أدب وفن

تعدد القراءات واحتمالات المعنى في شعر أدونيس: حين تصبح القصيدة فضاءً لا ينتهي للتأويل

يمنات

ربى رباعي – الأردن

ليس الشعر عند أدونيس كلماتٍ تُقال ثم تنتهي، ولا قصيدةً تُقرأ مرة واحدة ثم تُغلق دلالتها، بل هو رحلة مستمرة في اكتشاف المعنى. فكل قراءة لنصوصه تبدو وكأنها ولادة جديدة للقصيدة، إذ لا تمنح قارئها إجابة نهائية، وإنما تدفعه إلى المزيد من الأسئلة، وتفتح أمامه آفاقًا واسعة من التأويل.

لقد أسهم أدونيس في إحداث تحول عميق في بنية الشعر العربي الحديث، حين تجاوز وظيفة الشعر بوصفه وسيلة للتعبير المباشر، ليصبح فضاءً معرفيًا يعيد تشكيل العالم والإنسان واللغة.

ومن هنا جاءت قصيدته محمّلة بالرموز، والأساطير، والإشارات الثقافية التي تجعل المعنى متحركًا لا يستقر عند حدود تفسير واحد.

إن أكثر ما يميز التجربة الشعرية الأدونيسية هو قدرتها على تحرير اللغة من معناها المباشر. فالكلمة لديه لا تشير إلى الشيء بقدر ما تخلق له وجودًا جديدًا داخل النص. ولهذا تبدو الصورة الشعرية مفتوحة على احتمالات عديدة، يستطيع كل قارئ أن يكتشف فيها ما يتوافق مع تجربته ورؤيته للعالم.

وعندما يستحضر أدونيس شخصيات مثل جلجامش، وتموز، وأورفيوس، والحلاج، والمتنبي، فإنه لا يعيد سرد التاريخ أو الأسطورة، بل يمنح هذه الشخصيات حياة جديدة داخل القصيدة، فتغدو رموزًا للثورة، والبحث، والفداء، والتمرد، والحرية. وهكذا تتحول القصيدة إلى مساحة تتقاطع فيها الأزمنة والثقافات، وتتداخل فيها الأصوات الإنسانية المختلفة.

ولا يقل التناص أهمية عن الرمز في بناء هذا العالم الشعري. فالنص الأدونيسي يتحاور باستمرار مع القرآن الكريم، والتراث العربي، والفكر الصوفي، والأساطير القديمة، والفلسفات الحديثة، فينشأ نسيج لغوي وثقافي بالغ الثراء، يجعل القارئ شريكًا في اكتشاف العلاقات الخفية بين النصوص، لا مجرد متلقٍ لمعنى جاهز.

ومن هنا يبرز دور القارئ بوصفه عنصرًا أساسيًا في إنتاج الدلالة. فالمعنى في شعر أدونيس لا يكتمل داخل القصيدة وحدها، وإنما يولد في لحظة اللقاء بين النص والقارئ. لذلك قد يقرأ أحدهم القصيدة قراءة وجودية، بينما يراها آخر نصًا سياسيًا أو صوفيًا أو فلسفيًا، وكل قراءة تضيف للنص بعدًا جديدًا دون أن تلغي القراءات الأخرى.

وتتلاقى هذه الرؤية مع مفهوم “النص المفتوح” الذي طرحه أمبرتو إيكو، حيث يبقى العمل الأدبي قادرًا على إنتاج معانٍ متعددة مع احتفاظه بوحدته الفنية. وهذا ما نجده بوضوح في شعر أدونيس؛ فقصائده لا تنغلق على تفسير واحد، بل تظل قابلة لإعادة الاكتشاف مع كل قراءة جديدة.

إن فرادة المشروع الشعري عند أدونيس لا تكمن في جمال الصورة أو ثراء اللغة فحسب، وإنما في قدرته على تحويل القصيدة إلى فضاء للحوار المعرفي والإنساني، حيث تتجاور الأسطورة مع التاريخ، والفلسفة مع الشعر، والواقع مع الحلم، لتولد شبكة لا تنتهي من الدلالات.

لهذا يبقى شعر أدونيس واحدًا من أكثر النصوص العربية الحديثة قابلية للتأويل، وأكثرها قدرة على تجديد معناه مع تغير الأزمنة والقرّاء. فكل قراءة تضيف طبقة جديدة من الفهم، وكل قارئ يعثر في القصيدة على أدونيس مختلف، وكأن النص يعيد كتابة نفسه في كل مرة يُقرأ فيها.

إن الشعر الحقيقي لا يقدّم المعنى، بل يوقظ الرغبة في البحث عنه، وهذا ما حققه أدونيس بامتياز. فقد جعل من القصيدة العربية الحديثة فضاءً مفتوحًا للحرية الفكرية، وللتعدد، وللحوار المستمر بين النص والقارئ، لتظل قصائده شاهدة على أن المعنى ليس نهاية الطريق، بل بدايته.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.