أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

اللغة فعل حي 

يمنات

محمد المخلافي 

أصبح تعلم اللغة الإنجليزية ضرورة تفرضها تحولات العصر ومتطلباته. ومع ذلك، يكشف الواقع التعليمي عن مفارقة لافتة، كثير من المتعلمين يقضون شهورا أو سنوات في دراسة اللغة، ويحفظون الكثير من الكلمات والقواعد، ومع ذلك يجدون صعوبة في إجراء محادثات أو نقاشات بسيطة.

هذه الفجوة بين الجهد المبذول والنتائج المحققة لا تعكس ضعفا في قدرات المتعلم بقدر ما تكشف عن خلل في منهجية التعليم نفسها.

المشكلة تكمن في الطريقة التي يبدأ بها الطالب تعلم اللغة. غالبا ما يبدأ بمنهج يعتمد على حفظ الكلمات والقواعد وكتابة الجمل واجتياز الاختبارات، دون أن يحصل على فرصة حقيقية للاستماع أو التحدث. لذا، تصبح الفجوة كبيرة بين ما يعرفه نظريا وما يستطيع استخدامه عمليا. فهو قد ينجح في حل التمارين الكتابية، لكنه يتوقف أو يتردد عند أول محادثة بسيطة.

ومع تكرار هذه المواقف، يشعر بالإحباط ويبدأ يشك في قدراته، بينما السبب الحقيقي هو طريقة التعلم نفسها وليس إمكانياته الشخصية.

إذا اقتصر تعلم اللغة على حفظ الكلمات والقواعد وحل التمارين الكتابية فقط، فإن المعرفة تبقى نظرية ولا تتحول إلى قدرة فعلية على التواصل.

 اللغة بطبيعتها كيان حي، يعتمد على الاستماع والتفاعل والتحدث، وليس كتابة الجمل في الدفاتر ثم نسيانها. 

لذلك، أصبح من الضروري إعادة التفكير في طرق تعليم اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، والتركيز على الممارسة واستخدام اللغة في الحياة اليومية، بحيث تتحول المعرفة من مجرد فهم نظري إلى قدرة حقيقية على التواصل والتعبير.

لننظر كيف يتعلم الطفل لغته الأولى داخل أسرته، فهو لا يتبع منهجا مكتوبا، ولا يحفظ قوائم كلمات، ولا يختبر في القواعد قبل أن يبدأ بالكلام. يتعلم بالاستماع المتكرر، والملاحظة، والتفاعل اليومي البسيط.

فهل من المنطقي أن نطلب من شخص يبدأ تعلم الإنجليزية من الصفر أن يبدأ رحلته بالضغط على الحفظ الصارم والقواعد والاختبارات؟ هذا التناقض يوضح لنا ضرورة إعادة التفكير في طريقة بدء تعلم اللغة، لتكون البداية أقرب إلى طبيعة التعلم نفسها، وليس مقيدة بالقواعد والاختبارات فقط.

من خلال خبرتي التي تزيد عن عشرين عاما في تدريس اللغة الإنجليزية في عدد من معاهد اليمن، أرى أن أفضل طريقة لتعليم المبتدئين هي البدء بمرحلة تمهيدية قبل الدخول في المنهج الدراسي الرسمي. يمكن أن تشمل هذه المرحلة ثلاث إلى خمس دورات تأسيسية تعتمد على الاستماع والمشاهدة والتفاعل البصري، دون التركيز على الكتابة أو إجبار المتعلم على حفظ قوائم كلمات.

تعتمد هذه الدورات على الصور، والحوار البسيط، ومقاطع فيديو قصيرة تمثل مواقف حياتية حقيقية. الهدف هو أن ينتقل المتعلم تدريجيا من التعرف على الحروف والأصوات إلى فهم حوارات يومية طبيعية. في هذه المرحلة يكون التركيز على تدريب الأذن واللسان لاكتساب اللغة بشكل طبيعي، بعيدا عن ضغط الاختبارات أو الخوف من الرسوب.

يجب أن تصمم هذه البرامج التمهيدية على يد مختصين لديهم خبرة حقيقية في تعليم اللغة لغير الناطقين بها، لضمان أن يكون التعلم تدريجيا وواضحا. بعد الانتهاء من هذه المرحلة، يصبح الانتقال إلى المنهج الدراسي أسهل وأكثر فاعلية، لأن المتعلم يكون قد اكتسب أساسا عمليا يمكنه من استخدام اللغة وفهمها من خلال تجربة حقيقية.

