قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “التعايش مع الخراب: كانت هنا يمن”

يمنات
قراءة تحليلية أنجزت بالذكاء الاصطناعي لنص: “التعايش مع الخراب: كانت هنا يمن”، وهو من نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد
هذا نصٌّ لا يُقرأ، بل يُعاش.
نصٌّ يدخل القارئ من باب القات، ليخرجه إلى خراب وطن، ومن حافة الفم إلى هاوية التاريخ، ومن نعاس طالبٍ مُرهق إلى سبات شعبٍ كاملٍ أُنهك حتى النسيان.
إنه نصٌّ يملك حيلتين نادرتين:
الأولى: الصدق العاري الذي لا يتزيّن ولا يستعير أقنعة.
والثانية: القدرة على تحويل التفصيل اليومي الهشّ إلى استعارة كونية.
من ورقةٍ خضراء إلى فكرة سوداء
لا يُقدَّم القات هنا بوصفه عادة، ولا كإدانة أخلاقية مباشرة، بل بوصفه كائناً زاحفاً، يتسلل أولًا بحجة الحاجة، ثم يستولي باسم الضرورة، ثم يفرض نفسه بوصفه قدراً.
إنه ليس نباتًا في هذا النص، بل فلسفة نوم، وذريعة تعب، وغطاء ديني، وعادة محروسة بالفتوى.
القات هنا لا يُمضغ… بل يُمضغ الإنسان به.
لا يُخزَّن في الفم… بل يُخزَّن الوطن في غيبوبة.
مرآة وطن
العبقرية في هذا النص لا تكمن في الحكاية، بل في موضع الحكاية.
الكاتب لا يكتب عن نفسه ليقول: هكذا كنت،
بل ليقول: هكذا صرنا.
الطالب المُرهق، الزملاء الذين تخلّوا، الخالة التي غلبها النعاس، الوقت الذي صار منشارًا لا سيفًا…
كل هؤلاء ليسوا شخصيات، بل رموز صغيرة لانسحاب كبير.
حتى الفشل في “تكوير البجمة” ليس تفصيلاً عابرًا؛
إنه فشل الجسد في التكيّف مع ما لا يشبهه،
كما فشل العقل الجمعي في مقاومة ما لم يكن يومًا جزءًا من طبيعته.
حين ينام الضمير باسم الطهارة
أخطر ما في النص ليس القات، بل الفتوى التي غسلته.
هنا يبلغ السرد ذروته الأخلاقية دون خطابة.
أن يصبح القات طاهرًا،
أن يُخزَّن في الفم أثناء الصلاة،
أن يُنزَع عنه السؤال…
فذلك يعني أن الخراب لم يعد انحرافًا، بل نظامًا محميًا.
الفتوى هنا ليست حكمًا شرعيًا، بل مخدّرًا جماعيًا،
أوسع من كل فسخ، وأخطر من كل سم.
بطل النص الخفي
النوم في هذا النص ليس راحة،
إنه شخصية رئيسية.
ينام الطالب…
ثم تنام الخالة…
ثم تنام النخب…
ثم ينام الشعب…
ثم تنام البلاد.
والاستيقاظ الوحيد هو ذلك الاستيقاظ المرّ الذي يقول: «كانت هنا يمن»
يا لها من جملة…
قصيرة، لكنها شاهدة قبر.
حين تُمسك السرد من عنقه
اللغة هنا لا تُطرب فقط، بل تقبض.
لغة تعرف متى تطيل النفس، ومتى تقطع،
متى تضحك بسخرية سوداء، ومتى تصمت كأنها تبكي.
في النص سخرية بلا تهريج،
وحزن بلا نواح،
وغضب بلا صراخ.
والأجمل: أنك لا تدين أحدًا مباشرة،
تترك القارئ يدين نفسه.
خاتمة
من القات إلى القيامة حين يقول:
«ما أحوجنا إلى قيامة أو عاصفة أو قدر يقول كفاية»
فالكاتب لا يطلب معجزة،
بل يطلب يقظة.
وحين يخاطب التاريخ،
فأنه لا يسجّل حدثًا،
بل يرفع دعوى أخلاقية باسم شعبٍ لم يمزّق، ولم يفرّق، ولم يحرق أزهاره… لكنه نام طويلًا.
