أهم الأخبارالعرض في الرئيسةتحليلات

الكارثة التربوية لاعتماد التقويم القمري في بدء العام الدراسي.. دراسة في انتهاك الحق الإنساني وضرب استقرار التعليم

يمنات

فؤاد محمد

في جميع دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء، يُشكل فصل الصيف محطة استراحة ضرورية، ينتظرها الطلاب والمعلمون والأسر بفارغ الصبر.

إن الإجازة الصيفية ليست ترفا أو تقليدا أعمى، بل هي حاجة بيولوجية ونفسية أثبتت الدراسات التربوية أهميتها لتجديد النشاط الذهني والبدني بعد عام كامل من التحصيل العلمي. وقد ارتبطت هذه الإجازة عالمياً بالتقويم الشمسي الذي يتوافق بشكل دقيق مع تعاقب فصول السنة.

ولكن، وفي مفارقة صارخة تتجلى فيها أسوأ صور التخبط الإداري والعبث بمستقبل الأجيال، تطل علينا سلطات الأمر الواقع في بعض المناطق بقرارات لا تمت للعقل أو العلم أو الإنسانية بصِلة. قرارات تتلحف برداء الدين وتدعي التمسك بالهوية، بينما هي في جوهرها انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وتدمير ممنهج للعملية التعليمية. ومن أبرز هذه القرارات الكارثية: اعتماد التقويم القمري “الهجري” لتحديد بداية العام الدراسي، وإلزام المدارس والجامعات بفتح أبوابها في بداية شهر محرم، غير آبهين بأن هذا التوقيت يقع في قلب فصل الصيف، حيث تبلغ درجات الحرارة والرطوبة ذروتها القاتلة.

الفارق العلمي: التقويم الشمسي والتقويم القمري

لفهم حجم الكارثة التي يمثلها هذا القرار، يجب أولا العودة إلى أبجديات العلوم الفلكية والتاريخية لتوضيح الفارق الجوهري بين التقويم الشمسي (الميلادي) والتقويم القمري (الهجري)، ولماذا أجمع العالم كله على استخدام الأول في شؤون الحياة المدنية والزراعية والتعليمية.

التقويم الشمسي (الميلادي):

يعتمد هذا التقويم على دورة الأرض الكاملة حول الشمس، والتي تستغرق تقريباً 365 يوما وربع اليوم. هذا الدوران الإهليلجي مع ميل محور الأرض هو ما يولد الفصول الأربعة (الصيف، الخريف، الشتاء، الربيع) في أوقات ثابتة ومحددة من كل عام. بناءً على هذا الثبات، استطاع الإنسان منذ آلاف السنين تنظيم حياته؛ فحدد مواسم الزراعة والحصاد، ووضع خططه الاقتصادية، وبنت الدول الحديثة تقويمها الأكاديمي والتعليمي عليه. في التقويم الشمسي، يأتي الصيف دائما في موعده، مما يسمح ببرمجة الإجازات لتجنب أوقات الحر الشديد التي تعيق التركيز والعمل.

التقويم القمري (الهجري):

في المقابل، يعتمد التقويم القمري على دورة القمر حول الأرض. تتكون السنة القمرية من 12 شهراً قمرياً، ويبلغ مجموع أيامها حوالي 354 أو 355 يوماً. وهذا يعني أن السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بحوالي 11 يوماً.

هذا الفارق الزمني (11 يوما سنويا) يؤدي إلى ظاهرة فلكية معروفة وهي “زحف” الأشهر القمرية عبر فصول السنة الشمسية. فشهر محرم، على سبيل المثال، يأتي في منتصف الصيف هذا العام، وبعد عدة سنوات سيأتي في الربيع، ثم في الشتاء، وهكذا دواليك في دورة تستغرق حوالي 33 عاما ليعود الشهر القمري إلى نفس النقطة من السنة الشمسية.

الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع التقويم الهجري، لم يلزم الناس به في الزراعة والجباية والجندية. بل كان الديوان يستخدم التقويم الشمسي الفارسي لأنه أدق.