مشكلة أخرى يواجهها كثير من الطلاب هي ضعف قدرتهم على التعامل مع اللغة خارج الفصل. التعلم لا يجب أن يتوقف عند باب الصف، بل يحتاج إلى ممارسة فردية تساعد على تثبيت المهارة وفهم اللغة بشكل أفضل.

هنا تظهر أهمية دور المعلم بشكل كبير. فالمعلم لا يقتصر عمله على توصيل محتوى الكتاب للطلاب، بل يشمل ايضا الإرشاد والتوجيه المستمر، وتشجيع الطلاب وبث الثقة فيهم. كما يحتاج دائما للبحث عن طرق وأساليب تساعد الطلاب على فهم المادة بسهولة بحيث يصبح التعلم تجربة حقيقية تستمر خارج الحصة، وليس نشاطا ينتهي بانتهاء الدرس.

الخلاصة أن تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية يعني النظر إليها على أنها مجموعة مهارات متكاملة، لا محتوى يحفظ فقط. اللغة تتكون من مهارات أساسية تشكل العمود الفقري، وأخرى ثانوية تكملها، بالإضافة إلى ما يتعلق بلغة الجسد والتواصل غير اللفظي، وكلها تعمل معا لتجعل المتعلم قادر على استخدام اللغة بشكل طبيعي.

أما المهارات الأساسية فهي نوعان مترابطان، مهارات مستقبلة تشمل (الاستماع والقراءة)، ومهارات منتجة تشمل (التحدث والكتابة). هذه المهارات مرتبطة ببعضها، فلا يمكن أن يعمل أحدها بمعزل عن الاخر. لتحسين التحدث، يجب زيادة مساحة الاستماع، ولتطوير الكتابة، من المهم القراءة أكثر. بهذه الطريقة تتكون الكفاءة اللغوية تدريجيا وبشكل متوازن.

أما المهارات الثانوية فهي القواعد بأنواعها وتطبيقاتها، وتدعم المهارات الأساسية بتوفير إطار منطقي للغة. أما المجموعة الأخيرة فتتعلق بلغة الجسد، وتشمل الإشارات والتعبيرات غير اللفظية التي تساعد على توضيح المعنى وتحسين التواصل بين المتحدثين، لتصبح اللغة تجربة تفاعلية كاملة، لا تقتصر على الكلمات فقط.

يجب أن يفهم الطالب أن الهدف الأساسي هو تدريب عقله على التفكير باللغة الإنجليزية باستمرار، وليس فقط خلال الحصص الدراسية. عند عودته إلى المنزل، يمكنه أن يسترجع ما تعلمه خلال اليوم، مثل التساؤل: (ماذا درست في الحصة الأولى؟) ومحاولة تذكر كل التفاصيل والحوارات. ويمكنه أيضا التحدث مع زميل عبر الهاتف لمناقشة الدرس وممارسة ما تعلمه بطريقة عملية. 

يجب أن يخصص الطالب وقتا يوميا للاستماع لمقاطع فيديو قصيرة، بودكاست، أو برامج تناسب ميوله ومستواه. من المهم أن يحاول تقليد ما يسمعه، أي أن يكرر الأصوات والجمل بصوت واضح وبشكل متكرر، ليتمكن من فهم التركيب اللغوي وحفظه. ومع مرور الوقت وتقدمه في المستوى، يصبح قادرا على فهم تفاصيل القواعد والتركيب اللغوي بشكل أفضل.

المفتاح هو أن تبقى اللغة حية في ذهن الطالب ومشاعره، مع التركيز على الاستماع والتحدث، لأن هذين المهارتين هما الطريق لاستخدام اللغة وفهمها بشكل طبيعي. وهذا لا يعني تجاهل القراءة والكتابة، فلهما دور مهم في تثبيت المعلومة وإثراء اللغة.

كل جهد يبذله الطالب يصبح جزءًا من هذه الرحلة، والمعلم هنا شريك يرافقه ويشجعه، ليجعل التعلم تجربة حقيقية تبقى معه وتفتح له أبواب التواصل والفهم. وهكذا يصبح تعلم اللغة أكثر من حفظ كلمات، بل رحلة حية تنمو مع الطالب يومًا بعد يوم.

زر الذهاب إلى الأعلى