أهم الأخبارفضاء حر

ما أشبه الليلة بالبارحة! النكف القبلي بين سلطتين وشيخين

يمنات

​عبدالوهاب قطران

​بالأمس القريب، قبل قرابة سنة وتزيد تم سجن الشيخ محمد الزايدي، شيخ “جهم” إحدى قبائل خولان الطيال السبع، والمحسوب على “سلطة الواقع بصنعاء”، من قِبل “سلطة الواقع الشرعية” في المهرة. وقد قُتل أثناء عملية الاعتقال قائد الحملة الأمنية، وهو ضابط كبير من أبناء الحيمة، إلى جانب أحد جنود الحملة. حينها، قامت الدنيا ولم تقعد، وتصدرت الحادثة كبرى “الترندات” على مواقع التواصل الاجتماعي في اليمن.

​حنَّ داعي النكف القبلي، وحشدت وأججت ومولت سلطة صنعاء هذا النكف، باعتبار ما قامت به سلطة الشرعية “عيباً أسوداً” وتقطعاً لكبيرِ قومٍ وشيخِ قبيلة. تعاطفنا وتضامنا جميعا مع الشيخ الزايدي وطالبنا بسرعة الافراج عنه .

وتعاطفت وتضامنت معه قبائل عبيدة والجدعان ومراد وبكيل، وقبائل المهرة وشبوة وحضرموت الواقعة تحت سلطة الامر الواقع الشرعية، بل وتعاطفت مع الزايدي كافة قبائل اليمن.

 واستجابة لنكف خولان الطيال، انطلق مئات المسلحين من قبائل خولان وبكيل بسياراتهم “الشاصات” من مناطق سلطة الخوثيين إلى مناطق سلطة الشرعية بالمهرة.

 مُورس ضغط قبلي وشعبي قوي على سلطة الشرعية وحليفتها السعودية، فرضخوا لتلك الضغوط الهائلة، وأفرجوا بعد أشهر عن الشيخ الزايدي، ليعود إلى صنعاء معززاً مكرماً.

​وبذلك، ثبت للجميع أن القبيلة اليمنية ومشايخها لا تزال لهم الكلمة العليا، وأنهم أصحاب السلطة الأعلى في اليمن!   

 لقد لمس الجميع كيف انحنت سلطة الشرعية وحليفتها المملكة العربية السعودية لسلطة القبيلة، ورضخت لضغوطها، واحترمت مطالبها بالإفراج عن المعتقل، رغم سفك الدماء ومقتل ضابط كبير وجندي أثناء محاولة اعتقال الزايدي!

​ولكن، في المقابل، أدرك الكثيرون أنه لو حدث الأمر ذاته في مناطق سلطة الواقع بصنعاء الخوثيين، فمن المحال أن يرضخوا لنكف القبيلة؛ لأن القبائل الواقعة تحت سلطتهم قد تم كسرها وإذلال كباراتها، وإخضاعها بقوة الحديد والنار.

​وقبل عدة أشهر، طفت على السطح في مواقع التواصل الاجتماعي، كـ “ترند” كاسح، قضية اعتقال سلطة صنعاء للشيخ الدهمي “حمد بن فدغم”، أحد أبرز مشايخ قبيلة دهم الحمراء. فتنادت قبيلة دهم للنكف، واجتمعت واعتصمت في مطارح الجوف، مانحةً سلطة صنعاء ثلاثة أيام للإفراج عنه.

 وتحت وطأة ضغوط هائلة، شعبية وقبلية اضطر الخوثيون للإفراج عنه، محاولين حفظ ماء الوجه بتدخل من كبير بكيل، الشيخ ناجي الشايف. عندئذٍ، بدت القبيلة وكأنها قد انتصرت واستعادت مكانتها وظهرت بكامل قوتها، وخرج بن فدغم قوياً صلباً مرفوع الرأس. شعر الخوثيون بالغيظ والانكسار، وأدركوا أنهم قدموا تنازلاً كبيراً قد يُشجع القبيلة مستقبلاً على استعادة دورها وقوتها، ويجرئ القبائل على التمرد عليهم. لكنهم كظموا غيظهم، وتحينوا الفرصة لاستعادة هيبتهم وسطوتهم بكسر القبيلة ورموزها.

