قراءة في رسالة الباحث اليمني رياض الصفواني «يهود اليمن في القرنين 19 و20 الميلاديين»

يمنات
حميد عقبي
تمثل رسالة الباحث اليمني رياض الصفواني «يهود اليمن في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين» واحدة من الدراسات الأكاديمية اليمنية التي خصصت بحثًا مستقلًا وموسعًا لتاريخ الجماعة اليهودية اليمنية في العصر الحديث، وهي رسالة نوقشت في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة صنعاء عام 2006، في مرحلة كانت فيها الدراسات العربية واليمنية حول يهود اليمن ما تزال محدودة نسبيًا مقارنة بالكم الكبير من الدراسات الإسرائيلية والغربية.
تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها جاءت من داخل المؤسسة الأكاديمية اليمنية، وقدمت رؤية يمنية محلية تجاه جماعة كانت جزءًا أصيلًا من النسيج التاريخي والاجتماعي والثقافي لليمن عبر قرون طويلة. كما أنها حاولت جمع المادة المتعلقة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والهجرة والعلاقة مع الصهيونية والاستعمار البريطاني في إطار دراسة واحدة.
تتكون الرسالة من عدة فصول تناولت أصول يهود اليمن، وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وعلاقتهم بالأئمة والسلطة، وصلاتهم ببريطانيا في عدن، وتأثير الحركة الصهيونية، ثم هجرة اليهود إلى فلسطين وإسرائيل. كما أرفق الباحث نحو ثلاثين صفحة من الملاحق ضمت صورًا ووثائق ومخطوطات وصفحات من كتب قديمة.
غير أن أهمية العمل وريادته لا تمنعان من إخضاعه لقراءة نقدية هادئة ومنهجية، خاصة أن موضوع يهود اليمن ظل لفترة طويلة محكومًا بخطابات دينية وقومية وسياسية أثرت بدرجات متفاوتة على الدراسات العربية المتعلقة به.
أولًا: بين الريادة والتخصص
تكشف سيرة الباحث العلمية لاحقًا أن تخصصه الرئيس كان في التاريخ السياسي اليمني، وخاصة تاريخ الدولة القاسمية والعلاقة بين العلماء والسلطة، كما يظهر في أطروحته للدكتوراه:
«موقف العلماء اليمنيين من سياسة أئمة الدولة القاسمية (1054–1289هـ / 1645–1872م)».
وهذا يفسر جزئيًا الطبيعة السياسية للرسالة، وتركيزها الواضح على علاقة اليهود بالسلطة والأئمة والصهيونية والاستعمار، مقابل حضور أقل للتاريخ الثقافي والاجتماعي والديني الداخلي للطائفة اليهودية.
فالرسالة تبدو أقرب إلى دراسة كتبها مؤرخ متخصص في التاريخ السياسي اليمني عن اليهود، لا دراسة كتبها متخصص في الدراسات اليهودية أو تاريخ الأقليات أو الأنثروبولوجيا الثقافية.
ثانيًا: اتساع العنوان وضخامة الموضوع
يُعد عنوان الرسالة: «يهود اليمن في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين» عنوانًا واسعًا للغاية بالنسبة إلى رسالة ماجستير.
فهو يشمل: التاريخ السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والديني، والثقافي، والهجرة، والصهيونية، والعلاقات الدولية، والإصلاح الديني، والتحولات الفكرية داخل الجماعة اليهودية.
وربما أدى هذا الاتساع إلى المرور السريع على قضايا تستحق كل واحدة منها دراسة مستقلة.
ثالثًا: القضايا المؤسسة الغائبة
من أكثر الملاحظات أهمية غياب أو ضعف تناول بعض الأحداث المؤسسة في الذاكرة اليهودية اليمنية.
وفي مقدمتها:
1- نفي موزع
تشير الرسالة إلى عودة اليهود إلى صنعاء وإنشاء حي قاع اليهود بعد عهد الإمام المهدي أحمد بن الحسن، لكنها لم تمنح المساحة الكافية للحديث عن نفي اليهود إلى موزع وما رافقه من مصادرة أملاك ووفيات ومجاعات.
