترضع مستقرك وتداوي خيبتك، بأمن الفكرة التي تؤرقك وﻻ تمنحك هروب خجول ، يقفزك الى القفر العدمي، كما يستدعيك في اغلب المدن، حيث ﻻ توجد وسائد تحافظ على توازن أحلامك، من قيض المذارع والمسافات البعيدة . في تعز المسافات مجرد حنين، تنكمش لتغذي وصولك السريع وتتنفس الصعداء، دون اكمال لفكرة التشرد وحنين الأرصفة، في تعز ﻻ يوجد لك ظل ، تخشى عليه تضخم وحدته في مرايا الضوء المحدبة ، بحيث يعطيك في اليوم التالي قراءة ذاتيه تستحق التعالي، ثم يخونك بشفافية يستقر بهيئتك، على جدران احدى فلل “المجلية”، ويرفض مرافقتك بقية الليلة.
تعز مدينة حانية وطرية، تعرف قبلك قفر المسارات والتعرجات، فتجدك الفرص المناسبة لأكمال بهجتك، بحضور شتى الأصدقاء ، يقاسمونك سجائرهم وعشائهم ، وﻻ ينسون ابتسامتهم في اماكن عملهم، او لدى مقوﻻت حاذقة تحرضهم للتخلي عنك ، يصطفون بهواتفهم ويمنحوك دافعا ضروريا ، لإيجاد صديقة تشرح لك اتجاهات أخرى لمعاني أكثر دلالة في المستقبل، وإن بدت لك رطبة و رخوة ، الا انها تشرح لك شيئا فشيئا ، أن منطق الرخو سيكولوجية قبيلي جلف عليك التخلص منه ، لتبدوا أخيرا بلا مدامك تفصلك جدرانها عنك ، بعيدا عن الغارات و الإنتباه، اللذين يحتاجهما شيخ القبيلة كطقوس مرمزة في اجتماعيتك المستلبة ، حتى تغدوا ارجوحة تخلت عن ثبات فطري ينال من وجودك خال الوجد.
تعز هذه مدينة تصطفيك “بتماسف” بهدف يستحق ان تزيح عنه بولوتاريتك، وتؤسس عليها نضال فكرة ، تستحق شغفك المؤسسي، كلما اطرقت متابعا حركة الموظفين، الذين تقلهم حافلات يومية الى مؤسساتهم ومصانعهم ، وتحقق هذه اللحظة مقاربة رأسمالية جديرة بالتجربة، ولو في الوعي حيث تتأسس فيك ، بنية الاندفاع للتغلب على رتابة وتكرار فكرة محدودية الحياة ، تعز هي كم كبير من حركة المدينة ، التي ﻻ تؤمن بالنفعية الاستغلالية، مجتمع يتئآزر ويتوائم ، ويلبي احتياجات بعضه البعض ، مشكلين مشهدا يستحق التنبؤ، بفكرة الاندماج الفاعل في اطواره المدنية المتقدمة ، رغم تأثير رجعية اسقاطات المركز ، واستغلالها المتعمد لضمان عدم مجاوزة المدينة ، للخطوط التي تمدها بالحواظن المناسبة، لتغدو جنينا يستحق العناية ونموذجا يكاد أن يحقق اول نجاحات المشروع الوطني ..
* من قصاصة ورق كتبتها في أحدى بوافي شارع حوض الأشراف ذات مساء عجيب

  • Related Posts

    إسطنبول التي لم أزرها بعد

    يمنات محمد المخلافي تقف تركيا اليوم كقوة إقليمية وجسر حضاري يربط بين الشرق والغرب، جامعةً بين مجد الماضي وتطلّع المستقبل. أحب تركيا، وأعشق جمال طبيعتها، مدنها وريفها، وثقافة أهلها وتفاصيل…

    جمعيات اليمنيين في المهجر الأوروبي: عندما يصبح اللقب أكبر من العمل

    يمنات حميد عقبي منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، اتسعت دوائر الهجرة واللجوء، وتوزع اليمنيون على بلدان كثيرة، بينها دول أوروبية لم تكن تضم جاليات يمنية كبيرة من قبل. ومع…

    You Missed

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء

    العثور على يد مبتورة في مقبرة بصنعاء

    سائقو النقل الثقيل يطالبون بوقف الجبايات على طريق تعز – عدن

    سائقو النقل الثقيل يطالبون بوقف الجبايات على طريق تعز – عدن

    جيبوتي تحذر من موجة نزوح يمنية متصاعدة وتكشف رقمًا مقلقًا للاجئين

    جيبوتي تحذر من موجة نزوح يمنية متصاعدة وتكشف رقمًا مقلقًا للاجئين

    مثقفون يمنيون يناشدون سلطة صنعاء الإفراج عن الدكتور المضواحي وإعادة اعتباره

    مثقفون يمنيون يناشدون سلطة صنعاء الإفراج عن الدكتور المضواحي وإعادة اعتباره

    خبير طقس يتوقع أمطارًا متفرقة وعواصف رعدية على مناطق واسعة من اليمن

    خبير طقس يتوقع أمطارًا متفرقة وعواصف رعدية على مناطق واسعة من اليمن

    قراءة نص “ضمير هو” في ديوان “والموت لا يكتب الخاتمات” لـ “سحر عبده”

    قراءة نص “ضمير هو” في ديوان “والموت لا يكتب الخاتمات” لـ “سحر عبده”