​فأتت قضية قص من تقول ان اسمها “ميرا صدام حسين المجيد” لشعرها، وتسليم خصلة منه لمن ظهر كفارس وزعيم قوم، تحدى الخوثيين وسُجن ثم خرج من سجونهم كأسدٍ ضرغام بفضل قوة وتكاتف وشجاعة قبيلته؛ الشيخ حمد بن فدغم. كانت تلك الخصلة مناشدة له ولقبيلته دهم ولعموم بكيل، للانتصار لمظلوميتها من فارس مناع (أحد مشايخ قبيلة سحار وخولان بن عامر)، الذي تدعي انه استولى على فيلتها في صنعاء. واشتعل على إثر ذلك “ترند” عارم على مواقع التواصل الاجتماعي، وظلت قضية ميرا وبن فدغم تتصدر المشهد لقرابة نصف شهر في مطلع مايو الماضي.

​وانتهت قضيتهما بكسر وإخضاع وإذلال القبيلة مجدداً من قبل سلطة صنعاء، التي وجدتها فرصة ذهبية لإعادة سطوتها وهيبتها عبر اعتقال وسجن وإذلال الشيخ حمد بن فدغم وربيعته، وكسر شوكة قبيلة دهم خاصة، وبكيل وقبائل اليمن عامة.

 وقبل عشرة أيام، قامت سلطة صنعاء الخوثيين بالإفراج عن بن فدغم (دون ربيعته)، بعد أن أُظهِر مكسوراً وذليلاً في تسجيل فيديو ينفي فيه نسب ميرا ويقول أنها ابنة الزبيري، وان سلطة صنعاء ابرزت له وهو بالسجن مايؤكد امها سمية احمد الزبيري وخرج تحت ضمانة خمسة من مشايخ قبيلتة دهم.

​وبعد أربعة أيام من الإفراج عنه، ظهر في مقطع فيديو مسجل وهو يصرخ ويكسر “جَفْره” وجهازه، ويبكي بحرقة وسط اجتماع قبلي لبني نوف في مناطق دهم الواقعة تحت سلطة الواقع سلطة الشرعية. تذمر الشيخ بن فدغم وذكر أنه تم إذلاله وهتك عرضه، وإكراهه على الإدلاء ببيان عبر فيديو مسجل وهو في السجن، مؤكداً أنه دخل عليه في سجنه ثلاثة من قيادات الخوثيين: أبو علي الحاكم، وعلي حسين الخوثي، وغريمه فارس مناع، وحاولوا إجباره على “التبصيم” على أوراق مذلة ولكنه رفض!

وأضاف صارخاً: “عرضي هو عرضكم جميعاً”، داعياً للتقطع على قبيلة سحار وخولان بن عامر، ومنادياً بالنّكف القبلي لكل قبائل اليمن. وعادت قضيته لتشتعل كـ “ترند” عارم منذ أسبوع، حيث أقام مطرحاً أسماه مطرح “الكرامة” في منطقة الريان بأطراف الجوف الواقعة تحت سلطة الشرعية. وقد أجابته الصبيان من كل القبائل، وتوافدت على المطرح وفود قبلية من كل حدب وصوب، من حاشد وبكيل ومذحج ومراد وخولان، ومن قبائل الشمال والجنوب.

​وفي خضم هذا المعترك الجيواستراتيجي والقَبلي، يبرز أمامنا مشهد يبعث على الاستغراب الشديد والدهشة، ويمثل لغزاً عصياً على الفهم المنطقي، ويتجلى ذلك في الموقف المتناقض للناشط السياسي اليمني الأبرز علي البخيتي! فالبخيتي، المحسوب على سلطة الشرعية والمُصنف كأحد الأبواق الإعلامية المدافعة عن سياسات السعودية، رأيناه بالأمس القريب يستميت بشراسة في الدفاع عن الشيخ الزايدي، ويكيل المديح تلو المديح للنكف القبلي والقبائل المحتشدة لنصرة الزايدي، مندداً بقوة بسلطة الشرعية (التي ينتمي لمعسكرها) لاعتقالها الشيخ، واصفاً ما حدث بأنه “عيب أسود” و”تقطّع لكبير قوم”، ومطالباً بسرعة الإفراج عنه!

​ولكن، وفي مفارقة لا يتقبلها العقل والمنطق، وبموقف ملغز وغامض وعصي على الفهم نجده اليوم في قضية الشيخ حمد بن فدغم وربيعته التى تنسب نفسها للزعيم العراقي الراحل صدام حسين وتسمي نفسها “ميرا صدام حسين” يتقمص موقف الخصم الشرس اللدد بالخصومة وينقلب على عقبيه! 