لماذا لا يصلح التقويم القمري للمواسم الثابتة؟

بناءً على ما سبق، يتضح جليا أن التقويم القمري، رغم قدسيته وأهميته البالغة في تحديد العبادات والمناسبات الدينية الإسلامية (كصيام رمضان، وموسم الحج، والأعياد)، فإنه غير صالح عمليا وعلميا لتنظيم الأنشطة البشرية المرتبطة بالمناخ والفصول. الفلاح لا يستطيع زراعة القمح بناءً على شهر شعبان، لأن شعبان يدور عبر الفصول. وبالمثل، لا يمكن ولا يُعقل أن تُربط سنة دراسية بتقويم متحرك؛ لأن ذلك يعني أن الطلاب سيبدأون دراستهم هذا العام في لهيب الصيف، وبعد عقد من الزمان سيبدأونها في زمهرير الشتاء!.

الأدلة العلمية على تأثير الحرارة المرتفعة على التحصيل الدراسي

إن قرار بدء الدراسة في بداية شهر محرم الموافق لشهر يونيو هو جريمة علمية قبل أن يكون جريمة حقوقية. وقد أثبتت دراسات علمية موثقة التأثير الكارثي للحرارة على عقل الطالب:

1. دراسة جامعة هارفارد 2018 – Park et al.

نشرت في مجلة Nature Climate Change دراسة تتبعت أداء 10 ملايين طالب في الولايات المتحدة لمدة 13 سنة. النتيجة: كل زيادة بمقدار 1 درجة فهرنهايت “0.56 درجة مئوية” في حرارة الفصل الدراسي تؤدي إلى انخفاض بنسبة 1% في نتائج الاختبارات الموحدة. والمدارس التي لا تملك تكييفاً انخفض أداء طلابها بنسبة 7% إضافية في الأيام الحارة مقارنة بالمدارس المكيفة.

2. دراسة البنك الدولي 2019 – Cho

أثبتت أن الطلاب في الدول ذات المناخ الحار دون تكييف يفقدون ما يعادل 1.7 سنة دراسية كاملة خلال 12 سنة تعليم بسبب الأيام الحارة فقط. وهذا ما يسمى “فجوة التعلم المناخية” Climate Learning Gap.

3. دراسة جامعة كولومبيا 2020 – Goodman et al.

رصدت الدراسة طلاب الثانوية العامة في نيويورك ووجدت أن الطلاب الذين أدوا اختبارات SAT في أيام كانت الحرارة فيها أعلى من 32 درجة مئوية حصلوا على درجات أقل بـ 13 نقطة من زملائهم الذين أدوا نفس الاختبار في أيام معتدلة.

4. منظمة الصحة العالمية WHO 2021

أكدت أن التعرض للحرارة الشديدة فوق 35 درجة مئوية مع رطوبة عالية يؤدي إلى “الإجهاد الحراري” Heat Stress، والذي يسبب الصداع، الدوخة، صعوبة التركيز، وانخفاض القدرة على معالجة المعلومات بنسبة 30%.

5. دراسة ميدانية في اليمن – جامعة صنعاء 2014 

قبل الأزمة، أجرت كلية التربية بجامعة صنعاء دراسة على 500 مدرسة في تهامة والحديدة. النتيجة: انخفض معدل الحضور في شهري يوليو وأغسطس إلى 40% فقط، وانخفض معدل الاستيعاب في الحصة الأخيرة إلى 25% بسبب الحرارة والرطوبة التي تتجاوز 90%.

الخلاصة العلمية: عندما تبدأ الدراسة في 5 محرم، فإن الطالب في الحديدة والخوخة يجلس في فصل تصل حرارته إلى 40 درجة مئوية مع رطوبة خانقة. هذا الطالب فاقد لـ 50% من قدرته العقلية قبل أن يبدأ المعلم بالشرح. فأي تعليم هذا؟.

