جزءٌ من روحِ المدينةِ أُغلقَتْ أبوابُه

يمنات
محمد المخلافي
أثناء تصفحي لفيسبوك، لفت انتباهي خبر إغلاق مقهى (سكران) الشهير في سوق البز بحي الشيخ عبدالله، في قلب مدينة كريتر التاريخية. كانت مفاجأة حزينة، وكأن جزءًا من روح المدينة أغلق أبوابه.
هذا المقهى، الذي صمد لأكثر من مئة وعشرين عامًا، شهد حياة الناس اليومية وضحكاتهم وحكاياتهم. أغلق بسبب أزمة الغاز المنزلي التي تجتاح عدن.
كان المقهى ملتقى للأدباء والمثقفين وعامة الناس على حدّ سواء. منذ بزوغ الفجر، تراهم يأتون إليه، يحتسون الشاي العدني الملبّن الذي تشتهر به عدن، يضحكون ويتمازحون بلهجتهم العدنية الجميلة، ويتقاسمون خبز الطاوة والزلابية، ويتبادلون أحاديثهم عن شؤونهم اليومية وأحوال البلاد.
وبعد صلاة العصر، يزدحم المقهى بالرواد؛ بعضهم يلعب الضمنة، وآخرون يخوضون نقاشات في مختلف المواضيع، والأطفال من حولهم يركضون ببراءة. هكذا يظل المكان نابضًا بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل.
لهذا المقهى ذكرى خاصة بالنسبة لي، فقد كان نقطة لقائي بمحمد شبير، رفيق دراستي الجامعية، قبل أكثر من عشرين عامًا. كانت أيامًا بسيطة في تفاصيلها، واسعة في أحلامها. وكلما عدت إليه، أشعر بدفء الذكريات يتسلل بهدوء، وكأن السنوات لم تمر.
في كل زيارة إلى عدن، أحرص على المرور بالمقهى، ألتقي بشبير، ونحتسي الشاي معًا ونتشارك الذكريات. رغم طول السنين وبعد المسافات، يكفي أن أجلس هناك لأعود إلى تلك السنوات كما لو أنها لم تغادر يومًا.
كانت آخر زيارة لي قبل نحو شهر. التقيت بشبير وأخيه علي عند الساعة الثامنة مساءً. بدا المقهى شبه خالٍ، غارقًا في عتمة بلا إضاءة. سألت عن السبب، فأجابني شبير أن ذلك يعود إلى انقطاع الكهرباء المتكرر وظروف المعيشة الصعبة التي يمر بها الناس.
هكذا أصبحت عدن، بعد أن كانت مدينة تمنح العابرين شيئًا من روحها. مدينة أحبها الرحالة وكتب عنها الأدباء. وصفها أمين الريحاني بأنها مدينة عربية منفتحة على العالم، واعتبرها آرثر رامبو ميناءً صاخبًا بالحياة، بينما لاحظ جوزيف كونراد فيها روح مدن الموانئ، حيث تتوالد الحكايات بلا نهاية.
في أعين من مرّوا بها، بدت عدن مدينة سبقت زمنها، أكثر انفتاحًا من محيطها، وأقرب إلى معنى السلام اليومي، مدينة تحب بلا شروط.
نأمل أن تعود عدن كما كانت، شوارعها صاخبة بالحياة، ومقاهيها ممتلئة بالضحكات والحكايات، وأن يجد كل زائر فيها مكانًا يستعيد فيه ذكرياته ويشعر بدفء المدينة الذي لا يمحوه الزمن.