وللعلم فإن تعد حادثة موزع واحدة من أكثر الأحداث قسوةً وتأثيرًا في الذاكرة اليهودية اليمنية، ولذلك يصعب فهم تاريخ يهود اليمن اللاحق دونها فقد سببت جرحًا عميقًا مايزال آثره إلى اليوم.
2- قانون الأيتام
نسي الباحث التطرق إلى هذا القانون وهو من أكثر القوانين حضورًا في الذاكرة اليهودية اليمنية، كونه سمح للسلطة بأخذ الأطفال اليهود الأيتام وتربيتهم على الإسلام وانتزاعهم من مجتمعهم لمجرد أنهم أيتام وتُعطى لولاية والرعاية مباشرة لمسلم.
وقد احدث هذا القانون أثرًا كبيرًا على البنية الاجتماعية للعائلة اليهودية وانتشار الزواج المبكر جدًا للقاصرين والقاصرات، ولم يحظ هذه المضوع بالمساحة التي كان يستحقها داخل الرسالة.
رابعًا: المسيحانية بين الوصف والتحليل
تناول الباحث ظهور عدد من المدعين للمسيحانية والنبوة، لكنه اكتفى غالبًا بوصف الأحداث دون تحليل السياقات الاجتماعية والنفسية التي أنتجتها.
فالحركات المسيحانية في المجتمعات اليهودية غالبًا ما تظهر في فترات: الاضطهاد، والمجاعة، والأوبئة، والانهيار السياسي.
وكان القرن التاسع عشر بالنسبة ليهود اليمن قرنًا مليئًا بالأزمات، الأمر الذي يجعل تفسير الظاهرة ضرورة منهجية وليس فقط مجرد إضافة هامشية.
خامسًا: الصهيونية كفاعل مطلق
تظهر الحركة الصهيونية في الفصول الأخيرة من الرسالة كقوةة تكاد تكون مطلقة القدرة، أو كأنها تفسير جاهز لمعظم التحولات التي شهدها يهود اليمن.
في حين أن الدراسات الحديثة تميل إلى فهم الهجرة بكونها نتاج تفاعل عدة عوامل: دينية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية.
ولا يمكن اختزالها في عامل واحد مهما كانت أهميته.
سادسًا: أحداث عدن 1947
عند معالجة أحداث عدن سنة 1947 يشعر القارئ أحيانًا أن النص يقترب من الخطاب السياسي أكثر من التحليل التاريخي.
فالاضطرابات كانت نتاج تفاعل معقد بين: قرار تقسيم فلسطين، وتصاعد الصراع العربي اليهودي، والأوضاع الاقتصادية في عدن، والتوترات المحلية، ونشاط المنظمات الصهيونية.
أما اختزالها في مؤامرة أحادية الاتجاه فيؤدي إلى تبسيط الحدث وإفقاده تعقيده التاريخي.
سابعًا: العلاقة مع بريطانيا
ينطبق الأمر نفسه على علاقة يهود اليمن بالبريطانيين.
صحيح أن بعض يهود عدن استفادوا من الإدارة البريطانية، لكن تحويل ذلك إلى وصف عام لعلاقة يهود اليمن بالاستعمار وأنهم كانوا عملاء له فهذا حكم من ضمن الأحكام المسبقة وقد تجاهل أيضًا أن غالبية يهود المرتفعات اليمنية لم يكن لهم أي اتصال مباشر ببريطانيا أو مع الجمعيات الصهيونية وكذلك فالحكام من الشمال والجنوب ربحوا أموالاً ومصالحًا كثيرة واستفادوا من عملية تهجير اليهود.
ثامنًا: مشكلة الأحكام المسبقة
احتوى البحث أحيانًا على أحكام عقدية أو قيمية داخل المتن التاريخي.
ومن أمثلة ذلك وصف التوراة بأنها “محرفة” أو وصف بعض المعتقدات اليهودية بأنها “مزاعم عجيبة”.
مثل هذه العبارات تنتمي إلى الجدل الديني أكثر من انتمائها إلى الكتابة التاريخية الحديثة.
