أهم الأخبارفضاء حر

كيف يتحول الدين من قوة أخلاقية إلى أداة للاستبداد؟

يمنات

صالح هبره

تمهيد:

إن الأزمة التي يعاني منها “اليمن” ليست أزمة خاصة به وحده، وإنما هي أزمة عامة تختلف مظاهرها من بلد إلى آخر. وهي ليست أزمة سياسية بحتة كما يتصور كثير من الناس، وإن كان السياسيون قد تناولوها من زاويتهم الخاصة، مما أكسبها طابعًا سياسيًا في الوعي العام. غير أن جذورها أعمق من ذلك بكثير؛ فهي في جوهرها أزمة فكر ووعي ومفاهيم.

ومشكلة الفكر لا تعالَج إلا بالفكر، ولا يمكن القضاء عليه بقوة الصواريخ، ولا بزخات الرصاص، ولا بمجرد استبدال مسؤول بآخر. 

صحيح أن القوة قد تُضعف بعض الأفكار أو تدفعها إلى الانكماش والكمون فترة من الزمن، لكنها سرعان ما تعود إلى الظهور ما لم تُعالَج معالجةً جذرية.

إن الاستبداد باسم الدين، والخلط بين مفهوم الدين ومفهوم السلطة، وبين المقدس والبشري، وبين الوحي والتأويل، وبين العقيدة والحزب؛ كلها نتاج مفاهيم مضطربة أسهمت في تكوين أزمة مركبة تحتاج إلى مراجعة فكرية عميقة، وإلى بناء وعي مجتمعي جديد قادر على تجاوز أخطاء الماضي واستشراف المستقبل.

وفي هذا السياق كتب الشاب والمفكر (*زكريا نمر)* مقالًا مهمًا تناول فيه هذه الإشكالية، فشخّص أسبابها، واقترح بعض معالجاتها بأسلوب علمي رصين ولغة دقيقة ومختصرة. 

ونظرًا لأهمية ما تضمنه المقال، رأيت أن أشارك به مع القراء الأعزاء على صفحتي هذه، مقسمًا إلى ثلاثة أجزاء تسهيلًا للقراءة والمتابعة.

وقد وجدته من المقالات النادرة التي تجمع بين عمق الفكرة، ودقة التشخيص، وحسن العرض، الأمر الذي يجعله جديرًا بالقراءة والتأمل والنقاش.

كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ القدير (*هاشم الحسني*)، مدير مكتبنا والمشرف على الصفحة، لما يوافينا به دائمًا من مواد فكرية وعلمية نافعة وجديرة بالمتابعة.

(*الجزء الأول*)

*المشكلة في اللحظة التي يتحول فيها الدين سلطة*:

ليست المشكلة في الدين، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الدين إلى سلطة، ويتحول الإيمان إلى أيديولوجيا، ويتحول الله إلى شعار لتجييش وتحشيد الجماهير.

ففي تلك اللحظة يتوقف الدين عن كونه سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا، ويصبح أداة لإدارة المجتمع وإخضاعه، وتغدو السياسة امتدادًا للعقيدة لا مجالًا للتفاوض بين المواطنين.

وهنا تبدأ الأزمة التي عاشتها معظم تجارب الإسلام السياسي: *أزمة الخلط بين المقدس والبشري، وبين الوحي والتأويل، وبين العقيدة والحزب أو الحركة*.

لقد كان المشروع الذي رفعته الحركات الإسلامية قائمًا على فرضية تبدو بسيطة، وهي *أن سبب تخلف المسلمين هو الابتعاد عن الدين، وأن العودة إلى الشريعة كافية لإنتاج العدالة والحرية والتنمية.*

غير أن هذه الفرضية لم تكن قراءة للتاريخ بقدر ما كانت اختزالًا له.

فهي تعاملت مع الحضارة وكأنها نتيجة مباشرة للتدين، بينما تجاهلت أن ازدهار الأمم ارتبط كذلك ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية العقل، وسيادة القانون.

كان الشعار أكثر حضورًا من الفكرة، وأكثر قوة من البرنامج، لكن الشعارات لا تبني دولة.

*فالدولة ليست عقيدة، بل شبكة معقدة من المؤسسات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والإدارية.*

ولهذا اصطدمت الحركات الإسلامية بالواقع؛ إذ اكتشفت أن إدارة الاقتصاد لا تتم بالوعظ، وأن حل البطالة لا يكون بإحياء الخطاب الديني، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان تطبيق الشريعة، بل ببناء قضاء مستقل ومؤسسات خاضعة للمساءلة.

*يتبع في الجزء الثاني: احتكار الحقيقة وتقديس السلطة.*

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.