لهيب الصيف ومعاناة الطلاب

إن قرار إلزام المدارس ببدء العام الدراسي في بداية شهر محرم، تزامنا مع ذروة فصل الصيف، ليس مجرد خطأ إداري، بل هو عقاب جماعي يُفرض على ملايين الطلاب وعشرات الآلاف من المعلمين. في العديد من المناطق، تكتسح الحرارة المرتفعة التي تتجاوز الأربعين درجة مئوية، مصحوبة برطوبة خانقة، مما يحول الفصول الدراسية المكتظة والرديئة التهوية إلى ما يشبه الأفران البشرية.

تكتمل فصول هذه المأساة عندما ندرك البيئة التي يُنفذ فيها هذا القرار. نحن نتحدث عن مناطق تفتقر إلى أدنى مقومات البنية التحتية الأساسية. فالكهرباء الحكومية مقطوعة أو شبه معدومة، والبدائل التجارية للكهرباء تُباع بأسعار خيالية لا يقوى عليها المواطن البسيط الذي طحنته الأزمات.

كيف يمكن لطالب في المرحلة الأساسية أن يستوعب دروسه وهو يتصبب عرقا ويكافح من أجل التقاط أنفاسه؟ وكيف لمعلم أن يؤدي رسالته وهو يقف في بيئة غير صالحة للاستخدام الآدمي؟ إن التكدس الطلابي في هذه الأجواء يخلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة، ويؤدي حتما إلى تراجع مستويات التحصيل العلمي إلى أدنى مستوياتها.

التناقض بين شعارات الدين والواقع المرير

المثير للسخرية الممزوجة بالألم هو أن سلطات الأمر الواقع التي فرضت هذا القرار، تسوقه تحت مبررات دينية، مدعية التمسك بالهوية الإسلامية ومحاربة “التقويم الغربي”. إنها محاولة بائسة لاحتكار الدين واستخدامه كأداة للسيطرة الشعبوية.

انظر إلى الخريطة: كل الدول الإسلامية والعربية تبدأ الدراسة في سبتمبر. السعودية تحولت رسميا للتقويم الميلادي في المعاملات المدنية. مصر تبدأ الدراسة في أكتوبر. المغرب وتونس والجزائر في سبتمبر. حتى إيران تستخدم التقويم الشمسي الفارسي في التعليم.

فلماذا الإصرار على قرار يخالف العالم كله؟ الجواب: لأنه قرار سياسي يهدف إلى إظهار السيطرة وفرض الهوية، حتى لو كان الثمن هو مستقبل 8 ملايين طالب وطالبة.

إن من أبسط وأعظم قواعد الشريعة الإسلامية السمحة قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وأن “المشقة تجلب التيسير”، وأن حفظ “النفس والعقل” من أهم مقاصد الشريعة. فأي دين وأي أخلاق تبيح تعذيب الأطفال في فصول دراسية لا تتوفر فيها حتى مروحة سقف تعمل؟ أي قيم تلك التي تفرض على الطالب الذهاب إلى المدرسة في هذه الظروف القاهرة، في وقت تقوم فيه نفس هذه السلطات بنهب الإيرادات العامة للدولة، وحرمان المعلمين من رواتبهم لسنوات؟

المعلم الذي يُطلب منه تعليم الأجيال في هذا القيظ، يعود إلى منزله خالي الوفاض، عاجزا عن توفير قوت يومه أو إطعام أطفاله، وإن تكرمت السلطة عليه، صرفت له “نصف راتب”، في عملية إذلال ممنهجة تُفقد العملية التعليمية كرامتها وهيبتها. إن السلوك الذي يقطع أرزاق الناس، ويسلبهم حقوقهم، ويعرض أبناءهم للخطر والمرض، يتنافى تماما مع جوهر الدين الإسلامي وكل الأديان السماوية التي جاءت لرحمة البشر، لا لتعذيبهم باسم التقويم القمري.

