ملاحظات مهمة عن مهرجان القُطَيع للتراث والموروث الشعبي التهامي اليمني

يمنات
حميد عقبي
تزخر تهامة اليمن بذاكرة شعبية غنية، وبعدد كبير من الأنشطة الإبداعية والمواسم التراثية التي ارتبطت بالزراعة، والأسواق، والفرح الجماعي، والفروسية، والهجن، والقفز على الجمال، والرقصات الشعبية، والأغاني، والأزياء، وطقوس الزواج والعمل والحصاد.
ولو عدنا إلى القرن الماضي، وخصوصًا إلى الثمانينيات، لوجدنا أن تهامة كانت تعرف أكثر من مئة مهرجان شعبي وتراثي، بعضها كان يتحول إلى سوق مفتوحة، وبعضها إلى محفل فني وأدبي ورياضي واجتماعي، حيث تلتقي القرى والمدن، ويتبادل الناس المنتجات والحكايات والأغاني والمهارات.
لكن هذه الحيوية الشعبية تعرضت خلال العقود الأخيرة لتراجع مؤلم. فقد ساهم التهميش الرسمي، وضعف الاهتمام الثقافي، في إفساح المجال أمام تيارات متشددة لم تكن تنظر إلى الموروث الشعبي بوصفه ذاكرة وهوية إنسانية، بل اعتبرته شيئًا يجب محاصرته أو تجفيفه لأنه من البدع.
وقد انتشرت في بعض مناطق تهامة مدارس سلفية متشددة، أغلبها لم يجد قبولًا شعبيًا حقيقيًا، لكنها استطاعت، بالمال والضغط والعنف الرمزي والاجتماعي، أن تقلّص حضور كثير من المهرجانات الشعبية وتهدم عشرات الأضرحة، وأن تدفع الناس إلى الخجل من فنونهم وأغانيهم وطقوسهم، بدل الاعتزاز بها.
اليوم، تبدو عودة بعض المهرجانات الشعبية في تهامة علامة أمل مهمة. فهذه العودة لا تعبّر فقط عن رغبة في الترفيه، بل تؤكد أيضًا أن لدى الناس حاجة عميقة إلى القول: هنا حياة، هنا ذاكرة، هنا ناس يحبون الفرح والجمال والسلام.
ومن هذا المنطلق تابعت، عبر عشرات الصور ومقاطع الفيديو، جوانب من مهرجان القُطَيع للتراث والموروث الشعبي التهامي. والقُطَيع مدينة ريفية صغيرة تقع بين المراوعة وباجل بمحافظة الحديدة، وتحتفظ بطابعها الريفي البسيط، وبشيء من رونقها الشعبي الطيب.
ما لفتني في هذا المهرجان هو الزخم الشعبي الكبير. لم يكن الحضور محدودًا أو عابرًا، بل بدا كأنه استعادة جماعية للفضاء العام. شارك الشباب، والكبار، والصغار، والنساء، والرجال، وتحوّل المهرجان إلى مناسبة بصرية نقلها الناس إلى العالم عبر مئات الصور والمقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تأثرت بفرح وأنا أشاهد الرقصات الشعبية، وتمثيل بعض الأنشطة الزراعية، مثل تنقية محصول الدخن، والطحن، ومشاهد الزفة، وعرض الأزياء التهامية. هذه كلها عناصر إيجابية ومشجعة، وتدل على أن المجتمع ما يزال حيًا، وأن الذاكرة الشعبية لم تمت، رغم كل محاولات الإقصاء والتشويه وتجريم الفرح.
لكن محبة المهرجان لا تمنع من تسجيل ملاحظات ضرورية. بل إن النقد هنا جزء من الحرص على نجاح التجربة، وليس هجومًا عليها.
أولى الملاحظات تتعلق بالزج بأطفال صغار جدًا في مشاهد طقوس الزواج وأغانيه. لم يكن هذا الاختيار موفقًا في بعض المشاهد، لأن للأطفال عالمهم الخاص، وألعابهم، وأغانيهم، وهي كثيرة وغنية في التراث التهامي.