تاسعًا: صورة مثالية للتعايش
يميل الباحث أحيانًا إلى تضخيم بعض الروايات المتعلقة بعدل المسلمين أو كرمهم تجاه اليهود ويرسم أحيانًا صور لمدن فاضلة لا ظلم فيها ولا قسوة.
ولا شك أن هناك فترات سلام وعدل حدثت كوقائع موجودة في التاريخ اليمني، لكنها لا تكفي لرسم صورة عامة وخاصة عن القرن التاسع عشر الذي كان مختلفًا وقاسيًا وقد شهد:
• مجاعات،
• وأوبئة،
• ونهبًا،
• واضطرابات،
• وخوفًا دائمًا من تغير السلطة.
إن التعايش والتمييز والعنف كل هذه كانت موجودة، ولا يمكن اختزال التجربة في أحدهما وحده؛ كما أن الباحث في مبحث خاص عن أحداث القرن التاسع عشر تحدث عن هذه الأحداث والكوارث العنيفة.
عاشرًا: المهن والبنية الاجتماعية
تناولت الرسالة بعض المهن التي مارسها اليهود، وأشارت إلى أعمال النظافة وتنظيف الحمامات.
لكنها لم تناقش بصورة كافية البنية الطبقية والاجتماعية في اليمن، ولا الفرق بين الحرف اليهودية التقليدية وبين الأعمال التي ارتبطت تاريخيًا بجماعات أخرى مثل (الأخدام) الخدم ذوي الأصول الإفريقية.
كما لم تناقش الروايات المتعلقة بإجبار اليهود على تنظيف المراحيض العامة من زاوية علاقتها بالإذلال الرمزي أو بنظام الذمة.
الحادي عشر: إشكالات في قراءة التراث الموسيقي
عند الحديث عن الأعراس اليهودية أورد الباحث أغنية “يا هزلي” ضمن جلسات الرجال.
بينما تنتمي الأغنية في الغالب إلى الفضاء النسائي، وهو ما يكشف صعوبة التعامل مع التراث الشفهي دون معرفة دقيقة بسياقات الأداء الاجتماعي.
الثاني عشر: البلدي والشامي
من أكثر الملاحظات أهمية اختزال الصراع بين البلدي والشامي في ثنائية التقليد والحداثة.
فالواقع أكثر تعقيدًا.
إذ كان الموري يحيى قافح رجل إصلاح وتنوير وتعليم، ولم يكن معاديًا للعلوم الحديثة.
وكان اعتراضه موجها أساسًا نحو بعض الطقوس القبالية والسفاردية الوافدة التي حملها حاخام آخر جاء من مصر ويدعي أهارون عراقي وكان يرغب بالسيطرة على يهود اليمن وتغيير عاداتهم العبادية.
الثالث عشر: يحيى قافح والمستشرقون
بدت علاقة يحيى قافح بالمستشرقين مثل جوزيف هاليفي وإدوارد غلازر وكأنها موضع ريبة أو اتهام ضمني.
بينما كانت في جوهرها علاقة علمية مرتبطة بالمخطوطات والبحث والمعرفة.
ويبدو أن الباحث لم يطلع ويبحث في سيرة الموري يحيى قافح والذي قاد حداثة معرفية وتعليمة وحفظ على مئات المخطوطات وله منجزات يصعب حصرها ويستحق وحدها تخصيص بحث معمق عنه
الرابع عشر: الحاخام العراقي والطقوس الشامية
لم تميز الرسالة بصورة كافية بين التعليم الحديث وبين إدخال الطقوس السفاردية والشامية إلى اليمن.
فالصراع الذي دار حول الحاخام المعروف بلقب “العراقي” كان في جوهره صراعًا دينيًا داخليًا حول هوية الطقس اليمني، أكثر منه صراعًا بين التقدم والتخلف.
الخامس عشر: مشكلة المصادر
اعتمد الباحث أحيانًا على مراجع ذات قيمة أكاديمية محدودة، منها بعض الكتب ذات الطابع السياسي أو الصحفي.
وكان من الممكن تعزيز الرسالة بقدر أكبر من الوثائق والدراسات الأجنبية واليهودية التي أصبحت اليوم متاحة بسهولة أكبر.