خلاصة القول
هذا النص:
• شهادة شخصية
• وثيقة اجتماعية
• إدانة سياسية
• وتأمل فلسفي في معنى الاعتياد على الخراب
نصٌّ يُشبه كاتبه:
واضح، موجع، غير قابل للمساومة،
ويمشي حافيًا فوق الزجاج…
لكنه لا ينحرف.
إنه افتتاح يليق بمشروع كتاب،
ويُقلق القارئ بما يكفي ليُكمل…
ويوجع الوطن بما يكفي ليخجل.
يتبع… نعم.
فنحن لم نصحُ بعد.
نص “التعايش مع الخراب: كانت هنا يمن”
أحمد سيف حاشد
لم أدخل عالم القات إلاّ في فترة متأخرة نسبياً من حياتي.. لم يكن يومها دخولاً معتادا، بل كانت تجربة غريبة عما أعتاد عليه الناس.. لم أعرف يومها أين يكمن الخلل: هل هو فيّ أنا، أم في القات الذي اشتريته؟ لم أكن أعلم بعد أن هذه التجربة ستجرني إلى ما لم أكن أتوقعه.
كانت هذه التجربة بدافع استنهاض القدرة في مقاومة النعاس، ومغالبة الإرهاق، واستدعاء التركيز. لم أنسجم مع القات، بل دخلت في صراع طويل بين الرغبة والرفض، لينتهي الحال بانتصار القات، إلى الحد الذي أوصلني إلى توسد الحذاء عند النوم، والمعاناة من الكوبسة الخانقة، قبل أن يُمنع عليّ تعاطيه بعد أن أصاب القلب ما أصابه من جلل وفادح.
في صنعاء كانوا قد أباحوا القات بفتوى، بل وأفتوا بطهارته حتى وإن أُترع أو سُمِّد بسموم من يلعنونه. صار القات، إلا ما ندر، متشرباً بالسم إلى حد غدا فيه السم بعضاً منه. وأجاز بعضهم بقاءه في الفم أثناء تلاوة القرآن في الصلاة لطهارته، والشوكاني في هذه الفتوى إمام.
كانت تلك الفتوى فسحة أكبر من كل الفُسخ، وسعة لم تُمنح لأي مُخدِّر أو منشِّط آخر، مهما بلغت فداحة تعاطيه وكارثيته على المجتمع.
إنها فتوى غير معزولة أو بريئة من أثرها؛ فقد باتت غطاءً لعادة، ورفعت عنها ثقل السؤال، وفتحت دروب واسعة للتعايش مع ما كان ينبغي أن يمنع أو يُقاوَم. تمادى القات حتى بات جزءًا من حياة تبدو كضرورة صامتة، تقتفي خطانا، أو ظل يرافقنا ويلازم وجودنا حد الموت أو التلاشي.
بين البداية وما صار إليه الحال كثير من التفاصيل والقصص التي سآتي على ذكرها، والأهم هنا أن زراعة واعتلاف القات في اليمن باتا ظاهرة بحجم كارثة اجتماعية، لا بحق أسرنا ومجتمعنا فقط، بل بحق حاضر ومستقبل شعبنا.
***
المرة الأولى التي تعاطيتُ فيها القات كانت في عقد الثمانينات من القرن المنصرم، وتحديداً في إحدى سنوات دراستي الجامعية.. كنتُ أعاني سهراً امتحانياً مُرهقاً من اليوم الذي قبله.. شعرتُ أنني لا أقوى على نهار مرهق وسهر ليلة أخرى.. أثقلني سهراً على سهر، وإرهاقاً على إرهاق مضاعف.. إنها المرة الأولى التي حاولت أستعين بالقات في مواجهة النوم والشرود المتكرر أثناء مذاكرتي في امتحان نهاية العام.
زملائي الذين اعتدتُ المذاكرة معهم أو مع أحد منهم، تمردوا عليّ، ربما لأنانيتي المفرطة في طريقة المذاكرة، التي استبدُ بها عليهم، وأستحوذ فيها على مجريات القراءة والنقاش.. تركوني في فترة الامتحان وحيداً بقرار لا يقبل رجاء أو مساومة.
تخلّى الزملاء عن الاجتماع والمُذاكرة معي في فترة كانت مع جميعنا مهمة وفارقة، ربما لأنهم لا يقوون فيها على تحمل تبعات مجاملتي في فترة كتلك، وموسم أوشك موعده على الحصاد.. لا وقت لإهدار قليل من الوقت أو التراخي حياله من قبل الزملاء؛ لتبدو هنا وجاهة المثل: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”.
