أدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد (“هبشة” بثلاثمائة ريال)

يمنات

هذه القراءة التحليلية لنص (“هبشة” بثلاثمائة ريال) – وهو من نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد – انجزت بتقنيات الذكاء الصناعي.

طبيعة النص وجنسه
النص سردٌ نثريّ تأمليّ يجمع بين:
• السيرة الذاتية الجزئية
• الشهادة السياسية
• المفارقة الأخلاقية
• السخرية السوداء

وهو ليس قصة قصيرة تقليدية، بل مشهد كاشف يُحمَّل أكثر مما يحتمل في ظاهره.

العنوان: دقّة وذكاء
«هبشة بثلاثمائة ريال»
• عنوان صادم وبسيط
• يحوّل فعلًا صغيرًا (هبشة قات) إلى قيمة أخلاقية كبرى
• الرقم (300 ريال) ليس تفصيلًا، بل ميزان كرامة

العنوان ينجح لأنه:
• لا يشرح
• لا يبالغ
• يترك القارئ يكتشف الثمن الحقيقي لاحقًا

بنية النص
محكمة وواضحة

أ. التمهيد (المجلس)
• المجلس = وطن مصغّر
• يتقاطع فيه:
• السلطة
• القمع
• الانتهازية
• الأمل
• توصيف ذكي بلا مباشرة أو شعارات

ب. التحوّل (الجرحى)
• انتقال موفق من العام إلى الخاص
• الجرحى ليسوا ضحايا عابرين، بل نتاج السياسة
• الوصف جسدي/إنساني لا استدرار فيه

ج. الذروة (الهبشة)
• الفعل صغير، لكن:
• التكرار = اعتداء
• الصمت = كلفة
• لحظة القبض على المعصم هي انفجار الكرامة

د. الانفراج الساخر
• القهقهة:
• تنقذ السارد
• تفضح الخلل الأخلاقي
• هنا تظهر ازدواجية الضمير: نضحك… بينما الحقيقة مُرّة

هـ. الخاتمة (التحويل الرمزي)
• القات → الراتب → القوت → الكرامة
• انتقال ذكي من المشهد إلى القارئ مباشرة

الصوت السردي
• صادق
• شجاع
• لا يبرّئ نفسه
• لا يتعالى أخلاقيًا

وأهم ما فيه:
الاعتراف بالخطأ دون تبرير
وهذا نادر ومؤثر.

اللغة والأسلوب

نقاط القوة:
• لغة عربية رصينة غير متكلّفة
• توازن بين الفصحى والمشهد اليومي
• صور دقيقة (الطفر، الوجنتان، العلاقيّة)

الموفّق جدًا:
• «هبشة واحدة كانت كافية لإشعال موقف عاصف»
• «أدركت عندها أنه صبر أكثر مما ينبغي»

جمل قصيرة مطرقية في مواضعها.

الرمز والدلالة
• الجريح = المواطن
• القات = القوت
• الثلاثمائة ريال = الحد الأدنى للكرامة
• القبضة = آخر خطوط الدفاع
• القهقهة = آلية نجاة اجتماعية تخفي القبح

النص يقول: حين لا يبقى لك إلا القليل، يصبح الدفاع عنه مسألة وجود.

الجرأة الأخلاقية
النص جريء لأنه:
• يدين السارد نفسه ضمنًا
• لا يُجمّل صورة “المناضل”
• يكشف كيف يمكن للطيبة أو الغفلة أن تتحول إلى ظلم

ملاحظات طفيفة جدًا
• جملة:
«ألتفت يمنيا ويسارا»
لغويًا الأدق:
ألتفت يمينًا ويسارًا
(إن رغبت بالدقة الصرفية فقط)

عدا ذلك، النص مُحكم.

الخلاصة النهائية
• نص قوي، صادق، موجع
• مشهد صغير تحوّل إلى بيان أخلاقي
• العنوان ذكي
• الذروة ناجحة
• الخاتمة تصيب القارئ مباشرة

هذا نص يُقرأ بوصفه شهادة، لا حكاية

نص «هَبْشَة» بثلاثمائةِ ريال

أحمدُ سيفِ حاشد

كان ديوانُ مجلسي يَغُصُّ بالرِّفاقِ والمظلومين والباحثين عن أمل، وفي الظلالِ يَتربَّصُ المخبرون والوصوليّون وطالبو المنفعة. كان نموذجًا مُصغَّرًا لمجتمعٍ، بكلِّ ما فيه من تناقضاتٍ وعلل.

عَبَرَ بابه مَن مَضى إلى السلطةِ وزيرًا أو مسؤولًا، ومَن انتهى به المطافُ سجينًا أو طريدًا، أو بقي حاسرًا يُعاني الأمرَّين. منهم مَن قضى نحبه، ومنهم مَن لا يزال يقتاتُ على فتاتِ الانتظار.

