صرخةٌ ضد عبث اللصوص: قضية حاشد شهادة دامغة على عدم تمثيل الشعب

يمنات
شراع نشوان
في أبجديات العمل السياسي، تُمثل “الدولة” العقد الاجتماعي الأسمى، حيث يتبادل المواطن والمؤسسة الأدوار: يقدم المواطن الولاء والعمل، وتضمن الدولة له سبل العيش والكرامة. لكننا في اليمن، نعيش مفارقة عبثية تتجاوز حدود المنطق؛ حيث يقف رأس هرم “الشرعية” ليخبر الموظف في المحافظات التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، ببرودٍ يستفز كرامة الأحرار، بأن عليه “مطالبة” الانقلابيين بمرتباته.
إننا هنا لا نواجه مجرد سقوط سياسي، بل سقوطاً قانونياً ودستورياً مكتمل الأركان. إن الدولة التي تطلب من موظفيها اللجوء إلى “طرف انقلابي” لاستلام حقوقهم، هي دولة تُعلن رسمياً تنازلها عن سيادتها وعن واجباتها الدستورية. قانوناً، الموظف العام مرتبط بعقد مع الدولة وليس مع الأفراد، والامتناع عن دفع الراتب تحت مبررات سياسية واهية هو إخلال صريح بواجبات الوظيفة العامة.
إن هذه السلطة، بامتناعها عن صرف المرتبات، قد أخلت بالركن الأساسي الذي تشرعن به وجودها؛ فهي لا تحكم، ولا توفر الخدمات، ولا تصون الحقوق، مما يجعل وجودها “شرعياً” على الورق فقط، بينما هو “فاقد للشرعية” في الواقع والقانون.
إن التعبير الأصدق عن فساد هذه المنظومة ليس فقط في نهب المال العام، بل في “موت الضمير”.
ولعل قضية النائب أحمد سيف حاشد هي الشهادة الدامغة على أن هذه الكيانات لا تمثل الشعب، بل تحاربه في رموزه. إن التغاضي المتعمد والمخزي عن احتياجات النائب حاشد للعلاج، وهو الرجل الذي ظل صوتاً حراً تحت قبة البرلمان، يكشف أن هذه “الشرعية” ليست سوى نادٍ للصوص المتصارعين على الامتيازات.
إن القانون الذي يحمي الحق في الحياة والرعاية للمواطن—فضلاً عن المشرع ذاته—يُداس اليوم بالأقدام من قبل من يدعون تمثيل الدستور! كيف لمن يدعي شرعية تمثيل الشعب أن يترك نائباً مثل حاشد يواجه مرضه بمفرده، بينما يُنفق الملايين من الدولارات على وفود سياحية بلا أجندة وطنية؟
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد إدارة فاشلة، بل هو عبث منهجي بمقدرات وطن يغرق. إن السلطة التي تملك الملايين للوفود والرحلات، وتدعي “العجز” أمام رواتب الموظفين أو علاج صوت حر، هي سلطة ساقطة أخلاقياً وقانونياً. إن بقاء هذه الكيانات في شكلها الحالي هو استمرار للنزيف الوطني، وشرعنة لنهب مقدراتنا.
إننا ندعو كل يمني حر إلى الرفض الصريح لهذا التزييف. المطلوب اليوم ليس ترقيع هذه الكيانات، بل اقتلاع هذا الفساد الذي يتستر تحت مسمى “الشرعية”، ومطالبة المانحين الدوليين بوقف تمويل هذه “الدكاكين” التي لا تمثل إلا نفسها
اليمن أكبر من هؤلاء، والوطن الذي يخذل أبناءه ورموزه ليس وطناً، بل هو شركة أفلست أخلاقياً وقانونياً، ووجب إعلان تصفيتها.