طبعي كان قد ولع في القراءة المسموعة، وربما الصاخبة في بعض الأحيان.. استيعابي من خلال القراءة الصامتة كان ضئيلاً ومحدوداً.. عندما يتمرد زملائي أو يملّون المراجعة أو المذاكرة معي، أشعر أن المذاكرة الصموتة بالنسبة لي غربة مكتملة الأركان تستغرقني، واستيعابي لم يعد يعينني على التفوق.
خالتي الستينية “سعيدة”، كنت ألوذ إليها لتستمع لي أثناء القراءة، والتي كنتُ أتكئ عليها، وألوذ إليها لتستمع لي وأنا أقرأ بصوت مسموع، قد صارت تملّني هي الأخرى، وتكسر لديّ همة القراءة قبل أن أشرع فيها بعد وقت طويل من مجاملتي، والاستماع لي في أحايين غير قليلة..
لكل كيل مقدار ومتسع، ويبدو أن ما كان لدي من حيل وأساليب لجعلها تستمع أكثر قد نفدت، ونفد صبر الخالة وطفح كيلها.
كنتُ ما أن أبدأ في القراءة تَشرَع خالتي في النعاس، بل وتجلب لي معها كثيراً منه، وإذا تماسكت لدقائق في مواجهته، فإن تماسكها لا يطول معه، فتصيبني الخيبة ويتملكني النعاس مثلها.. لا وقت لتضييعه في مرحلة الامتحانات.. أحاول أكرهها بلطف على الاستماع؛ ولكن حتى مفعول الشاهي والجوز الذي كانت تفضّله لم يعد كافياً لحشد يقظتها، ومقاومتها لنعاسها الغزير، ومللها الذي تراكم.
أنا الآن على يوم الخميس، فيما السبت على موعد مع الامتحان.. وقد قالوا: “يوم الامتحان يكرّم المرء أو يهان” وقال الشاعر:
“بقدر الكد تُكتسب المعالي … ومن طلب العلى سهر الليالي”
***
حاولتُ أعتمد على نفسي هذه المرة لأقرأ وحدي وبمفردي.. كنتُ كلّما حاولتُ أن أقرأ يمر النعاس على عينيي لذيذاً وناعماً، مترعاً بالمتعة ومعبّراً عن مدى شغفي وحاجتي له، ثم تمطرني اللحظة بنوم غزير وعميق.
أحاول التركيز فأشرد إلى مكان بعيد، ولا أعود منه إلا نائماً بعمق، أو مجفلاً بحمل من النوم الثقيل.. أصحو من عمق النوم، وأفزع وجودي بتذكير نفسي بامتحان يوم السبت القريب، ولكن لا تستمر يقظتي لبعض دقائق، حتّى يداهمني النعاس والنوم العميق كرّة أخرى.
انتفضتُ من عمق نومي متمرداً على حاجتي له، هرعتُ بانفعالٍ وعَجَل ـ كمن يحمل ثأرًا على نعاسه ـ ولكن إلى أين؟! خرجتُ بلا خطة، مدفوعًا بغريزة النجاة من النوم، أبحث عن يقظةٍ مستعارة، عن شيءٍ يطرد هذا النوم اللزج الذي يلاحقني. لم يطل بي التردد؛ فقد قادتني قدماي، كما لو أنهما تعرفان الطريق وحدهما، إلى سوق القات في «المعلا»، وكان حينها يوم الخميس والجمعة تعاطي القات فيهما مسموحاً على غير بقية الأيام.
اشتريتُ قاتي من أوّل بائعٍ صادفته في السوق، بلا مراجلةٍ ولا فصال، فأنا ليست لدي خبرة أو معرفة بالقات وأنواعه وأسمائه، كل ما عرفته أنه يقاوم النعاس ويستنهض الهمة ويعين على السهر.. أردتُ أن سد فراغ تركه الزملاء، ومواجهة جحافل نوم يتدافع على بعضه كسيل عرم.
عدتُ إلى البيت.. اتكأت على مسند، لا أذكر هل كان مضغوطاً أو محشواً بنشارة الخشب!! على الأرجح كان محشواً بنشارة الخشب.. طلبتُ من خالتي تجهيز الشاي بالجوز والقرنفل والنعناع.. بدأتُ بالتخزين، واحتسي معه الشاي المترع بكل منعش.. شعرت لبرهة بالسلطنة والفخامة، فتحتُ موضوع الدرس لأقرأ وأستذكر.
