كيف دفع انتصار غزّة الجيش الأمريكي لإلغاء قراره بشِراء منظومة القبة الحديدية؟

يمنات

عبد الباري عطوان

تتوالى الصّدمات على دولة الاحتِلال الإسرائيلي من الأرجاء الأربعة تقريبًا، ابتداءً من الفشل شِبه المُؤكَّد لزِيارة نفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي لواشنطن، وانشِغال الرئيس الأمريكي بالنّكسات التي تُواجهها بلاده في أفغانستان بسبب قراراته المُرتبكة بالانسِحاب، والفشَل الاستِخباري في تقدير الموقف قبل وأثناء، وبعد، اكتِمال هذا الانسِحاب، انتهاءً بالقرار المُفاجِئ للجيش الأمريكي بعدم شِراء نظام القبّة الحديديّة وتفضيل نظام Dynetics “داينتكس” المملوك لشركة Leidos الأمريكيّة.

لنَترُك زيارة بنيت جانبًا مُؤقَّتًا، ليس لأنّ الرئيس الأمريكي لا يَملُك الوقت لاستِقباله فقط وإنّما لعدم رغبته في بحث أيّ مَوضوعٍ آخَر، في ظِلّ الكوارث والهزائم التي تلحق بأمريكا في الشّرق الأوسط، وقد يكون التَّدخُّل العسكري في أفغانستان آخِرها، لأنّ “الضّيف الثّقيل” بينيت يَحمِل في جُعبته عدّة خطط أبرزها “توريط” أمريكا في حَربٍ أُخرى في إيران، والحِفاظ على التّفوّق العسكري الإسرائيلي النّوعي في المِنطقة، ممّا يعني “حلب” عدّة مِليارات إضافيّة من الخزينة الأمريكيّة.

***

رفض الجيش الأمريكي شِراء نظام “القبّة الحديديّة” الأمريكيّة يُعتَبر أكبر نكسة للصّناعة العسكريّة الأمريكيّة ومبيعاتها لدُوَلٍ عديدة من بينها كوريا الجنوبيّة والعديد من الدّول الأعضاء في حِلف النّاتو، لأنّه يعني تراجع الثّقة بمنتوجات هذه الصّناعة، ليس في ميدان الأنظمة الدفاعيّة هذه، وإنّما في ميادين الرّادارات، والدبّابات والعربات المُدرَّعة والتّكنولوجيا العسكريّة في مجالات الرّصد والتَّجسُّس.

صُدور هذا القرار بعد ثلاثة أشهر من حرب غزّة الأخيرة (سيف القدس) يُؤكِّد أنّ فشَل منظومات القُبَب هذه في التّصدّي بفاعليّة لصواريخ فصائل المُقاومة في قطاع غزّة هو من أبرز العوامل التي دفَعت قيادة الجيش الأمريكي للتّراجع عن خططها في شِراء هذه المنظومات، وتفضيل أُخرى غيرها.

فإذا كانت حرب تمّوز (يوليو) عام 2006 قد دمّرت سُمعة دبّابة “الميركافا” الإسرائيليّة، ودفعت دُوَلًا عديدة مِثل الهند لإلغاء عُقود بأكثر من مِلياريّ دولار لشِراء دُفْعَةٍ منها، فإنّ صواريخ قطاع غزّة فعلت الشّيء نفسه بمنظومات القبب الحديديّة “فخر” الصّناعة العسكريّة الإسرائيليّة، وهذا الإنجاز اللّافت لحركات المُقاومة في جنوب لبنان وقِطاع غزّة لم تُحَقِّقه أيّ من الحُكومات العربيّة وجُيوشها على مدى سبعين عامًا مُنذ بداية الصِّراع العربي الإسرائيلي، رُغم مِئات المِليارات التي أنفقتها على شِراء صفقات الأسلحة سواءً الأمريكيّة أو الروسيّة منها.

البطاريّة الواحدة من هذه المنظومة تُكَلِّف الحُكومة الإسرائيليّة 5 ملايين دولار، بينما تَبْلُغ كُلفَة كُل صاروخ 62 ألف دولار، حسب ما جاء في مجلّة “I.H.S ” جونز الأمريكيّة، بينما لا تتجاوز قيمة تكاليف الصّاروخ الواحد المُصَنَّع محَليًّا في مصانع غزّة “الكُبرى” ألفيّ دولار في أفضل الأحوال، إن لم يَكُن أقل لأنّ جميع المواد المُستَخدمة في تصنيعه محليّة.

الحُكومات الأمريكيّة تعهّدت بسدّ العجز في مخزونات هذه القُبَب الحديديّة من الصّواريخ التي فَرُغَت أثناء حرب غزّة الاخيرة وأطلقت أثناءها فصائل المُقاومة أربعة آلاف صاروخ، فكيف سيكون الحال لو كانت الحرب مع حزب الله على الجبهة الشماليّة الذي يَملُك 150 ألف صاروخًا في مخازنه في باطِن جِبال الجنوب اللّبناني الشّامخة أو ضدّ إيران التي يُريد بينيت إشعال فتيل الحرب معها لمَنع امتِلاكها أسلحةً نوويّة.

***

أيّام دولة الاحتِلال الإسرائيلي المُقبلة ستكون صعبةً للغاية وحافلةً بكُلّ أنواع الرّعب والهلع، فأمريكا وبعد هزيمتها المُخجِلَة في أفغانستان ستنطوي على نفسها، ولا تُريد أن تسمع كلمة “الشّرق الأوسط” حتى لا تُصاب بالغثيان والإغماء، فإذا كانت البالونات الحارقة التي يُطلِقها شباب القِطاع تُرهِبها، وتجعلها تهرع إلى القاهرة طالبةً وقفها وتُسارِع بتخفيف حدّة الحِصار في المُقابل فإنّ حجم الرّعب هذا سيتضاعف في حالِ بدأت فصائل المُقاومة تلجأ إلى مخزونها من الصّواريخ الدّقيقة.

نَكتُب هذه المقالة قبل انعِقاد اللّقاء الذي تأجّل بين بايدن وضيفه الإسرائيلي بينيت، وظُهور نتائجه، أو بعضها بالتّالي، ولكنّنا بتنا نُدرِك جيّدًا أنّ الرئيس الأمريكي ليس مُستَعِدًّا للاستِماع، أو التّفكير، بأيّ شيء آخر غير كيفيّة تقليص حجم نكباته المُتواترة في أفغانستان، وآثارها السّلبيّة عليه وحزبه الدّيمقراطي، ومن ضِمنها الرّحيل عن البيت الأبيض.. واللُه أعلم.

المصدر: رأي اليوم

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

Related Posts

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

  Yemenat  Interview by Mohammed Al-Mekhlafi Abil Hasanov came of age during a defining chapter in Azerbaijan’s history. He lived through the final years of the Soviet Union and the…

المبعوث الأممي يصل عدن

يمنات وصل المبعوث الأممي، هانز غروندبرغ، الاثنين 6 إبريل/نيسان 2026 إلى عدن، جنوب اليمن. وقال مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، على حسابه في “إكس”، إن زيارة غروندبرغ تأتي في إطار…

You Missed

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن

الصورة والانعكاس

الصورة والانعكاس

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة

في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو

في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الإثنين 06 إبريل/نيسان 2026

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الإثنين 06 إبريل/نيسان 2026
Your request was blocked.