لقد استمات البخيتي بشكل مريب في تشويه القضية، وانبرى بحماس عجيب للدفاع عن الخوثيين وإجراءاتهم القمعية بحق الشيخ وربيعته. نشر البخيتي عشرات الفيديوهات ليسخر من الشيخ بن فدغم ومن النكف القبلي المؤيد له، ناعتاً إياه بأبشع الأوصاف كـ “قاطع الطريق” و”الأخبل” و”الأبله”. ولم يكتفِ بذلك، بل شن حملة شعواء لنفي نسب “ميرا”، واصفاً إياها بـ “النصابة”، و”المزورة”، و”الأفّاكة” الساعية للفتنة، مصرّاً بإلحاح غريب على أن اسمها الحقيقي “سمية الزبيري”!

​هذا الاصطفاف الصارخ مع سلطة الواقع بصنعاء الخوثيين، وتبني روايتهم بالكامل، وتبرير ظلمهم وجورهم وسجنهم لامرأة وشيخ استجارت به، وتجاهل دعواها بنهب مسكنها وحقوقها..

 يرافقه سخرية فجة من مئات الآلاف من اليمنيين المتعاطفين ومن القبائل ومشايخها.. يضعنا أمام تساؤل مرير: ما هو السر وراء هذا الموقف اللاأخلاقي واللامنطقي؟

 وكيف تحولت بوصلة “المدافع عن القبيلة” وعن الحقوق والحريات فجأة ليكون محامي شيطنةٍ ضدها لمجرد أن الجلاد هذه المرة في صنعاء؟!

​وبالعودة إلى الشيخ بن فدغم، فمن خلال متابعتنا لتصريحاته ولقائاته ،فقد بدا حريصاً منذ اللحظة الأولى على عدم تسييس القضية، وعدم حسبانه على أي طرف من أطراف الصراع (شرعية أو خوثيين ومن يقف خلفهم)، مؤكداً أنه لا يمتلك مالاً ولا دعماً ولا سلاحاً ولا منصباً.

 وأوضح أن طلبه ونكفه ليس رغبةً في الزعامة أو المال أو القيادة، وإنما ينحصر في مطالب حقوقية، قبلية، وقانونية، بعيدة كل البعد عن السياسة. مطلبه الأساسي هو استعادة كرامة القبيلة، وكلمتها، وأعرافها، وأسلافها، ومكانتها، وقوتها ونفوذها. 

وفي آخر بيان له اليوم، أكد على رفضه تسييس القضية، وأن مطلبه الأوحد ينحصر فقط في الإفراج عن ربيعته من سجون صنعاء وإعادتها إليه، كائنةً من كانت، “حتى لو كانت جارية”. 

وشدد على أنه لا يريد الفيلا، ولا الذهب، ولا المال، ولا السيارات المنهوبة منها؛ بل هو متنازل عن كل ذلك، شريطة أن يفرجوا عنها فقط ويعيدوها إليه.

​ومن الواضح والجلي أن السعودية وحليفتها مايسمى “الشرعية” غير مستعدتين حالياً لأي تصعيد عسكري، ولا تريدان الانجرار إلى مواجهات وعودة للصراع والحرب مع سلطة صنعاء ، كونهما ملتزمتين بالهدنة والسلام الهش، حتى وإن بدا للمتابع أنهم يمولون النكف القبلي والحشود القبلية، تماماً كما فعل الخوثيون بالأمس مع نكف وحشودات الزايدي.

أما سلطة الواقع بصنعاء، فقبل أيام من ظهور بن فدغم، ارتفعت نبرة خطابهم الإعلامي تجاه السعودية وحليفتها سلطة الواقع الشرعية، ودعوا للتصعيد والتعبئة والتحشيد ورفع الجاهزية القتالية لمواجهة “العدوان والاحتلال”، وانتزاع المرتبات والنفط والغاز وتحرير الأرض. 

وقد يجدونها فرصة ذهبية لعودة المواجهات العسكرية، لو صدرت من السعودية والشرعية أي تحركات تحت أي عنوان.

​ولذلك، يقف بن فدغم في موقف صعب لا يُحسد عليه. فتوقيت نكفه وحشوده توقيت خاطئ، وحساس، ومعقد للغاية. 

ولهذا، لا أظن أن سلطة الخوثيين ستلبي طلبه بإطلاق ربيعته وإعادتها إليه، إلا في حالة واحدة: أن تتدخل السعودية، وتضغط القبائل المنكفة بقوة على السعودية وسلطة الواقع الشرعية، لكي تُطرح وساطة عمانية للإفراج عن ربيعة بن فدغم وإعادتها إليه، كما حدث في قضية الشيخ الزايدي بالأمس.

​وبذلك يُطوى ملف القضية، ويخرج الجميع بماء الوجه، تحت قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”.

​وفوق كل ذي علم عليم.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.