العرب والذاكرة المثقوبة

يمنات

د. عبد العزيز المقالح

كثيرة هي التجارب المريرة التي مر بها العرب في الثلاثين عاماً الأخيرة، ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين خاصة. وكانت هذه التجارب كفيلة – لو كانت الذاكرة العربية غير مثقوبة- أن تمنع الكثير والكثير مما حدث ويحدث. ومن أوضح تلك التجارب وأكثرها حضوراً العلاقة غير السوية بين العرب وجيرانه في الإقليم والدول الحليفة والمعادية، ولعل أسوء ما تصاب به الشعوب المصابة بالذاكرة المفقودة استسلامها للتناقضات في مواقفها، وهذا ما يعانيه شعبنا العربي في هذه اللحظة الفارقة من تاريخه.

أن علاقتنا غير السوية بجيراننا وبغيرهم قد شجع البعض من هؤلاء وهؤلاء على الانتقاص من قدراتنا، وأوجد ما يشبه الطمع في إمكانية إضعاف السيادة العربية والاستيلاء على بعض أراضيها، وهو شأن خطير ما كان له أن يحدث لولا حالة إهمال الإفادة من التجارب والوعي المسبق بما غيبه الأخرون لشعب فقد ذاكرته ولم يعد يستفيد من مخزون تجاربه الكثيرة. وفي مثل هذه الحالة لا يجدي الشعوب أن تعتمد على المنظمات الدولية أو الرأي العام الدولي وغيرها من الأسماء التي لا وجود لها في واقع الحياة والناس وما هي إلاَّ أشكال خادعة مظللة في أغلب الأحيان.

هل ما يزال في الإمكان ترقيع الذاكرة العربية المثقوبة والاستعانة بما كانت قد اختزنته هذه الذاكرة قبل أن تصاب وتفقد أهميتها؟ من وجهة نظري أن ترقيع هذه الذاكرة ممكن وأن اصلاحها ممكن أيضاً فكثيرة هي الشعوب التي عادت إلى الواقع وتجاوزت محنتها بعد غياب طويل ، ولا أريد أن أضرب أمثلةً على ذلك فأكثر شعوب الأرض التي تسابق الزمن وتسعى إلى احتلال مواقع جديدة وهامة في حياة الناس هي تلك التي نجحت في تجاوز مراحل التعثر والانكسار. ولشعبنا العربي في تلك الشعوب قدوة حسنة لو أراد أهله أن يتغيروا وأن يتخلصوا من واقعهم الذي أصبح مضرب الأمثال في العجز والتفكك والانقسام.

ولا أظن أن أقطارنا العربية والخاضعة للحروب والمنازعات تفتقد إلى قوى واعية ومدركة لهذه المعاني، بل ما يزال بإمكانها أن تعلن عن موقفها واستنكارها لما يحدث بين الأشقاء وأبناء المكان الواحد والتراب الواحد من اقتتال ودماء خارج مما تفرضه الظروف الطبيعية لمواجهة العدوان الخارجي والتدخلات الاستفزازية التي باتت عملاً يومياً نشهد أثاره هنا وهناك. لقد كانوا في عشرينات القرن الماضي يتحدثون عن الإمبراطورية العثمانية ويصفونها بالرجل المريض وهم الآن يتحدثون عن الوطن العربي بوصفه الرجل المريض المهيأ للانحلال والتقاسم لكنهم سوف يكتشفون أن هذا الوطن الكبير بأبنائه وتاريخه غير قابل لمثل هذا المصير، وأن قواه الخلاقة قادرة على مقاومة الضعف الظاهر والخروج من نفق التفكك، وإن غداً لناظرة قريب، كما قال المتفائلون من أبناء هذا الوطن الذي يعاني من حالة انكسار مؤقت وضعف عابر.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

Related Posts

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

يمنات في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، سلطت الكاتبة كاترين بينهولد الضوء على تقرير للكاتب الأمريكي جيم تانكرسلي، الذي استعرض أربعة خيارات محتملة للتعامل مع التهديدات في مضيق هرمز. ووفقًا…

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

يمنات – صنعاء أكد عضو المجلس السياسي الأعلى، الفريق سلطان السامعي، أن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومدير مخابراته حول استعادة الطيارين الذين سقطت طائراتهم في…

You Missed

قيامة الملح

قيامة الملح

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن
Your request was blocked.