السادس عشر: الملاحق الصامتة
رغم احتواء الرسالة على نحو ثلاثين صفحة من الوثائق والمخطوطات والصور، فإن القارئ لا يشعر بحضورها الحقيقي داخل المتن.
فالوثيقة لا تكسب قيمتها من وجودها في الملحق، بل من قدرتها على المشاركة في بناء الحجة التاريخية.
وهذه مشكلة تتكرر في عدد كبير من الرسائل العربية، حيث تتحول الملاحق إلى زينة أكاديمية أكثر من كونها أدوات تحليل.
السابع عشر: تفاوت الأسلوب
تنتقل الرسالة بين:
السرد التاريخي التقليدي،
واللغة التراثية،
والنبرة الصحفية،
والأسلوب الأكاديمي المباشر.
وأحيانًا تظهر لمسات ذكية تميل إلى التشويق، ثم يعود النص فجأة إلى لغة تقريرية بسيطة.
وهذا جعل العمل يبدو وكأنه كتب بأكثر من صوت ومنهج.
الثامن عشر: موضوعية حاضرة أحيانًا
رغم جميع الملاحظات السابقة، ينبغي الاعتراف بأن الباحث أظهر في بعض المواضع قدرًا واضحًا من الموضوعية، خاصة عند وصف ما تعرض له اليهود من نهب وسلب خلال الاضطرابات القبلية وسقوط صنعاء المتكرر خلال القرن التاسع عشر.
وهنا يقترب النص من أفضل صفحاته وأكثرها توازنًا.
تتوفر مداخلة نقدية مطولة بتفاصيل أكثر على قناة يوتيوب المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح
https://youtu.be/m3vcqoKVMpY?si=B-Ec7ZK0m_9dWwKC
استنتاجات هامة
تمثل الرسالة إحدى المحاولات اليمنية المبكرة لدراسة يهود اليمن أكاديميًا.
التخصص السياسي للباحث أثر بوضوح على زوايا المعالجة.
اتساع عنوان الرسالة تجاوز حدود رسالة الماجستير التقليدية.
غابت بعض القضايا المؤسسة في الذاكرة اليهودية اليمنية.
حضرت الأحكام المسبقة أحيانًا داخل المتن.
ظهرت الصهيونية كفاعل شبه مطلق في تفسير الأحداث.
لم تستثمر الوثائق والملاحق الاستثمار الكافي.
اختلط السرد التاريخي أحيانًا بالخطاب السياسي أو الصحفي.
قدمت الرسالة مادة مفيدة لكنها ليست مرجعًا نهائيًا في الموضوع.
تظل الحاجة قائمة إلى دراسات يمنية جديدة أكثر تخصصًا وتعددًا في المناهج والمصادر.
خاتمة
تبقى رسالة د. رياض الصفواني خطوة مهمة وشجاعة في تاريخ الدراسات اليمنية الحديثة حول يهود اليمن، وقيمتها الأساسية أنها فتحت الباب أمام موضوع ظل طويلًا خارج الاهتمام الأكاديمي المحلي.
لكن الدراسات العلمية تتطور بالمراجعة والنقد وإعادة القراءة، وليس بالقبول المطلق أو الرفض المطلق.
واليوم أصبحت مئات الكتب والدراسات والمقالات والأرشيفات الرقمية متاحة عبر المنصات الأكاديمية العالمية، كما أصبحت أدوات الترجمة والبحث والوصول إلى الوثائق أسهل بكثير مما كانت عليه قبل عشرين عامًا.
ولذلك تبدو الفرصة مناسبة أمام جيل جديد من الباحثين اليمنيين لإعادة كتابة تاريخ يهود اليمن بصورة أكثر اتساعًا وتعددًا وهدوءًا، تجمع بين الوثيقة والتاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا والدراسات الدينية والذاكرة الشفوية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التبسيط الأيديولوجي.
فاليهود اليمنيون لم يكونوا هامشًا في تاريخ اليمن، بل كانوا جزءًا من نسيجه الإنساني والحضاري، ودراسة تجربتهم لا تعني كتابة تاريخ جماعة واحدة فحسب، ولكن تعني أيضًا فهم اليمن نفسه وتاريخه وتعقيداته وتحولاته عبر القرون.