أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

من يحجب الحقيقة..؟.. قراءة بنيوية في ضجيج قضية “ميرا” وصراع الروايات

يمنات

منذ انفجار قضية “ميرا” قبل عدة أشهر، والرأي العام يعيش تحت سيلٍ متواصل من الروايات المتعارضة، والتسريبات، والتصريحات، والردود والردود المضادة، والنكف القبلي وما يقابله من نكف قبلي مضاد.

حتى تحولت القضية إلى ساحة صراع سلطوي وقبلي وإعلامي مفتوح، غابت فيه الحدود الفاصلة بين الحقيقة والدعاية، وبين الوقائع والانطباعات، وبين الإثبات والادعاء.

حتى ​لم يعد المتابع يدري ما هو جوهر القضية:
​هل هو إثبات نسب “ميرا”؟ ​أم النزاع حول العقار الذي قيل إنها كانت تقيم فيه ويشغله حالياً فارس مناع؟ أم أن كلاً من هذين الملفين ليس سوى واجهة تُخفي وراءها ملفات أخرى أكثر حساسية وتعقيداً؟

​لقد اختلط الحابل بالنابل، وامتزج الغث بالسمين، حتى أصبحت الحقيقة نفسها الضحية الأولى لهذا الضجيج الإعلامي الهائل.

في زحمة الادعاءات

​من الناحية القانونية والمنطقية والمنهجية، فإن جميع الأطراف المتنازعة (ميرا، بن فدغم، سلطة صنعاء، فارس مناع، علي البخيتي، وأسرة الرئيس الراحل صدام حسين) يظلون “خصوماً” في القضية.

وما يصدر عن الخصم—أياً كان موقعه—لا يعدو كونه مجرد ادعاء؛ لا يرقى بذاته إلى مرتبة الدليل ولا يثبت الحقيقة.

​كل تلك الروايات تحتاج إلى دليل يقيني جازم، وإثبات قطعي أمام جهة قضائية مستقلة محايدة نزيهة، أو هيئة تحقيق تتوافر فيها شروط الاستقلال والنزاهة؛ وهذه قاعدة راسخة لا يختلف عليها القانون ولا المنطق ولا روح العدالة.

​لكن اللافت في هذه القضية، أن كثافة السرديات المتصارعة لا تقرّب الناس من الحقيقة، بل تؤدي إلى النتيجة المعاكسة؛ فكلما ازداد الضخ الإعلامي والإغراق بالتفاصيل، ازداد الغموض، وكأن فيض الروايات أصبح وسيلة لإغراق الحقيقة وتغييبها، لا لكشفها!

​بين كشف الحقيقة والسيطرة على الرواية

​التحليل البنيوي لأي أزمة من هذا النوع يبين أن تضخم السرديات المتناقضة يؤدي غالباً إلى تشتيت وتضليل الوعي الجمعي.

لينصرف الرأي العام إلى الجدل العقيم حول التفاصيل، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة بلا إجابة.

​وفي هذا السياق، يبدو أن أطرافاً متعددة—رغم تعارض مصالحها—تلتقي عند نقطة واحدة: استمرار الغموض. لأن وضوح الحقيقة قد يترتب عليه إعادة فتح ملفات سياسية، مالية، أو قانونية لا يرغب المعنيون في إثارتها.

​لذا، تجاوزت القضية كونها نزاعاً حول “نسب” أو “ملكية عقار”، لتصبح أقرب إلى صراع تناحري على المصالح و النفوذ، تتداخل فيه السياسة بالإعلام، والسرديات بالقبيلة والقبائل.

​المحاماة الإعلامية وحرب الاستقطاب

​الحضور الإعلامي المكثف لبعض الشخصيات، وفي مقدمتهم الناشط “علي البخيتي”—الذي تبنى منذ البداية رواية تنفي انتساب ميرا لصدام حسين، وقدم دفاعاً مستميتاً لإثبات أنها “سمية أحمد الزبيري”—يعكس حجم الاستقطاب.

و هذا يؤكد أن المعركة لم تعد قانونية فحسب، بل أصبحت معركة نفوذ ومصالح ورأي عام، ​غير أن تبني أي رواية، أو الدفاع عنها بضراوة، لا يجعلها صحيحة بالضرورة. الحقيقة لا تُقاس بقوة الخطاب، ولا بعدد المنابر، ولا بكثرة الضخ الإعلامي، بل بما يسنده الدليل القاطع.

​الحلول العلمية والقانونية

​إذا كان النزاع حول النسب: فإن الوسائل العلمية الحديثة، وعلى رأسها فحص الحمض النووي (DNA) لدى مختبر دولي معتمد ومحايد كألمانيا، قادرة على حسم الجدل متى توافرت العينات والإجراءات القانونية.

​وإذا كان النزاع حول عقار: فالمرجع الطبيعي هو الوثائق الرسمية، وسجلات الملكية، والقضاء المستقل والنزيه.

​أما إذا كانت القضية تتصل بملفات أخرى: فذلك يحتاج إلى أدلة موثقة، لا إلى التخمين أو البناء على الترابط الزمني للأحداث.

الحقيقة أبقى من الضوضاء
​إن أخطر ما في هذه القضية هو الزج بالقبيلة ونكفها ونخوتها بصراع المصالح والنفوذ والاستقطاب،و تحول الرأي العام والقبائل والقبيلة إلى ساحة تتنازعها السرديات، في حين تتراجع قيمة الدليل، ويغيب التحقيق المستقل، وتعلو الغوغائية على صوت العقل والحكمة. 

​الحقيقة لا تُولد من كثرة المتحدثين بمواقع التواصل الاجتماعي ولا من صخب النكف القبلي والنكف المضاد ولا من ترندات مواقع التواصل؛ بل تُولد حين تخضع جميع الروايات لميزان واحد: ميزان الدليل القاطع.

المصلحة العامة تقتضي كشف الحقيقة كاملة، أياً كانت، بعيداً عن الاستثمار السياسي والإعلامي، لأن المجتمعات التي تعجز عن حماية حقيقتها تفتح الباب واسعاً للشائعات، وتفقد ثقتها في مؤسساتها.

​وستبقى الحقيقة—مهما طال تغييبها—أقدر على البقاء من كل رواية صُنيعت لخدمة ظرفٍ عابر أو مصلحةٍ مؤقتة.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.