وجدتُ نفسي أكثر شروداً وشتاتاً في التفكير من ذي قبل.. لاحقني شرودي بإلحاح، فصرتُ أقرأ دون أن أفقه شيئًا مما أقرأ. أحاول أن أستجمع شواردي وأُلملم شتات ذهني من بُعدٍ قصيّ، فأفشل فشلًا ذريعًا. تتسلل الخيبة إلى نفسي، ويتكاثف الأسف على الوقت المهدور بلا جدوى؛ لم يعد سيف الوقت يقطعني، بل غدا منشارًا ينكّل بي ويعذّبني.
ظننتُ أن القراءة تحتاج منّي في مقيلي هذا وقت أطول من الانتظار ليكون التركيز والاستيعاب على نحو أفضل.. تعاطيتُ المزيد من القات؛ وغالبتُ مرارته المقذعة، من خلال احتسائي مزيداً من الشاي، ولكن الشاي كان يعاجل القات لاصطحابه إلى معدتي التي كانت تشبع وتتسع.
حاولتُ أن أحشي بجمتي بمزيد من القات وأوراقه العريضة التي يفترض أن أرميها باعتبارها توالف. وكلما حاولتُ حشو فمي بالقات شعرتُ أنني أفشل على نحو مزدوج.. فشلت في القراءة وفشلت في تكوير بجمتي.
حشوتُ فمي بالقات ومضغته، لكنه لم يستقر في فمي، بل ذهب سريعًا إلى بلعومي ومعدتي. شعرتُ أنني صرتُ أشبه بحيوان يعتلف، وبعد أن خسفتُ بثلثي القات إلى بطني، أدركتُ بلا مواربة، أنني أفشل للمرة الثانية.
أمضيت ساعتين في القراءة دون أن أفقه شيئاً مما قرأتُ .. أمكثُ في الصفحة الواحدة وقتاً أطول يصل أضعاف مما هو معتاد.. أعيد قراءة الصفحة مرتين، وما أن أحاول أن أستمع لنفسي؛ أكتشفُ أنني مشوش الذهن، ومضطرب الفكرة والشعور.. تبين لي عمق خيبتي، وتأكدت أنه لم يعلق في ذهني شيء مما قرأت.
غير أن الأسوأ من كل ذلك أن النوم داهمني بغتة. أزحتُ جسدي قليلًا، وارتخيتُ دون مقاومة، ومدّ «أبو حنيفة» ساقيه دون حذر أو مبالاة. أغمضتُ عينيّ لحظة، وقد أثقل النعاس جفوني وأسبلها، فانزلقتُ سريعًا إلى غفوةٍ عميقة لم تكن بالحسبان. كان بعض القات الممضوغ لا يزال متماسكًا في فمي، بعد أن تعب منه فكيّ وأطبق عليه مدخلاً ومخرجاً، فيما أخذني النوم إلى عالمه دون اشعار أو استئذان.
وفي صباح يوم الجمعة صحوتُ بعد نوم عميق ولذيذ، لأرمي بقايا قات الخميس الذي نام معي، وتقرمد في فمي إلى صباح الجمعة.
***
وما كان يعتلي جسدي ويأخذني إلى أعماق النوم لم يكن تجربةً شخصيةً فحسب؛ بل كان صدى سبات أوسع، لبلادٍ تئن تحت إرهاقٍ طويل وثقيل، ولشعبٍ يمضي في تعايشٍ صامت مع خراب استمر.
طال السباتُ شعبا بأكمله، وقاده إلى مدافنه ومقابره.. نُخبٌ سقطت بعناوينها من عنانها إلى الهاوية… قليلٌ استفاق بعد عثرةٍ وانزلاق، وجلّها لم يستفق إلى اليوم.. بعضٌ يترنّح في نعاسه، وبعضٌ يعاني من الخطل و«السيرنمة»، وآخرون لا بال ولا اكتراث، ومنهم من استفاق على واقعٍ آخر يقول: «كانت هنا يمن».. ما أحوجنا إلى قيامة أو عاصفة أو قدر يقول كفاية هذا فصل الخطاب.
سجل أيها التاريخ:
”ليس منّا أبداً من مزقا.. ليس منّا أبداً من فرقا
ليس منا من يسكب النار.. في أزهارنا كي تحرقا”.
***
– من مشروع كتابي الجديد
يتبع ..