عن التخلُّف والشخص المتخلف

يمنات

ضياف البراق

التخلُّف خللٌ في الرؤية، يصاحبه مرضٌ في النفس، وهذا الوباء (أي التخلُّف) سلوك كارثي جدًا، ومؤذٍ بشكلٍ من الأشكال، وله أكثر من صيغة، وشكل، ومصطلح، أو هكذا أظن. 

والشخص المتخلف، هو ذلك العنصري في نظرته، أو التافه في سلوكه، أو المنافق في أقواله وتصرفاته، وأحيانًا هو ذلك الإرهابي الذي يدعونا إلى الله ويحب الخير، وهكذا.

الرجل المتخلف، كائن بائس في الغالب إن لم يكن دومًا، (مسكين جدًا)، جميل في حين، وقبيح في حين آخر، والرجل الأناني هو متخلف، والمثقف المتعصب أو الانتهازي متخلف أيضًا، وهذا الأخير أخطرهم دون شك في ذلك!

والمتخلف من زاوية آخرى، هو شخص مهجوس بالفراغ، ظلامي لسببٍ من الأسباب، عاجز عن التصالح مع ذاته أو مع غيره، وعاجز كذلك عن فهم واقعه أو عن التعايش فيه على نحو طبيعي. كما أن الشخص المتخلف لا يبالي بشيء حين لا يرتبط الأمر بنفسه أو بمصالحه، إنه كائن لطيف للغاية في انحطاطه ومثير للشفقة من خلال تصرفاته التي تسيء لذاته أو للحياة عامة. فهو بحال من الأحوال يُعرِّض نفسه للهلاك أو للاستعباد أو يمس غيره بالأذى، وفي كلا الحالتين لا يعني له الأمر شيئًا. 

وهناك متخلف آخر يدهشني جدًا؛ هو ذلك الشخص البائس حين يرضى بالذل والمهانة أو يأبى أن يتحرر من العبودية والخضوع لسلطة الحاكم المستبد أو من التهميش والظلم الاجتماعي، ويفعل ذلك بكل إصرار ومن تلقاء إرادته لأنه يؤمن بالقضاء والقدر، وأي خروج عن هذا القدر يُعتبَر خروجًا عن الدين وعن طاعة الله، وهذا ما نشاهده اليوم ويتجلى لنا بوضوح مقرف في مواقف كثيرة.

التخلف مرضٌ مُعقَّد وعميق الجذور، مرض خطير جدًا! فهو إذا لم يجعلنا نعيش حياتنا في استقرار نفسي، يجبرنا أن نعيش في خراب وضياع اجتماعي، وقد يجعلنا (لا شيء!) كما هو الحال لدى الموتى! فالتخلف مثل التسوِّل تمامًا، كلاهما يهدر كرامة المرء!! 

وأنا لا أنكر أنني متخلف في أمر من الأمور أو في وقت من الأوقات، وكذلك صديقي (فلان) ذو العقل السطحي والحس النمطي، صديقي المُقلِّد لغيره، هو شخص متخلف بلا جدال، لكنه لا يعترف بذلك، وتلك لعنة خَطِرة ستنقلب ضده في يوم من الأيام.

والذين لا يكترثون لأحزمة الأمان حين يرتادون السيارات أو غيرها، أو لا يحترمون رجل المرور، أو لا يساعدون عامل النظافة أو يحتقرون وظيفته النبيلة الشريفة، هم متخلفون، متخلفون بالمعنى الأسوأ للكلمة. (بالمناسبة: تحية كبيرة لرجل المرور، وتحية أخرى بنفس الحجم لرجُل النظافة).

فالمتخلف شخص بائس حدّ السخرية؛ فهو يقتني الصحيفة أو الكتاب أو المجلة؛ ليتباهى بذلك فقط في محيطه، لا من أجل قراءتها والإفادة منها، إنه يهوى أن يصفه الناس بـ«المثقف!»، بينما هو يخدع نفسه ويمارس التفاهة كلها بتصرفه الفاشل هذا! 

والمتخلف اللعين، رجُل منافق أمام غيره، إذ يدّعي التحرُّر لنفسه، فهو طويل اللسان وقصير الضمير؛ يحدثك بحماسٍ رفيع في المواضيع التقدمية والضرورات العصرية، كما يسرد لك حقوق المرأة مُمَجِّدًا لهذه الحقوق؛ فيما هو، في الحقيقة، كهنوت ظلامي كبير داخل منزله وفي محيطه العائلي؛ فهو يضطهد المرأة ويحتقر حقوقها أو ينصب إرثها كما يفعل الحاكم القذر بشعبه في الواقع على نحو يناقض ويجافي خطاباته الرومانسية والمحترمة زيفًا.

المتخلف المريض، بل الخطير، يملك في منزله مكتبة كبيرة فاخرة، مكتبة لا يقرأها ولا يجلس فيها..لكن هذه المكتبة الميتة تحقق له ما يريد من غيره. 

والمتخلف رجُل معجب بمنديل أم كلثوم أو بشهرتها الكبيرة، وليس بالأداء والفن الذي تقدمه، وهو أيضًا يتعاطى القهوة وأغاني فيروز كل صباح، لكنه لا يتأمل أي شيء، ولا يرغب بذلك؛ ويا له من كائن مبتذل! (طبعًا لا أثق بذلك الذي لا يتأمل! التأمل حياة الرائعين الأنقياء، ومن لا يتأمل في تفاصيل الوجود أو في نفسه، لن يرقى ذوقه أبدًا ولن يعرف معنى الحياة). ولا أجمل من ذلك الشخص اللافت، الشخص المتخلّف الذي يرتدي ربطة العنق (الكرافتة) دومًا، في الليل والنهار وكأنه لا يرى رجولته إلا فيها، بينما هو يستعين بغيره يربطها له على عنقه، فهو طبعًا لا يجيد ربطها!

والشخص المتخلف معجب دائمًا بسيرة القائد العظيم، الراحل (فلان)، رغم أنه لم يقرأها البتة، لكنه حفظها من ألسنة الناس واثقًا منها، كذلك هو معجب جدًا بشخصية ذاك الرئيس الشجاع ويحترم أناقته، ويغفل بشاعة سياسته وممارساته الإجرامية بحق الناس، وهكذا.

طبعًا، المتخلّفون محظوظون أكثر من غيرهم، هم أصحاب الكلمة المسموعة في المجتمعات العمياء، والأكثرية تخضع لهم وتطيعهم، ولهم شهرة مرموقة في الواقع وفي الفيسبوك أيضًا ههه، وهم السعداء في أحيان كثيرة. وهنا يصدُق قول الإنسان العظيم دوستويفسكي “لا حظَّ إلا للأغبياء!”. والمتخلّفون يحبّون بعضهم بعضًا، والرائعون ليسوا كذلك، وتلك مشيئة الريح.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

Related Posts

الصورة والانعكاس

يمنات منال هاني* تخيّل مرآةً سحرية: تقف أمامها، ترى صورتك كما تحب أن يراك العالم. ابتسامة مثالية، حياة مليئة بالإنجازات، آراء جريئة لا تخشى أحدًا. ثم تدير ظهرك للمرآة وتعود…

Trend Waves: A Revolution of Normalization and the Reframing of Concepts

Yemenat Manal Hani In the world of social media, the trend wave has become the most powerful cultural and social force of our time. A fleeting moment, whether unusual, absurd,…

You Missed

قيامة الملح

قيامة الملح

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن
Your request was blocked.