قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “نسيان على معدة خاوية”

يمنات
نص “نسيان على معدة خاوية” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد.
والقراءة التحليلية للنص انحزت بتقنية الذكاء الصناعي.
هذا النص:
• شهادة شخصية
• إدانة سياسية صامتة
• وبوح وجودي بلا ادّعاء
نصٌّ صادق، موجع، ونظيف فنيًا.
النص ليس مجرد (نسيان وجبة طعام)، بل هو “بيان لكاتبه الذي يبرع هنا في استخدام: “المعدة” كترميز للوطن، و”الجوع” كترميز للاستلاب، و”النسيان” كترميز للضياع العام.
القراءة الأدبية والجمالية
العتبة (الاستهلال):
يبدأ النص بتكثيف مذهل:
– فطور منسي
– غداء منسي
– عمر منسي
الانتقال من اليومي (الأكل) إلى الوجودي (العمر) يمهد القارئ بأن النص لن يتحدث عن الطعام، بل عن “الفقد” بمعناه الواسع.
المفارقة الساخرة
تظهر السخرية المرة في كونه “نائبًا” لكنه “على معدة خاوية”.
هذه الفجوة بين اللقب المرموق والواقع المتردي تخلق صدمة لدى القارئ.
اللغة الحسية:
استخدم الكاتب كلمات مثل (يربدّ، يلسع، تذوي، ينساب، تتقيأ)؛ وهي كلمات تنقل حالة “تسمم” واقعية، لكنها في الحقيقة تصف “تسمم الواقع السياسي”.
القراءة السياسية
هذا النص هو إدانة صارخة للواقع السياسي والاجتماعي، ويمكن قراءته سياسيًا من خلال:
الكرسي الفارغ:
النائب الذي لا يجد “لقمة عيش أو حبة دواء” هو انعكاس لـ “دولة” فاشلة لم تعد توفر لمواطنيها (أو حتى لممثليها الشرفاء) أساسيات الحياة.
غواية السياسة:
وصفُه للسياسة بـ “الغواية” التي أنسته جوعه الشخصي يظهر التضحية والاندفاع، لكنه أيضاً يظهر كيف أن الهم العام قد يستهلك الفرد حتى الاستنزاف والانهيار .
تآكل الطبقة الوسطى والسياسية:
حين يضطر “نائب برلماني” لخوض معركة من أجل “حبة دواء”، فهذا تصوير لعهدٍ “اشتدت قسوته” حيث لم يعد أحد بمنأى عن السقوط في فخ العوز، ما عدا المنتفعين.
المعركة الأخيرة:
الإشارة إلى “الكرامة” و”المعركة الأخيرة” تعني أن المواجهة السياسية وصلت إلى مرحلة كسر العظم؛ حيث يصبح البقاء الجسدي نفسه نوعاً من المقاومة.
قراءة الكاتب من خلال النص
من خلال هذا النص، يمكننا رسم ملامح “أحمد سيف حاشد” الإنسان والسياسي:
الزاهد المنهك:
يظهر الكاتب كشخصية زاهدة، يحيط به الناس (المجلس المكتظ)، لكنه يواجه آلامه وحيداً في الداخل. هو يعطي وقته “للرفاق والأحبة” وينسى نفسه.
المثقف الملتزم
هو لا يفصل بين مرضه الشخصي ومرض الوطن. بالنسبة له، “المعدة الخاوية” ليست خللاً في برنامجه اليومي، بل هي نتيجة حتمية لعيشه في “عهد قاسٍ”.
الصادق حد الانكشاف:
يملك الكاتب شجاعة عالية في الاعتراف بالضعف البشري (الغثيان، الرعشة، الحاجة للدواء). هذا الصدق يمنحه ثقة القارئ، لأنه لا يتحدث من برج عاجي، بل من خندق المعاناة ذاته.
البنية الرمزية
القات غير المغسول:
رمز لـ “السموم” التي يضطر الإنسان لتعاطيها في الواقع السياسي (ربما الوعود الزائفة أو التحالفات المرة).
المعدة:
هي “الداخل” الصادق الذي لا يكذب؛ فبينما كان “الديوان” يقهقه بالسياسة، كانت “المعدة” تصرخ بالحقيقة.
غروب الشمس:
“الشمس تذوي نحو المغيب” توحي بنهاية مرحلة أو شعور باقتراب النهاية الجسدية أو السياسية، مما يجعل “التمسك بالكرامة” هو الضوء الوحيد المتبقي.
ملخص القول:
النص هو مرثية للذات في سياق الوطن.
الكاتب يرفض أن يكون ضحية صامتة، فيحول “التقيؤ” الجسدي إلى “لفظ” سياسي لكل القبح المحيط به.
إنه نص عن “الاستقامة” في زمن “الانحناء”، حيث تصبح الكرامة هي الوجبة الوحيدة التي لا تخذل صاحبها.
نص” نسيان على معدة خاوية”
أحمد سيف حاشد
كنتُ غالبًا أتناول فطور الصباح في وقتٍ متأخر، غير أنّ ذلك اليوم لم أُصطبح؛ فقد كان برنامجي شديد الاكتظاظ إلى حدٍّ أنساني فطوري. اشتريتُ قاتًا وعدتُ لأجد ديوان مجلسي مكتظًا بالرفاق والأصدقاء والأحبة.
وما إن أطللتُ عليهم حتى أفسحوا لي مكانًا في زحامهم، واحتفوا بي؛ فاستسلمتُ لغواية السياسة والمرح والقهقهة، فنسيتُ وجبة الغداء، وبذلك تجاوزتُ الوجبتين.
قبل السادسة، دهمتني موجةُ عرقٍ وهبوط وغثيانٌ. بدأ وجهي يربدّ، وصدري يضيق، وأحسستُ برعشةِ حمّى تجتاحني، يلسع مرارُها لساني. ظننتُ أن السبب إهمالي غسلَ القات قبل مضغه.
اعتذرتُ للحاضرين، وأخبرتُهم أنني لم أغسل القات، وأنني أشعر بغثيانٍ وإعياء. هرعتُ إلى الداخل لأتقيأ؛ أحسستُ أنني سألفظ معدتي، وأكاد أسقط من قوامي؛ فتذكّرتُ أنّني خزّنتُ على معدةٍ خاوية، دون فطورٍ أو غداء، فيما كانت الشمس تذوي نحو المغيب.
بين الغثيان والغياب، خُيّل إليّ أن التعب أعمق مما ظننت؛ هناك، وجدتُ نفسي، بعد عمرٍ تلاشى، نائبًا على معدةٍ خاوية، أبحث عن لقمة عيش وحبّة دواء لجسدٍ أنهكه النسيان، وأثقلته مسؤوليات جسام، وإذا بالذاتي ينساب إلى العام. في عهدٍ اشتدّت قسوته، ولم يترك لك فسحةً ولا خيارًا، سوى أن تتشبّث بما تبقّى من كرامتك؛ ومن أجلها أجدني أخوض معركتي الأخيرة.
***