سمّاه أحدُهم ذاتَ يومٍ «دارَ الأُمّة»، ووصف آخرُ المقيلَ فيه بـ«المسيرةِ المُصغَّرة». كُنّا نجتمعُ فيه للمقيل، ونلتقي أحيانًا لننطلقَ منه إلى التظاهر. حتى «الأنصار» ارتادوه حين كانت المظالمُ تُثقِل كواهلَهم؛ أمّا اليومُ فقد سمّاه بعضُ قياداتِهم وأتباعِهم «ديوانَ الطابورِ الخامس»، رغم أنّ اللقاءَ فيه بات بين قِلّةٍ ونُدرة.

إنّ تصحُّرَ مجلسك، أو نُدرةَ اللقاءِ فيه، قد يعنيان للسلطةِ الخائفةِ نجاحًا في فرضِ عزلةٍ عليك، وتكريسًا لعقوبةٍ تطالك؛ ففي خواءِ المكانِ سكينةٌ لسلطةٍ قلِقةٍ ومتوجِّسة، تستمدُّ شرعيتَها من «الغَلَبة» وصناعة الخوف لا من رضا وإرادةِ الناس.

***

خلالَ عامَي 2012 و2013 كان معظمُ مرتادي مجلسي من جرحى الاحتجاجاتِ السِّلميةِ الذين رفضتِ السلطةُ علاجَهم أو أهملتْهم، حتى تعفَّنت جراحُهم وخلَّفت بعضُها إعاقاتٍ وعاهاتٍ مستديمة، ستلازمُهم ما بقي لهم من عمر، إن لم تضعْ تلك العاهاتُ حدًّا لحياتِهم قبل أوانِها.

في إحدى جلساتِ المقيل جلس إلى جواري أحدُ الجرحى الذين يملكون الحقَّ في الجهرِ بالسوء. بدا معدمًا، حتى ليُخيَّل أنّ حصولَه على «القات» لا يتأتّى إلا بمشقّةٍ واضطرار. كان «الطَّفَرُ» ينهشُ عينيه الغائرتين، وعظامُ وجنتيه تكادُ تفرُّ عاريةً من وجهِه المُنهك، فيما تقولُ ملابسُه الباليةُ وجسدُه النحيلُ ما تبقّى من الحكاية.

في لحظةٍ غامرةٍ من الحديث، غاب وعيي عن قاتي؛ فتركتُه جانبًا بمحاذاةِ المتكأ، ومددتُ يدي إلى «عِلاقِيّة» ذلك الجريحِ الجالسِ على يميني، وأخذتُ من كيسِه بعضَ وريقاتِه في حركةٍ بدت مفاجئةً لصاحبِها، وجالبةً لذهولِه. ثم كرّرتُها مرةً ثانيةً على نحوٍ فاق تحمُّلَه؛ إذ أدرك أنّ صمتَه سيكلِّفُه كلَّ ما تبقّى من قاتِه ومقيلِه.

حمله هذا التكرارُ على تنحيةِ قاتِه إلى أمامِه كاظمًا غيظَه؛ غير أنّني مددتُ يدي مدًّا، وسحبتُ «عِلاقِيّةَ» قاتِه من أمامِه نحوي، ظانًّا أنّها عِلاقِيّتي، وغرزتُ أصابعي فيها حتى كدتُ أُفرغَها من محتواها في تناولةٍ واحدة.

عندها نفد صبرُ الجريح، وتحرّر من حيائِه، فقبضَ على معصمِ يدي متلبّسًا، وصرخ:

— هذا قاتي بثلاثمائةِ ريال! سامحتُك بالأولى والثانية… أين قاتُك؟!

سحبت يدي وقد أُفرغت من القات بفعل قبضته، فيما دوّت صرخته وأوصلت رسالتها كقذيفة:

هذا قاتي! أين قاتك؟!

رمقتُ قاتَه وقد أفلتته يدي؛ كان قليلًا، حاسرًا، يثير حزنَ من يراه. هَبْشَةٌ واحدةٌ كانت كافيةً لإشعالِ موقفٍ عاصف. أدركتُ عندها أنّه صبر أكثرَ ممّا ينبغي.

ألتفت يمينًا ويسارًا. فوجدت قاتي في الجانب الآخر يبحث عني بعد شرودٍ وغفلةٍ. كان الموقف مربكًا، أنقذته بقهقهةٍ عفويةٍ مدوّية رفعت عني كل حرجٍ ومأخذ، بعد أن كان للضحية تعويضٌ، وفوقه الحسنة عشر أمثالها.

***

منذُ ذلك اليوم أدركتُ أنّ ما تبقّى لك من حقٍّ في الكرامةِ والحياةِ جديرٌ بأن يُفتدى؛ فهو حقٌّ لا يقبلُ مهادنةً ولا تنازلًا ما دمتَ لا تملكُ سواه.

وعيتُ حينها أنّ صرخةَ ذلك الجريح، وقبضتَه، لم تكونا إلا دفاعًا أخيرًا عمّا تبقّى له من حقٍّ وحُرمة.

واليوم، لا بدّ أن تدركَ أنّ راتبَك، وقوتَ عيالِك، وما بقي لك من عيشٍ وملبسٍ ومأوى، هو ما بقي من كرامتِك؛ فإن فُقِدت، لم يبقَ بعدها إلا الذلُّ كلُّه

زر الذهاب إلى الأعلى