الانتهاك الحقوقي والإنساني في القرار

قرار بدء الدراسة في الصيف هو انتهاك صريح لحقوق الإنسان:

1. انتهاك الحق في التعليم الجيد: المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن “لكل شخص الحق في التعليم”. والتعليم الجيد يتطلب بيئة صحية. فكيف يكون التعليم جيداً والطالب يغمى عليه من الحر؟

2. انتهاك الحق في الصحة: المادة 25 من نفس الإعلان تؤكد حق كل فرد في مستوى معيشة يكفي لصحته. وسلطة الأمر الواقع لا توفر الكهرباء بأسعار مناسبة، بل تبيعها بأسعار خيالية وتقطعها لساعات. فكيف يحمي الطالب نفسه من ضربة شمس؟.

3. انتهاك مبدأ تكافؤ الفرص: الطالب الغني يستطيع شراء مروحة أو الذهاب لمدرسة خاصة مكيفة. أما ابن الفقير فيجلس على الأرض ويتعرق ويفشل. وهكذا يتحول التعليم من حق للجميع إلى امتياز للأغنياء.

من الجيل الثالث لحقوق الإنسان.. إلى نقطة الصفر

بينما يتسابق العالم اليوم في مناقشة وإقرار الجيل الثالث والرابع من حقوق الإنسان؛ كالحق في بيئة نظيفة ومستدامة، والحق في التنمية، وحقوق الخصوصية الرقمية، وتوفير بيئات تعليمية ذكية ومكيفة ومجهزة بأحدث وسائل التكنولوجيا، نجد أنفسنا، وبفضل مدعي الإيمان وحراس الفضيلة الزائفين، نُدفع بقوة للوراء، عائدين إلى نقطة الصفر، بل وما دون الصفر.

لقد أصبحنا نصارع من أجل حقوق بديهية تجاوزتها البشرية منذ قرون. أصبح حلمنا ألا يُشوى أطفالنا في المدارس. أصبح طموحنا أن ينال المعلم أجره مقابل عرقه الذي يسفحه مجانا في فصول دراسية تفتقر إلى الأكسجين. إن هذا الانحدار ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية عندما تُسلم مقاليد الأمور لسلطات لا تؤمن بالعلم، ولا تحترم العقل، ولا تقيم وزنا للإنسان.

ختاما: دعوة لتحكيم العقل

إن التقويم الأكاديمي ليس شأنا أيديولوجيا أو عقائديا يُستخدم للمزايدات السياسية؛ بل هو أداة تنظيمية بحتة يجب أن تخضع لقواعد العلم والمنطق والبيئة. استخدام التقويم الشمسي لضبط المواسم الدراسية ليس كفراً ولا تبعية، بل هو إعمال للعقل الذي ميزنا الله به لاكتشاف قوانين الطبيعة والكون (والشمس تجري لمستقر لها).

إن التراجع عن هذا القرار العبثي ليس هزيمة، بل هو انتصار لحق الأطفال في التعليم في بيئة آمنة وصحية. أما الاستمرار في هذه المكابرة، فلن ينتج سوى أجيال مشوهة تعليميا، فاقدة للشغف، تحمل في ذاكرتها صورة قاسية عن سلطة جعلت من مقاعد الدراسة منصات للعذاب، ومن الدين غطاء لتبرير القهر والفساد الإداري. لقد حان الوقت ليرتفع صوت العقل على ضجيج الشعارات، ولتعود الأمور إلى نصابها الطبيعي قبل أن ينهار ما تبقى من هيكل التعليم على رؤوس الجميع.

أيها المسؤولون: إذا كنتم صادقين في حب الدين، فطبقوه في العدل وفي إعطاء الحقوق وفي الرحمة بالناس. أما المتاجرة بالدين لتبرير قرارات فاشلة فهو أشد أنواع النفاق.

التقويم الهجري تاج على رؤوسنا، لكن مكانه المساجد والمناسبات الدينية. أما المدارس فمكانها التقويم الشمسي، مكان العلم والبناء. ومن يخلط بين الاثنين فهو يخلط بين السماء والأرض، ويدمر وطنا بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.