كان من الأفضل تخصيص فقرة كاملة لألعاب الأطفال وأهازيجهم، بدل إدخالهم في طقوس الكبار، وجعلهم يسمعون أو يؤدون كلامًا لا ينتمي إلى أعمارهم ولا إلى حساسيتهم الطفولية. الطفل ليس زينة للمشهد، إنه كائن له عالمه وكرامته وخياله، وتراث الطفولة التهامية غني جدًا ويستحق أن يُعقد له مهرجان خاص.
الملاحظة الثانية أكثر ألمًا وخطورة. فقد ظهرت بعض الطفلات ذوات البشرة السوداء بملابس شعبية بدت رثة أو ثقيلة أو خانقة، بينما ظهرت طفلات أخريات بملابس بيضاء أنيقة وزاهية. قد لا يكون هذا مقصودًا، وربما جاء نتيجة ارتباك تنظيمي أو ضعف في الإعداد، لكنه يظل مشهدًا مؤذيًا، لأنه يعكس، ولو من غير قصد، تراتبية لونية واجتماعية لا يجوز أن تتسلل إلى مهرجاناتنا الشعبية التي تحتفي بالهوية الجامعة.
التراث لا يجب أن يعيد إنتاج التمييز، بل يجب أن يرمم الذاكرة ويصالح الناس مع بعضهم. لذلك من الضروري في المهرجانات القادمة توحيد مستوى العناية بالأزياء، أو على الأقل التأكد من أن كل المشاركين، خصوصًا الأطفال، يظهرون بملابس نظيفة وجميلة وأنيقة، دون أي إيحاء بالتمييز أو الدونية.
وهنا لا بد من القول بوضوح: تهامة متعددة الألوان والسحنات والأصول، وهذا التنوع جزء من جمالها، لا عيبًا فيها. ومن واجب أي مهرجان تراثي أن يقدم هذا التنوع بكرامة وعدالة، وأن ينتبه إلى الصورة التي يرسلها إلى الجمهور، خصوصًا في زمن السوشيال ميديا، حيث تتحول اللقطة الواحدة إلى وثيقة بصرية قابلة للتأويل والانتشار.
الملاحظة الثالثة تتعلق بالديكور وبعض عناصر التمثيل البصري. فمشهد البئر القديمة، مثلًا، لم يكن موفقًا بما يكفي؛ إذ بدت البئر أقرب إلى شكل فرن، وربما كان ذلك بسبب ضيق الوقت وقلة الإمكانيات. لكن التراث يحتاج إلى دقة في التفاصيل، لأن الديكور ليس مجرد خلفية، بل هو بالتأكيد جزء من الذاكرة.
كما أن ظهور أحد المشاركين ممثلًا للرجل التهامي العاقل أو الشيخ بلباس فانيلا بيضاء أثار كثيرًا من التعليقات، لأن الفانيلا في الوعي الشعبي لباس داخلي أو منزلي، ولا يليق أن تُقدَّم بوصفها مظهرًا عامًا لرجل تهامي وقور. كان يمكن اختيار قميص مناسب، أو شميز، أو ثوب تقليدي أكثر احترامًا للصورة الشعبية.
هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية مهرجان القُطَيع، بل تؤكد أهميته. فالمهرجان كشف عن طاقة شعبية كبيرة، وعن رغبة حقيقية في استعادة الفرح التهامي. لكنه يحتاج في الدورات القادمة إلى لجنة ثقافية وفنية أكثر دقة، تضم باحثين في التراث، ومهتمين بالأزياء الشعبية، ومخرجين مسرحيين، ومصورين، ومربين، حتى يتم تقديم المشاهد بصورة أجمل وأعدل وأكثر وعيًا.
إن عودة مهرجانات تهامة تُعد نوعًا من المقاومة الثقافية السلمية ضد النسيان والتشدد والقبح. وما حدث في القُطَيع يستحق التشجيع، بشرط أن نطوره بالنقد المحب، وأن نجعل من التراث فضاءً لتهامة كلها وللكرامة، وللفرح، وللجمال، لا للتمييز والفوضى والتشويه.